297‏السنة 123-العدد2002نوفمبر30‏25رمضان 1423هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

هل هناك خيار ثالث؟

مدوح عدوان


بفعل التعب من أحلامنا غير المتحققة ونزيف الأمل من حياتنا‏,‏ وتسلل اليأس إلي نفوسنا‏,‏ الأمر الذي يجعل التفكير عملية مرهقة‏,‏ فإننا قد نميل إلي نوع خاص من التبسيط المريح من خلال تعميمات تبدو مقبولة في صيغها الأولي‏.‏
فمعرفتنا بأن الولايات المتحدة الأمريكية لا تحبنا‏,‏ ولا تريد لنا الخير‏,‏ وأنها تسعي في كل ما تفعله خلال تاريخها معنا إلي سرقتنا وإذلالنا وإخضاعنا للعدوان الصهيوني‏,‏ تغرينا هذه المعرفة بالوصول إلي نتيجة مفادها أن كل ما لا تحبه أمريكا يجب أن نحبه‏,‏ وكل من يكره أمريكا يجب أن نواليه ونتعاطف معه‏.‏
وكذلك الأمر في حالتنا مع إسرائيل‏,‏ فهناك ميل إلي اعتبار كل من يكره إسرائيل هو صديقنا الذي يجب أن نتشبث به‏.‏
ولكن الظروف التي عشناها تتلخص فاجعيتها في أن الخيار الذي يطرح أمامنا ليس دائما بين صديق وعدو‏.‏ بل كثيرا ما يكون هذا الخيار بين عدوين يسعيان إلي ضررنا بالمقدار ذاته‏.‏ ولا يكون بين الخيارات المتاحة جانب يحق لنا‏,‏ أو يجب علينا‏,‏ أن نمنحه ثقتنا وولاءنا‏.‏
في بلد ما قد يظهر تنظيم تخريبي يسعي إلي إيقاع الفتنة‏,‏ التي قد تعني إرجاع الوعي الشعبي والمدني والوطني قرنين من الزمان إلي الوراء علي الأقل‏.‏ ويكون رد الحكومة في ذلك البلد إطلاق يد أجهزة الأمن التي ليس لها تاريخ أبيض مع مواطنيها‏.‏ وتجد هذه الأجهزة فرصتها في ممارسة المزيد من القمع والإرهاب علي المواطنين بذريعة مطاردة التنظيم التخريبي‏.‏
أين يقف المواطن في حالة كهذه؟ مع توحش إرهاب الدولة؟ أم مع تلك الفئة الساعية إلي إيقاع الفتنة الدينية أو الطائفية أو الإقليمية؟
واستفحال الصراع بين الدولة ودعاة الفتنة يجعل كلا منهما يميل إلي اعتماد المبدأ الذي تعتمده الولايات المتحدة الأمريكية الآن‏:‏ من ليس معنا فهو ضدنا‏,‏ أو مع الإرهاب‏.‏ أي أن الصراع يسعي إلي تعطيل العقل والمنطق والقدرة علي الاختيار أو المحاكمة‏.‏ وهذا الاستفحال ذاته يحيد المواطن ويزيد في سلبيته‏.‏
واستفحال الصراع في العالم يضع العالم كله في حالة شبيهة بحالة هذا المواطن‏,‏ فيصبح العالم كله مخيرا‏,‏ مثلا‏,‏ بين الولايات المتحدة الدموية المستبيحة للشعوب وبين طالبان المتخلفة التي تريد جر العالم إلي ما وراء الحضارة والمدنية‏.‏
ونعود إلي حالة التعب العقلي الذي يميل إلي التبسيط والاسترخاء‏.‏ فنجد أن هناك رغبة ما في التعويض عن عجزنا وهزيمتنا الداخلية بالتهليل لكل من يعلن عداءه لإسرائيل أو لأمريكا‏.‏
وهكذا يستمد بن لادن شعبيته عند البسطاء من إعلانه كرهه لإسرائيل وأمريكا‏.‏ مثلما أصبح شعبان عبد الرحيم مطربا جماهيريا بسبب إعلانه أنه يكره إسرائيل‏.‏
وحالة بن لادن تستدعي مزيدا من التدقيق‏.‏ فهو ينتقد‏,‏ إضافة إلي أمريكا وإسرائيل‏,‏ حالات وأوضاعا في الساحتين العربية والإسلامية نحن في حالة عداء حضاري حقيقي معها‏.‏
ولكن الفارق هو أننا ننتقد تلك الأوضاع لأننا نريدها أكثر تطورا‏,‏ ولأننا نريد إزاحة ما يعرقل التقدم منها‏,‏ بينما ينتقدها بن لادن لأنها ليست أكثر تخلفا‏.‏ وقد فصلت مرة في هذا الأمر فقلت إننا ننتقد العقليات المتحجرة التي تمنع المرأة من العمل وإغناء الحياة‏,‏ بينما ينتقد بن لادن هذه العقليات ذاتها لأنها تسمح للمرأة حتي بأن تتعلم أو لأنها تسمح لها بمجرد الخروج من البيت‏.‏
ونحن ننتقد العقليات الإعلامية المتخلفة التي تسير أجهزة الإعلام في التليفزيون مثلا‏,‏ ولا تتيح لهذا الجهاز الحديث أداء دور فعال في الحياة السياسية والثقافية‏,‏ بينما ينتقد بن لادن مجرد وجود التليفزيون ويحرم مجرد الجلوس أمامه والفرجة عليه‏.‏
إن تقبل شخصية مثل بن لادن لدي بعض العرب والمسلمين دليل علي حجم الهزيمة التي وقعت لنا‏,‏ والتي تسربت إلي عقولنا وإرادتنا ومحاكمتنا للأمور‏.‏
وهي هزيمة أشد شناعة مما نتصور‏.‏