
|
دنـيـا وآخـرة |
 | |
د. عادل صادق كان صائما, وهو من ضمن هؤلاء الذين يفرحون بقدوم رمضان حيث يكون في حالة مزاجية طيبة رغم ما يعانيه أحيانامن جوع وعطش وإعياء وعدم تركيز وكبت لمشاعره العاطفية المتفجرة. إلا أنه كان يفرح بقوة إرادته وامتناعه, كان يتلذذ بجوعه ويترطب بعطشه, ويعمل أكثر مستعذبا التعب والإرهاق, ولينشرح حين يشيح بوجهه عن امرأة مثيرة اعترضت طريقه مصادفة, وكان يهنأ أكثر بحالة الهدوء النسبي التي تسود بيته حيث تعم زوجته وأبناءه تلك الروح السمحة فلا يرهقونه بطلبات فوق طاقته ولا يتعرض لأي لوم أو نقد. نفس الحال في عمله حيث يسود سلام مؤقت فتخف المنافسة وتنخفض الأحقاد إلي الحد الأدني وتكاد تنعدم الوشايات والطعن من الظهور والضرب تحت الأحزمة. وكان يستمتع أيضا بمتابعة برامج التليفزيون فتضحكه كطفل وتشد اهتمامه, أما متعته القصوي فكانت زيارة الأحياء قديمة حيث تحتفظ بكل مظاهر رمضان الممتدة منذ ألف عام مضت, كان يراقب حركة الناس وتزاحمهم واستبشارهم والود الطافح علي وجوههم, وما يتبقي من وقت كان يقضيه في الجوامع وزيارة الأضرحة وقراءة القرآن. وفي رمضان هذا العام كان كل شيء يسير علي خير ما يرام, ووفق عاداته الثابتة وقد انتصف الشهر الكريم, وبدأ في العد التنازلي حيث تتراجع الفرحة نسبيا ترقبا لعودة أيام الملل والتوتر. خرج إلي الشارع ما بين العصر والمغرب ليتسلي بحركة الناس السريعة ليلحقوا! الانضمام إلي ذويهم ساعة الإفطار, وكانت السرعة تتزايد إلي أن تصل إلي حد الجنون قبل المغرب بدقائق وكأن الناس يتسابقون للحاق بآخر صاروخ ينقلهم إلي الجنة. وفجأة, وبدون توقع, وبدون تعمد وبشكل تلقائي بحت التقت عيونه بوجه امرأة فظيعة الجمال, لا يملك أي إنسان مهما أوتي من قوة أن يقاوم الإنجذاب لها, وكأنه يصدر عن هذا الوجه البديع قوة مغناطيسية تلتقط كل العيون وكل المشاعر وتضرم في الأجساد نارا لا تنطفيء أبدا. انتبه صاحبنا إلي النار التي أمسكت به فسرت الدماء شديدة الحرارة في كل أعضائه, ولكن الحقيقة أن هذا الرجل أراد بإخلاص أن يخرج من مجالها المغناطيسي, ويدير وجهه بعيدا لكنه فشل, واعتبر ذلك ضعفا في إرادته إلا أنه في الوقت نفسه سلم بأن ما يراه من جمال في وجه هذه المرأة خارق للعادة. ولكن المصيبة الكبري أنه لم يكتف بالنظرة العابرة بل مشي وراء المرأة يتتبعها حيث تمضي, سأل نفسه ماذا يريد منها لكنه تعمد عدم الإجابة, حرص ألا تغيب عن عينيه, لكنها فجأة اختفت, انشقت الأرض وبلعتها, لم يستغرق اختفاؤها إلا ثانية واحدة أو ربما وقتا أقل من الثانية, لعل رمشة عينيه طالت نسبيا مما أتاح لها الاختفاء عن ناظريه, وشعر بالحزن وعاد إدراجه يائسا, ثم تملكه إحساس شديد بالذنب, لقد فسد صيام هذا اليوم واستحالت فرحة رمضان إلي شعور بالضيق والأسي, هل هو الأسي علي ضياعها منه أم الأسي علي ضياع صيامه وتسرب فرحته واهتزاز صورته عن نفسه أمام نفسه. تناول إفطاره بدون شهية بنظرات زائغة غير قادرة علي التركيز في وجوه أفراد أسرته. غادر البيت بعد الإفطار مباشرة دون أن يتابع برامج التليفزيون المسلية. ومن شدة يأسه شعر بعدوان شديد تجاه نفسه, أراد أن يعذب نفسه أكثر وأكثر, فأخذ ينظر إلي كل امرأة في الطريق, أخذ يستثير مشاعره الذكرية بشكل متعمد, أراد أن يرتكب كل الذنوب التي تلقي به إلي جهنم مباشرة. لم تلتفت إليه أي امرأة, ففي رمضان تتواري الرغبات المحرمة. استشعر غيظا, قصد خماره كان يرتادها أيام الشباب, وجدها مغلقة, فالشياطين تهجع في رمضان, شعر بإحباط شديد, فشل في أن يعاقب نفسه. عاد إلي بيته, كانت أسرته تلتف حول التليفزيون, شاهد طفلا مصابا بالسرطان يطلب التبرع لبناء مستشفي, وجعه قلبه, نسي رحلته الخائبة, وجدها فرصة ليتطهر, أخذ نصف ماهو موجود بالبيت من مال وتبرع به, اكتشفت زوجته اختفاء المال, أثارت زوبعة تقبلها بهدوء وبشاشة, أخبرها أين ذهب المال, اعترضت قائلة أن ما يحتاجه البيت حرام علي الجامع, طلب منها أن تنظر إلي ابنائهما وتدعو لهم بالنجاة, فهمت وصمتت, ثم انشرح صدرها وقالت له ليس لدي مانع من التبرع بالنصف الآخر, حمد الله علي الرحمة التي أودعها قلوب عباده. وقرر أن يعكتف حتي نهاية رمضان, ولكن لم يرحمه خاطر من داخله انبري كسكين حاد متوهج بفعل النار في صورة سؤال وجهه إلي نفسه: أتريد الاعتكاف حبا في العبادة أم هربا من ملذات الدنيا التي مازلت تحبها, فانبري في داخله خاطر آخر أشد وطأة في صورة تساؤل: وهل لا يمكن الجمع بين الدنيا والآخرة*
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|