297‏السنة 123-العدد2002نوفمبر30‏25رمضان 1423هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

القيادات يعترفون بغياب الشرعية وتصاعد الانقسامات
المسلمون في فرنســا يبحثون عن هوية

الرئيس الفرنسى جاك شيراك خلال زيارته للجامع الكبير فى باريس بعد حادث برجى التجارة فى نيويورك

باريس ـ أحمد الشيخ


لا تبدو أوضاع المسلمين في فرنسا خارج سياق أوضاعهم في باقي بلدان أوروبا‏..‏ فالأوجاع متشابهة والتحديات متطابقة‏,‏ لا سيما بعد أحداث‏11‏ سبتمبر التي وضعت كل المسلمين في سلة الشك والتعقيد‏.‏
غير أن الأسئلة الحائرة باتت تضغط بقوة علي الجالية العربية والإسلامية في فرنسا‏..‏ فمتي يكون في مقدور هذه الجالية تحقيق تمثيل حقيقي في المجتمع‏,‏ وهل ترغب فرنسا في وجود هذا التمثيل‏,‏ وما الدور الذي تلعبه البلدان الأصلية لهؤلاء المهاجرين في ترسيخ أزماتهم ومشاكلهم‏,‏ وما العقبات والصراعات الداخلية التي تضعف هذه الجالية وتجعلها لقمة سائغة للجالية اليهودية المنظمة للغاية؟‏!‏تساؤلات كان لابد من الإجابة عنها عبر شهادات رموز وأقطاب الجالية العربية والإسلامية في فرنسا‏.‏
البروفيسور التونسي سليمان الدوقي هو من الذين يعملون منذ سنوات عديدة من أجل توحيد كلمة العرب والمسلمين في فرنسا‏,‏ وكان رئيسا لجمعية معرفة الإسلام‏.‏ كما أسس مع آخرين من العرب والفرنسيين جمعية النداء العربي الفرنسي لذا فقد كان طبيعيا أن يتسم حديثه بالجدية والصراحة إذ قال إن ما حدث في‏11‏ سبتمبر وموت الأبرياء لابد أن يزعج كل مسلم نزيه‏,‏ لكن علينا أن نعترف أيضا بأن ما حدث كان نتيجة طبيعية لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية ومواقفها المعادية للعرب والمسلمين‏,‏ الآن يتحدثون يوميا عن الإسلام والمسلمين في الإعلام المرئي والمكتوب‏,‏ ويثيرون الناس ضدنا ويحدثون خلطا متعمدا بين الإسلام والإرهاب‏.‏ لكنك إذا نظرت إلي هؤلاء الذين يتحدثون ستجد أن أكثر من‏%90‏ منهم غير مسلمين ولا يعرفون الإسلام ولا المسلمين‏,‏ ويطلقون علي أنفسهم رجال علم واختصاص‏!‏ بينما لا يسمح لرجال المسلمين أن يعبروا عن مواقفهم‏,‏ فهل من المعقول أن يتم توجيه الاتهام إلي المسلمين وجماعة بن لادن بعد خمس دقائق فقط من وقوع الحادث بينما لا يعرف أحد منهم من قتل كيندي بعد أربعين سنة؟
الشيء المحقق أن هناك سياسة إعلامية مدبرة ومنظمة تهدف إلي خلط ما يسمونه بالإرهاب مع الإسلام وهي سياسة تحركها عناصر معادية للإسلام والمسلمين‏.‏ تبدأ هذه السياسة بالتركيز علي وقائع وصور حادث التفجير ويعاد بثها مرارا وتكرارا‏.‏ وكأنهم يقدمون معلومات أو حقائق‏,‏ لكن دون تحليل معمق ودون إشارة إلي الأسباب الحقيقية التي أدت إلي مثل هذا الحادث‏,‏ فقط يصورون الحادث وكأننا نعيش حربا عالمية‏!!‏
ويقول البروفيسور سليمان الدوقي عن أوضاع المسلمين في فرنسا هذه الأيام‏:‏ وضع المسلمين في فرنسا ليس كوضع اليهود أو المسيحيين‏.‏ المسيحية مثلا لها أملاكها وكنائسها أوخيراتها‏,‏ وكذلك الجالية اليهودية‏,‏ بينما الجالية الإسلامية رغم أن عددها يتجاوز خمسة ملايين إلا أنها محدودة للغاية في إمكاناتها ومواردها ولم تتوافر لها بعد الفرصة لتنظيم نفسها بصورة فعالة‏,‏ ويعود ذلك في رأيي إلي أن وزارة الداخلية الفرنسية تريد أن تنظم بنفسها الجالية وتختار الأفراد الذين تود التعامل معهم‏,‏ وخير مثال لذلك ما حدث معنا في جمعية وبرنامج معرفة الإسلام حيث تم استبدالنا بمجموعة أخري تعمل وتتعاون مع أجهزة وزارة الداخلية المختصة بشئون العبادات‏.‏ ونحن أعلنا أننا نريد تطبيق القانون الفرنسي علي الجميع سواء بسواء‏,‏ ونحن الذين نؤمن بالعلمانية بمعني عدم تدخل الدولة في شئون الأديان وندعو إلي أن يتمكن أبناء الجالية من تنظيم شئونهم بأنفسهم‏,‏ لكن ما نراه أن البلد المضيف لنا لا يريد أن تتمكن الجالية الإسلامية من امتلاك تنظيم قوي يعبر عن مصالحها‏.‏
والوجه الآخر لمأساتنا يعود إلي بلادنا الأصلية‏,‏ إذ أن كل بلد يريد أن تكون الجالية العربية والإسلامية مرتبطة به مباشرة وناطقة باسمه وبمصالحه أولا وأخيرا ولا يريدون لنا أن ننفتح علي القوي والبلدان الأخري وهذا يحدث صراعات ومشاكل كثيرة تمنعنا من توحيد أنفسنا في تنظيم قوي ومتماسك ومعبر عن مصالحنا وطموحاتنا‏.‏
نحن نريد تحقيق العدل والانسجام في المجتمع وأن تتحقق المواطنة للجميع‏.‏ نحن نبحث عن تضامن الناس مع احتفاظ كل منا بمصادره الثقافية والحضارية والدينية‏.‏ كل منا له تصوره للوجود والحياة ولا يتضمن بالضرورة عداء أو حروبا‏.‏ كل منا عليه أن يقبل الآخر‏,‏ كأننا في رباط إنساني واحد‏.‏
فالعصر الذي نعيش فيه هو عصر تعدد الثقافات حتي داخل المجتمع الواحد فما بالك بالأمر بين الدول والثقافات المختلفة‏,‏ وهذا يزعج البعض ويجعلهم يتحدثون عن صدام الحضارات بينما نحن الذين نطالب بالحوار بين الثقافات والحضارات‏.‏
صراعات

ويري رئيس حسين ـ مدير الشئون الثقافية في مسجد باريس الكبير وأستاذ الشريعة في جامعة السوربون ـ أن الجالية العربية تعيش انقساما واضحا علي المستوي الشعائري والعقائدي والاجتماعي والتنظيمي والسياسي‏,‏ فالأفارقة لهم رأي‏,‏ والمغاربة لهم رأي آخر‏,‏ والمشارقة لهم رأي ثالث‏..‏ وإذا ذهبنا بعيدا ـ كما يقول رئيس حسين ـ فإننا نجد داخل كل فئة من هذه الفئات صراعات داخلية وصراعات فيما بينها‏,‏ ويصل بها الأمر إلي أن البعض منها يشارك في الانتخابات لصالح حزب الجبهة الوطنية‏,‏ وهو حزب يميني متطرف يقوم أساسا علي العداء للمهاجرين الأجانب‏!‏
والبعض الآخر من أبناء الجالية العربية والإسلامية يؤيدون الحزب الاشتراكي رغم أنهم اكتشفوا أن هذا الحزب في السنوات الأخيرة كان من المناصرين للصهاينة ويبتعد أكثر فأكثر عن قضايا العرب والمسلمين‏,‏ والبعض الثالث من أبناء الجالية يوزعون نشاطهم بين الأحزاب اليمينية الأخري المعتدلة كحزب الجمهورية وغيره من الأحزاب‏.‏
ويواصل رئيس حسين حديثه قائلا‏,‏ هناك شكوي من أطراف عديدة‏,‏ سواء من داخل الجالية أم من خارجها‏,‏ لغياب شرعية الجهات الممثلة للمسلمين في فرنسا‏,‏ وهي شكوي نابعة أولا من الحياة المعيشية لأبناء الجالية الإسلامية في فرنسا‏,‏ لأنهم بشكل أو بآخر تعترضهم قضايا ومشاكل لابد من البحث لها عن أجوبة‏,‏ وذلك لا يمكن أن يكون إلا عن طريق من يمثلهم‏,‏ وكلنا يعرف أن الوجود الإسلامي في فرنسا في مختلف أوضاعه غير واضح‏,‏ فالجالية من حيث عددها في تزايد مستمر‏,‏ ومن حيث ثقلها الاقتصادي والثقافي أيضا متنامية‏,‏ لكن الجانب التمثيلي والمعنوي ليس كذلك‏,‏ والسر في هذا يعود إلي أسباب عديدة منها ما هو معروف ومتعارف عليه‏,‏ كالحضور الإسلامي الحديث العهد نسبيا‏,‏ وعدم تجذر أهله في مختلف شرايين المجتمع في هذه البلاد‏,‏ ومنها ما هو دقيق ويصعب تناوله بسهولة كالتداخل بين القوانين التي تنظم فرنسا من دستور وغيرها‏,‏ وحقوق الأفراد والطوائف الموجودة علي التراب الفرنسي‏.‏
ويضيف رئيس حسين لقد حاولت وزارة الداخلية في السنوات الأخيرة علي مدار عدة وزارات استحداث هيئة معينة تكون لسان هذه الجالية لدي السلطات لكن يبدو أن هذه الوزارات‏,‏ أو المجموعات التي اهتمت بهذه المسألة‏,‏ لا ترغب أو لا تفهم ما هو الأسلوب الذي ينبغي اتخاذه للوصول إلي تهيئة المناخ وتوفير أسباب تكوين هذا التمثيل المعبر عن الجالية‏,‏ فمن عهد وزير الداخلية الأسبق بيير جوكس‏,‏ الذي أراد تكوين مجلس استشاري إلي الوزير شارل باسكوا الذي جمع أشتاتا من المسلمين وجعل منهم هيئة شبه تمثيلية منتقلا بذلك ـ حسب تعبيره ـ من الإسلام المتسامح معه إلي الإسلام المقبول‏,‏ وما صدر عن هذه الهيئة من ميثاق لتنظيم الجالية‏,‏ وصولا إلي آخر محاولة قام بها وزير الداخلية السابق جان بيير شيفنمو الذي بذل جهودا متواصلة لإعادة القطار إلي مساره الطبيعي ولا ندري هل أريد بذلك خيرا أم غيره؟‏!‏
الاستشارة

ويؤكد خلدون حمادة ـ وهو عضو المجلس الأعلي لمسلمي فرنسا ورئيس المعهد الدولي للدراسات النقشبندية ومرشح لانتخابات البرلمان الأوروبي ـ أن هناك ضرورة ملحة لتنظيم أوضاع المسلمين في فرنسا من الناحية الدينية‏..‏ ويري أن فكرة الاستشارة لن يكتب لها النجاح لأنها أولا لا تحظي بالإجماع الوطني الفرنسي‏,‏ فهي تحمل طابع وبصمات اليسار والحزب الاشتراكي الفرنسي أثناء إدارة جان بيير شيفنمو لوزارة الداخلية‏,‏ بينما اليمين الفرنسي يبدي تحفظه علي هذه المبادرة‏,‏ وثانيا لأن هذه الاستشارة لا تحظي كذلك‏,‏ بالإجماع الإسلامي في فرنسا فقد تحدث الكثيرون عن أن هذه الاستشارة قد أخذت طابعا مغربيا من ناحية وتعاونا وثيقا مع اتحاد المنظمات الإسلامية‏,‏ مما آثار حفيظة جامع باريس الكبير والمنظمات الإسلامية ذات الطابع الجزائري‏,‏ والذين يعتبرون أن المسلمين ذوي الأصول الجزائرية هم الأكثر عددا والأقدم وجودا علي الساحة الإسلامية في فرنسا‏,‏ مما يعطي جامع باريس الكبير أفضلية في لعب دور قيادي ومرجح في تنظيم أوضاع الممارسات الدينية الإسلامية في فرنسا‏,‏ وثالثا لأن الاستشارة هي محدودة النطاق‏,‏ فهدفها الرئيسي هو تأطير وضع الجوامع وقاعات الصلاة في فرنسا وتنظيم وضع الأئمة‏,‏ ولا تتطرق عمليا إلي العديد من النواحي المهمة للممارسات الإسلامية في فرنسا‏.‏ كما يغلب علي هذه الاستشارة الطابع الأمني‏,‏ فوزارة الداخلية ترغب في معرفة أوضاع الجوامع والجمعيات الإسلامية وتحديد المسئولين عن إدارتها‏,‏ وتدقيق ملفات الأئمة واتجاهاتهم الدينية والسياسية وكذلك أوضاعهم الإدارية والمهنية وذلك من أجل ضبط ملفاتهم الأمنية‏,‏ وهذا مفهوم من وجهة نظر وزارة الداخلية‏,‏ ولكنه غير كاف لتنظيم أوضاع الإسلام والمسلمين في فرنسا‏*‏