297‏السنة 123-العدد2002نوفمبر30‏25رمضان 1423هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

لا يقين علي أن ليلة القدر في السابع والعشرين من رمضان

إعداد‏:‏ د‏.‏ حسن علي دبا


قارب موسم الطاعات علي الأفول‏,‏ فمن الناس من ضاعف فيه حسناته‏,‏ ونال خيراته ومنهم من خسر صيامه‏,‏ ولم ينتفع برمضان ولم يستفد منه صياما أو قياما‏,‏ ومع ذلك فإن العشر الأواخر من رمضان لم تنته بعد‏,‏ ومازال ليل ونهار رمضان أبوابا مفتوحة إلي السماء ليجتهد من أراد في عبادته‏.‏
عن فضل وسر اجتهاد المسلمين في عبادتهم في العشر الأواخر من رمضان وعن زكاة الفطر وأسئلة أخري عن رمضان وصيامه تكون إجابات د‏.‏ يوسف القرضاوي هذا الأسبوع الذي بدأ يحث علي اغتنام أيام رمضان الأخيرة قائلا‏:‏تنال رحمة الله تعالي بالإقبال عليه‏,‏ والاجتهاد في ذكره وشكره‏,‏ وحسن عبادته وقد ابتلينا ببعض المسلمين الذين يقضون النهار في منام‏,‏ والليل في طعام‏,‏ ويضيعون فرصة التزود من هذا الشهر الكريم وفي الحديث الشريف‏:‏إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة‏,‏ وغلقت أبواب النار‏,‏ وصفدت الشياطين‏.‏
ومن ألوان الطاعة في هذا الشهر‏:‏ الإكثار من ذكر الله تعالي‏,‏ والاستغفار والدعاء وتلاوة القرآن‏,‏ والحرص علي الصلاة في الجماعة وهذا مستحب للمسلم في كل وقت‏,‏ ولكنه في رمضان أكثر استحبابا‏,‏ حتي لا يتسرب منه الشهر الكريم يوما بعد يوم‏,‏ دون أن ينال حظه فيه من المغفرة‏,‏ والعتق من النار‏,‏ ولله كل ليلة فيه عتقاء من النار وقد روي كعب بن عجرة وغيره أن جبريل عليه السلام دعا علي من أدرك رمضان فلم يغفر له‏,‏ وأمن عليه رسول الله صلي الله عليه وسلم‏,‏ ومن أهم ما ينبغي للصائم الحرص عليه في رمضان‏:‏ الجود وفعل الخير‏,‏ وبذل المعروف للناس وإطعام الطعام‏,‏ فهكذا كان رسول الله صلي الله عليه وسلم‏,‏ قال ابن عباس‏:‏ كان النبي أجود الناس بالخير‏,‏ وكان أجود ما يكون في رمضان‏,‏ حين يلقاه جبريل‏,‏ وكان يلقاه كل ليلة في رمضان حتي ينسلخ‏,‏ يعرض عليه النبي صلي الله عليه وسلم القرآن‏,‏ فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة‏.‏
‏ ما مكانة الدعاء في أيام رمضان؟
يستحب للصائم أن يرطب لسانه بذكر الله ودعائه طوال يوم صومه‏,‏ فإن الصوم يجعله في حالة روحية تقربه من الله تعالي‏,‏ وتجعله في مظنة الاستجابة لدعائه والذكر والدعاء مطلوب من الصائم طوال نهاره‏,‏ لكنه مطلوب بصورة خاصة عند الإفطار وكان النبي صلي الله عليه وسلم يدعو‏:‏ذهب الظمأ وابتلت العروق‏,‏ وثبت الأجر‏,‏ إن شاء الله تعالي‏,‏ ويدعو عند الإفطار بما أحب لدينه ودنياه وآخرته‏,‏ لنفسه ولذويه‏,‏ وللمسلمين‏,‏ فهو وقت ترجي فيه الإجابة‏,‏ فقد روي ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو‏:‏أن للصائم عند فطره دعوة لا ترد‏,‏ وكان عبد الله بن عمرو يجمع بنيه عند الإفطار ويدعو قائلا‏:‏اللهم أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي ذنوبي‏.‏
‏ ما سر اجتهاد المسلمين في العبادة في العشر الأواخر من رمضان؟
صحت الأحاديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه كان يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها‏,‏ وقالت عائشة‏:‏ كان إذا دخل العشر شد مئزره‏,‏ وأحيا ليله‏,‏ وأيقظ أهله وشد المئزر كناية عن الاجتهاد في العبادة‏,‏ يقال للمجتهد في أمر‏:‏شمر عن ساقيه كما يكني به عن اعتزال النساء‏,‏ والمراد بقولها‏:‏أحيا ليلة أي أحياه كله بالقيام والتعبد والطاعة‏,‏ وقد كان قبل ذلك يقوم بعضه‏,‏ وينام بعضه‏,‏ كما أمره الله في سورة المزمل ومعني أيقظ أهله أي زوجاته أمهات المؤمنين ليشاركنه في اغتنام الخير والذكر والعبادة في هذه الأوقات المباركة أما سر هذا الاجتهاد والمبالغة في الأواخر فيكمن في أمرين‏:‏ الأول أن هذه العشر هي ختام الشهر المبارك‏,‏ والأعمال بخواتيمها ولهذا كان من دعائه عليه الصلاة والسلام اللهم اجعل خير أيامي يوم ألقاك‏,‏ وخير عمري أواخره‏,‏ وخير عملي خواتمه والثاني أن ليلة القدر المباركة يرجح أن تكون في هذه العشر الأواخر‏,‏ بل صحت الأحاديث أنها تلتمس فيها‏,‏ فاللبيب الكيس من اجتهد في هذه العشر‏,‏ عسي أن يظفر فيها بهذه الليلة فيغفر له ما تقدم من ذنبه‏.‏
‏ وكيف تري فضل ليلة القدر وهل تري يقينا في تحققها في ليلة السابع والعشرين؟
أشار القرآن إلي فضل هذه الليلة العظيمة وأنزل فيها سورة كاملة‏:‏إنا أنزلناه في ليلة القدر‏,‏ وما أدراك ما ليلة القدر‏,‏ ليلة القدر خير من ألف شهر‏,‏ تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر‏,‏ سلام هي حتي مطلع الفجر‏,‏ فقد عظم القرآن شأن هذه الليلة فأضافها إلي القدر أي المقام والشرف‏,‏ وأي مقام وشرف أكثر من أن تكون خيرا وأفضل من ألف شهر‏,‏ أي الطاعة والعبادة فيها خير من العبادة في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر‏.‏
وألف شهر تساوي ثلاثا وثمانين سنة وأربعة أشهر‏,‏ أي أن هذه الليلة الواحدة أفضل من عمر طويل يعيشه إنسان عمره ما يقارب مائة سنة‏,‏ إذا أضفنا إليه سنوات ما قبل البلوغ والتكليف‏,‏ وهي ليلة تتنزل فيها الملائكة برحمة الله وسلامه وبركاته‏,‏ ويرفرف فيها السلام حتي مطلع الفجر ومن حديث أبي هريرة‏:‏من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه‏.‏
وليلة القدر في شهر رمضان يقينا‏,‏ لأنها الليلة التي أنزل فيها القرآن‏,‏ وهو أنزل في رمضان لقوله تعالي‏:‏شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدي للناس وبينات من الهدي والفرقان والواضح من جملة الأحاديث الواردة أنها في العشر الأواخر لما صح عن عائشة قالت‏:‏ كان رسول الله يحاور في العشر الأواخر من رمضان‏,‏ ويقول‏:‏تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان وعن أبي سعيد أن النبي صلي الله عليه وسلم خرج إليهم صبيحة عشرين فخطبهم‏,‏ وقال‏:‏إني أريت ليلة القدر‏,‏ ثم أنسيتها ـ أي نسيتها ـ فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر‏(‏ يجاور أي يعتكف في المسجد‏),(‏ الليالي الوترية هي الليالي الفردية‏).‏
‏ لكن هذه الليالي تختلف من بلد إلي آخر‏,‏ فليلة‏21‏ رمضان ليست الليلة نفسها في بلد آخر؟
لذا كان الاحتياط هو التماس ليلة القدر في جميع ليالي العشر الأخيرة‏,‏ ويتأكد التماسها وطلبها في الليالي السبع الأخيرة من رمضان‏,‏ فعن ابن عمر أن رجالا من أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر‏,‏ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم‏:‏أري رؤياكم قد تواطأت أي توافقت في السبع الأواخر‏,‏ فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر‏,‏ وعن ابن عمر‏:‏التمسوها في العشر الأواخر‏,‏ فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن علي السبع البواقي وأري أنه لا يقين في ذلك‏,‏ فتعدد الأقوال في تحديدها أحصاها الحافظ ابن حجر في‏46‏ قولا‏!‏ وأرجحها أنها في وتر من العشر الأخيرة‏,‏ وأنها تنتقل كما يفهم من أحاديث هذا الباب وأرجاها أوتار العشر‏,‏ وأرجي أوتار العشر عند الشافعية ليلة إحدي وعشرين‏,‏ وعند الجمهور ليلة سبع وعشرين‏.‏
‏ ما حكمة هذا الإخفاء لليلة القدر؟
لله حكمة بالغة في إخفائها عنا‏,‏ فلو تيقنا أي ليلة هي لتراخت العزائم طوال رمضان‏,‏ واكتفت بإحياء تلك الليلة‏,‏ فكان إخفاؤها حافزا للعمل في الشهر كله‏,‏ ومضاعفته في العشر الأواخر منه وفي هذا خير كثير للفرد وللجماعة وهذا كما أخفي الله تعالي عنا ساعة الإجابة في يوم الجمعة لندعوه في اليوم كله‏,‏ وأخفي اسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب لندعوه بأسمائه الحسني جميعا‏.‏
‏ هل يمكن أن يختص الله بعض الناس بعلامة أو رؤيا ليعرف ليلة القدر؟
رأي جمع من العلماء ذلك مستدلين بحديث أبي هريرة‏:‏من يقم ليلة القدر فيوافقها وبحديث عائشة‏:‏أرأيت يا رسول الله أن وافقت ليلة القدر ما أقول؟ فقال‏:‏قولي‏:‏ اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني وفسروا الموافقة بالعلم بها‏,‏ وأن هذا شرط في حصول الثواب المخصوص بها وهذا مما لا يقوم عليه دليل‏.‏
فليلة القدر ليلة عامة لجميع من يطلبها‏,‏ ويبتغي خيرها وأجرها‏,‏ وما عند الله فيها‏,‏ وهي ليلة عبادة وطاعة وصلاة وتلاوة وذكر ودعاء وصدقة وصلة وعمل للصالحات وفعل للخيرات وأدني ما ينبغي للمسلم أن يحرص عليه في تلك الليلة هو أن يصلي العشاء في جماعة والصبح أيضا فهما بمثابة قيام الليل‏:‏من صلي العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل‏,‏ ومن صلي الصبح في جماعة فكأنما صلي الليل كله‏.‏
‏ تكتمل طهرة الصائم بإخراج زكاة الفطر هل تجب علي الفقير؟
اشترط الجمهور لإيجابها علي الفقير أن يكون فاضلا عن مسكنه ومتاعه وحاجاته الأصلية ومن كان في يده ما يخرجه عن صدقة الفطر‏,‏ وعليه دين مثله لزمه أن يخرج الصدقة‏,‏ إلا أن يكون مطالبا بالدين‏,‏ فعليه قضاء الدين ولا زكاة عليه‏.‏
‏ هل يجوز إخراج القيمة في زكاة الفطر؟
لم يجز الأئمة الثلاثة إخراج القيمة في زكاة الفطر وفي سائر الزكوات‏,‏ وهناك من الفقهاء من يجيز إخراج القيمة وهم‏:‏ أبو حنيفة وأصحابه‏,‏ والحسن البصري وسفيان الثوري وخامس الراشدين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه‏,‏ أجازوا إخراج القيمة في الزكاة ومنها زكاة الفطر‏.‏ وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية مذهبا وسطا بين الفريقين المتنازعين قال فيه‏:‏ الأظهر في هذا أن إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة راجحة ممنوع منه‏,‏ ولهذا قدر النبي صلي الله عليه وسلم الجبران بشاتين أو عشرين درهما ولم يعدل إلي القيمة‏,‏ ولأنه متي جوز إخراج القيمة مطلقا فقد يعدل المالك إلي أنواع رديئة‏,‏ وقد يقع في التقويم ضرر ولأن الزكاة مبناها علي المواساة وهذا معتبر في قدر المال وجنسه‏,‏ وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل فلا بأس به مثل أن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم‏,‏ فهنا إخراج عشر الدراهم يجزئه ولا يكلف أن يشتري ثمرا أو حنطة إذا كان قد ساوي الفقراء بنفسه‏,‏ وقد نص أحمد علي جواز ذلك والخلاف هنا بين مدرستين‏:‏ الأولي تراعي في اجتهادها المقاصد الكلية للشريعة ولا تهمل النصوص الجزئية‏,‏ والأخري التي لا تنظر إلا إلي النصوص الجزئية وحدها وقد عمل بهذا القول‏(‏ إخراج القيمة‏)‏ في خير القرون بعد قرن الصحابة وهو قرن التابعين لهم بإحسان وعمل به خليفة أجمعوا علي أنه من الراشدين المهديين وهو عمر بن عبد العزيز‏.‏
‏ لمن تعطي زكاة الفطر؟
تعطي وتصرف لفقراء المسلمين بإجماع الفقهاء وذلك لقوله صلي الله عليه وسلم‏:‏أغنوهم أي الفقراء‏..‏ كما أجاز بعض الفقهاء أن يعطي المسلم زكاة فطره لأهل الذمة الفقراء‏,‏ وذلك بعد أن يستغني فقراء المسلمين أولا‏,‏ ولاشك أنها لفتة إنسانية كريمة تنبيء عن روح الإسلام السمحاء‏,‏ ويجوز تعميم زكاة الفطر علي مصارف الزكاة الثمانية‏,‏ والأولي تقديم الفقراء علي غيرهم إلا لحاجة ومصلحة إسلامية معتبرة ويجوز للمسلم أن يدفع زكاته لعدة أشخاص كما يجوز لعدة أشخاص أن يدفعوا زكاتهم لفقير واحد‏,‏ كما لا يجوز دفع زكاة الفطر لكافر معاد للإسلام أو مرتد فاسق يتحدي المسلمين بفسقه أو غني بماله وكسبه أو متبطل قادر علي الكسب ولا يعمل‏*‏
في الحلقة القادمة
فقة الصيام بعد رمضان‏.‏