297‏السنة 123-العدد2002نوفمبر30‏25رمضان 1423هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

دنـيـا وآخـرة

د‏.‏ عادل صادق


كان صائما‏,‏ وهو من ضمن هؤلاء الذين يفرحون بقدوم رمضان حيث يكون في حالة مزاجية طيبة رغم ما يعانيه أحيانامن جوع وعطش وإعياء وعدم تركيز وكبت لمشاعره العاطفية المتفجرة‏.‏ إلا أنه كان يفرح بقوة إرادته وامتناعه‏,‏ كان يتلذذ بجوعه ويترطب بعطشه‏,‏ ويعمل أكثر مستعذبا التعب والإرهاق‏,‏ ولينشرح حين يشيح بوجهه عن امرأة مثيرة اعترضت طريقه مصادفة‏,‏ وكان يهنأ أكثر بحالة الهدوء النسبي التي تسود بيته حيث تعم زوجته وأبناءه تلك الروح السمحة فلا يرهقونه بطلبات فوق طاقته ولا يتعرض لأي لوم أو نقد‏.‏
نفس الحال في عمله حيث يسود سلام مؤقت فتخف المنافسة وتنخفض الأحقاد إلي الحد الأدني وتكاد تنعدم الوشايات والطعن من الظهور والضرب تحت الأحزمة‏.‏
وكان يستمتع أيضا بمتابعة برامج التليفزيون فتضحكه كطفل وتشد اهتمامه‏,‏ أما متعته القصوي فكانت زيارة الأحياء قديمة حيث تحتفظ بكل مظاهر رمضان الممتدة منذ ألف عام مضت‏,‏ كان يراقب حركة الناس وتزاحمهم واستبشارهم والود الطافح علي وجوههم‏,‏ وما يتبقي من وقت كان يقضيه في الجوامع وزيارة الأضرحة وقراءة القرآن‏.‏ وفي رمضان هذا العام كان كل شيء يسير علي خير ما يرام‏,‏ ووفق عاداته الثابتة وقد انتصف الشهر الكريم‏,‏ وبدأ في العد التنازلي حيث تتراجع الفرحة نسبيا ترقبا لعودة أيام الملل والتوتر‏.‏
خرج إلي الشارع ما بين العصر والمغرب ليتسلي بحركة الناس السريعة ليلحقوا‏!‏ الانضمام إلي ذويهم ساعة الإفطار‏,‏ وكانت السرعة تتزايد إلي أن تصل إلي حد الجنون قبل المغرب بدقائق وكأن الناس يتسابقون للحاق بآخر صاروخ ينقلهم إلي الجنة‏.‏
وفجأة‏,‏ وبدون توقع‏,‏ وبدون تعمد وبشكل تلقائي بحت التقت عيونه بوجه امرأة فظيعة الجمال‏,‏ لا يملك أي إنسان مهما أوتي من قوة أن يقاوم الإنجذاب لها‏,‏ وكأنه يصدر عن هذا الوجه البديع قوة مغناطيسية تلتقط كل العيون وكل المشاعر وتضرم في الأجساد نارا لا تنطفيء أبدا‏.‏
انتبه صاحبنا إلي النار التي أمسكت به فسرت الدماء شديدة الحرارة في كل أعضائه‏,‏ ولكن الحقيقة أن هذا الرجل أراد بإخلاص أن يخرج من مجالها المغناطيسي‏,‏ ويدير وجهه بعيدا لكنه فشل‏,‏ واعتبر ذلك ضعفا في إرادته إلا أنه في الوقت نفسه سلم بأن ما يراه من جمال في وجه هذه المرأة خارق للعادة‏.‏
ولكن المصيبة الكبري أنه لم يكتف بالنظرة العابرة بل مشي وراء المرأة يتتبعها حيث تمضي‏,‏ سأل نفسه ماذا يريد منها لكنه تعمد عدم الإجابة‏,‏ حرص ألا تغيب عن عينيه‏,‏ لكنها فجأة اختفت‏,‏ انشقت الأرض وبلعتها‏,‏ لم يستغرق اختفاؤها إلا ثانية واحدة أو ربما وقتا أقل من الثانية‏,‏ لعل رمشة عينيه طالت نسبيا مما أتاح لها الاختفاء عن ناظريه‏,‏ وشعر بالحزن وعاد إدراجه يائسا‏,‏ ثم تملكه إحساس شديد بالذنب‏,‏ لقد فسد صيام هذا اليوم واستحالت فرحة رمضان إلي شعور بالضيق والأسي‏,‏ هل هو الأسي علي ضياعها منه أم الأسي علي ضياع صيامه وتسرب فرحته واهتزاز صورته عن نفسه أمام نفسه‏.‏
تناول إفطاره بدون شهية بنظرات زائغة غير قادرة علي التركيز في وجوه أفراد أسرته‏.‏
غادر البيت بعد الإفطار مباشرة دون أن يتابع برامج التليفزيون المسلية‏.‏
ومن شدة يأسه شعر بعدوان شديد تجاه نفسه‏,‏ أراد أن يعذب نفسه أكثر وأكثر‏,‏ فأخذ ينظر إلي كل امرأة في الطريق‏,‏ أخذ يستثير مشاعره الذكرية بشكل متعمد‏,‏ أراد أن يرتكب كل الذنوب التي تلقي به إلي جهنم مباشرة‏.‏
لم تلتفت إليه أي امرأة‏,‏ ففي رمضان تتواري الرغبات المحرمة‏.‏
استشعر غيظا‏,‏ قصد خماره كان يرتادها أيام الشباب‏,‏ وجدها مغلقة‏,‏ فالشياطين تهجع في رمضان‏,‏ شعر بإحباط شديد‏,‏ فشل في أن يعاقب نفسه‏.‏
عاد إلي بيته‏,‏ كانت أسرته تلتف حول التليفزيون‏,‏ شاهد طفلا مصابا بالسرطان يطلب التبرع لبناء مستشفي‏,‏ وجعه قلبه‏,‏ نسي رحلته الخائبة‏,‏ وجدها فرصة ليتطهر‏,‏ أخذ نصف ماهو موجود بالبيت من مال وتبرع به‏,‏ اكتشفت زوجته اختفاء المال‏,‏ أثارت زوبعة تقبلها بهدوء وبشاشة‏,‏ أخبرها أين ذهب المال‏,‏ اعترضت قائلة أن ما يحتاجه البيت حرام علي الجامع‏,‏ طلب منها أن تنظر إلي ابنائهما وتدعو لهم بالنجاة‏,‏ فهمت وصمتت‏,‏ ثم انشرح صدرها وقالت له ليس لدي مانع من التبرع بالنصف الآخر‏,‏ حمد الله علي الرحمة التي أودعها قلوب عباده‏.‏
وقرر أن يعكتف حتي نهاية رمضان‏,‏ ولكن لم يرحمه خاطر من داخله انبري كسكين حاد متوهج بفعل النار في صورة سؤال وجهه إلي نفسه‏:‏ أتريد الاعتكاف حبا في العبادة أم هربا من ملذات الدنيا التي مازلت تحبها‏,‏ فانبري في داخله خاطر آخر أشد وطأة في صورة تساؤل‏:‏ وهل لا يمكن الجمع بين الدنيا والآخرة‏*‏