297‏السنة 123-العدد2002نوفمبر30‏25رمضان 1423هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

دروس دولة القانون للمبتدئين‏!‏

نبيل عبد الفتاح


أغلق الهاتف الجوال رجاء‏..‏ النظام نظام‏,‏ هذا ما قاله قائد الطائرة لتوني بلير رئيس وزراء بريطانيا أثناء محادثته هاتفيا مع الملكة إليزابيث‏(‏ خالد القشطيني من أقوال الأسبوع‏,‏ الشرق الأوسط‏,2‏ نوفمبر‏2002).‏ وقامت محكمة إيست بيركشير في سلاو غرب لندن بتغريم ابنة ملكة بريطانيا الأميرة آن مبلغ‏500‏ جنيه استرليني بسبب عض كلبها لولدين في حديقة عامة‏,‏ وقد اعترفت الأميرة بأنها مذنبة‏,‏ ويذهب بعض مؤرخي العائلة المالكة إلي أنها المرة الأولي التي يمثل فيها أحد أعضاء العائلة المالكة أمام محكمة جنائية منذ القرن السابع عشر‏.‏ من المثير أن الكلب دوتي نجا من حكم عليه بالقتل‏,‏ إلا أن المحكمة طلبت أن يخضع لتدريب مناسب وأن يبقي مربوطا بسلسلة في الأماكن العامة‏.‏ وكان أحد كلاب الأميرة آن عض طفلين في منتزه وند سور الملكي في يوليو الماضي‏.(‏ الشرق الأوسط ص‏24,22/11/2002).‏
الخبران سالفا الذكر من الأمور العادية في المملكة المتحدة‏,‏ بل وفي غالب النظم السياسية التي تطبق مبدأ سيادة القانون‏,‏ أو دولة القانون‏.‏ ابنة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش‏,‏ يتم القبض عليها ويتم الحكم عليها بغرامة لأنها تناولت الخمور وأفرطت علي خلاف قاعدة القانون التي تضع قيودا علي تناولها في إطار بعض المراحل العمرية‏.‏
يذهب الوزراء والزعماء السياسيون البارزون في أوروبا إلي دور العرض السينمائية‏,‏ والمسرحية‏,‏ والأوبرا مع زوجاتهم‏,‏ وأولادهم وأصدقائهم مثل غيرهم من مواطنيهم‏,‏ دونما طقوس وهيلمانات السلطة والشهرة والثروة والمكانة الاجتماعية‏.‏
من هنا كثيرا ما نقرأ عن إيقاف شرطة المرور لرئيس وزراء ووزراء في أكثر المجتمعات تقدما لتجاوزهم السرعات المحددة في الطرق السريعة أو العادية‏.‏ إن تطبيق قاعدة القانون تسري علي جميع المخاطبين بقواعده في إقليم الدولة‏,‏ وفي البلدان الأوروبية الأعضاء في المجموعة الأوروبية‏,‏ ولا يوجد تمييز بين مواطن وآخر بحسب يسره المالي أو عسره‏,‏ أو نوعه الاجتماعي‏,‏ ذكر أم أنثي‏,‏ كبير السن أم شاب‏,‏ مادام أنه خاضع لقاعدة القانون‏,‏ وتنطبق عليه شروطه وقواعده‏.‏ ولا تمييز بين مواطن وآخر بسبب علاقته بالسلطة السياسية‏,‏ وما إذا كان رئيسا للوزراء‏,‏ أم وزيرا‏,‏ أم قائد حزب سياسي حكومي أم معارض‏.‏ كون الفرد ثريا أم فقيرا لا يؤثر في طبيعة التزامه واحترامه لقواعد القانون واللوائح والقرارات الإدارية والتنظيمية‏,‏ طالما كان مخاطبا بقواعدها وأحكامها‏.‏
إن أول خطوة في التصدي للفوضي تبدأ كلها باحترام مبدأ سيادة القانون‏,‏ وسمو قواعده علي إرادات الأفراد في الشارع‏,‏ والمرور‏,‏ والعلاقات الاجتماعية‏,‏ وفي العلاقة بين الجمهور‏,‏ وبين الشرطة‏,‏ والموظفين العموميين‏,‏ ومفتشي الضرائب‏,‏ وبين الأشخاص بعضهم بعضا في أماكن العمل‏,‏ والحافلات العامة‏,‏ والمركبات الخاصة‏,‏ وفي أماكن الجوار‏.‏ إن أمر قائد الطائرة لتوني بلير بإغلاق هاتفه الجوال في أثناء حديثه مع ملكة بريطانيا لكي يحترم النظام‏,‏ هو أحد أبرز دروس سيادة القانون‏,‏ وهو ضرورة انصياع المخاطبين بالقانون والقواعد اللائحية والإدارية بأحكامه‏,‏ لا فارق بين رئيس ومرءوس‏.‏ هذا الدرس يمثل القانون‏-‏ السياسي الأساسي‏,‏ يبدو غريبا في حياتنا اليومية فلا يطبق القانون علي بعض أبناء ذوي السلطة والنفوذ إذا خرقوا قواعده وانتهكوا قيمه التي تحملها أحكامه‏.‏ أبناء ذوي السلطة يظهرون أمام الجمهور‏,‏ وكأنهم سلطة فوق القانون‏,‏ بل باعتبارهم محمية لا تطالهم قواعد القانون‏,‏ ولا رجال الضبط والتفتيش‏,‏ والسلطات المنوط بها تطبيقه وتنفيذه‏.‏ إن أخطر عائق أمام سيادة القانون يكمن في هؤلاء الذين يستندون إلي سلطة مواقعهم السياسية أو الوظيفية في الحيلولة دون تطبيق القانون عليه‏,‏ يمارسون الفساد الوظيفي و السياسي بلا روادع‏,‏ وبجسارة يحسدون عليها‏,‏ وكأنهم شخصيات ذات سيادة لا يمكن المساس بهم‏,‏ إن الأشخاص المنوط بهم تطبيق القانون وتنفيذه‏,‏ ولا يطبقونه‏,‏ ولا ينفذونه‏,‏ يشكلون قوة انحراف تتطلب المواجهة والردع‏.‏
إن صدور أحكام من الجهات القضائية المختصة‏,‏ وواجبة النفاذ‏,‏ ولا تطبق‏,‏ فهذا يعني أن ثمة خللا في مبدأ سيادة القانون‏,‏ لأنه يؤدي إلي إثارة شكوك الجمهور في جدوي اللجوء إلي السلطة القضائية والمحاكم‏,‏ في الحصول علي الحقوق‏,‏ ورد الاعتداءات علي المراكز القانونية من قبل بعض الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين‏.‏
إن تواطؤ بعض الأشخاص المنوط بهم تنفيذ أحكام القانون وقواعده‏,‏ والتلكؤ أو عدم تنفيذ الأحكام القضائية سواء الصادرة في مواجهة بعض الهيئات العامة‏,‏ أم الوزارات‏,‏ أم إزاء أشخاص في السلطة السياسية أم ذوي مكانة اقتصادية أو اجتماعية أو من نجوم الحياة العامة‏,‏ يعني أن ثمة اختلالات جسيمة تمس دولة القانون وسلامة تطبيقه وجدواه‏.‏ ثم إن عدم تنفيذ الأحكاشم القضائية النهائية وغير القابلة للطعن عليها بوسائل الطعن العادية‏,‏ يعني اهتزاز هيبة السلطة القضائية‏,‏ بكل ما لديها من احترام ووقار‏,‏ وتاريخ مديد في الثقافة القانونية المصرية‏.‏ إن إنفاذ القانون علي رجال الأعمال‏,‏ وعلي الوزراء‏,‏ والفنانين‏,‏ والكبار في جهاز الدولة‏,‏ وعلي المنوط بهم تطبيقه و تنفيذه‏,‏ هو أحد أبرز دروس سيادة القانون‏.‏ لا يمكن إقناع الجمهور المخاطب بالقانون‏,‏ بجدوي المبدأ وقيمته في حياتهم‏,‏ وهم يرون رجال السلطة التنفيذية يخرقون قواعد المرور‏,‏ أو لا يطبق عليهم القانون والقرارات‏,‏ ويطبقون قانون القوة والنفوذ والثروة‏.‏ إن تطبيق القانون علي الجميع دونما تمييز لصالح الأغنياء أو تحيز للفقراء‏,‏ أمر حيوي لأن الفوضي تبدأ عندما يكون التمييز بين المواطنين‏,‏ أو الأشخاص علي أساس الفقر أو الغني أو الضعف أو القوة السياسية أو الاجتماعية‏.‏ إن اتساع ساحة الفوضي تمثل ظاهرة في الشارع‏,‏ مع شيوع البلطجة في الانتخابات‏,‏ وفي الحياة اليومية‏,‏ والخلل في دواوين الحكومة‏,‏ والفساد واسع النطاق في أجهزة الحكم المحلي‏,‏ وفي اعتداء الجيران علي الخصوصية‏,‏ وفي شيوع السب والقذف في الحياة اليومية‏.‏ كل أنماط السلوك الاجتماعي الجانحة‏,‏ أصبحت من مألوف الحياة اليومية‏,‏ بحيث أصبح تطبيق القانون‏,‏ يبدو وكأنه أمر شاذ أو غير مألوف في حياة الناس‏.‏ إن استمرارية هذه الظواهر المضادة لقانون الدولة يؤدي إلي تحويل الفوضي وقوانين القوة والنفوذ والفساد إلي العادي والطبيعي‏,‏ وهو أمر بالغ الخطورة‏,‏ ويؤثر علي هيبة الدولة والموظفين العموميين‏,‏ بل وعلي إدراك الجمهور لدور السياسيين‏,‏ والسلطات العامة في إطار الدولة القومية الحديثة‏,‏ إن خطورة ظواهر الفوضي وتطبيق قوانين الواقع المضادة لقانون الدولة في العلاقات اليومية‏,‏ يؤدي إلي تسهيل وتيسير الخطابات الدينية السياسية المضادة للدولة الحديثة التي تشكك في شرعيتها السياسية‏,‏ والدينية لصالح دعاوي أيديولوجية ترمي إلي تأسيس نظام سياسي ذي مرجعية وأطروحات سياسية شبه ثيوقراطية تناهض القيم السياسية والقانونية لدولة القانون الحديث‏,‏ ولمفاهيم ونظريات الحداثة القانونية‏,‏ وتقاليدها في إطار القيم الديمقراطية‏.‏
إن عدم احترام القانون الحديث‏-‏ قانون الدولة‏-‏ في تفصيلات الحياة اليومية وعلي وقائع الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية‏,‏ الأفكار التي ترفعها جماعات سياسية لها مصالح من وراء رفع الشعارات الدينية في السياسة وفي القانون وفي الواقع‏.‏ إن خطورة عدم التصدي للتسيب والعنف المادي واللفظي في سلوك الجمهور في الشارع وفي المرور وفي أماكن العمل الحكومي‏,‏ وفي القطاع الخاص‏....‏ إلخ هو دعم الجماعات المناهضة للشرعية والقانون من أبرز دروس دولة القانون‏,‏ ضرورة أن يكون القانون تعبيرا عن التوازن بين المصالح القانونية والاقتصادية والاجتماعية للمخاطبين بأحكامه‏.‏ هذا التوازن المرغوب هو الذي يضفي علي القانون شرعيته السياسية والاجتماعية‏,‏ وييسر عملية تطبيقه ويوهن السلوكيات المناهضة للقانون‏,‏ والساعية إلي انتهاكه وإهماله في تفصيلات الحياة اليومية‏.‏
إن تطبيق وإنفاذ القانون الحديث في حياتنا التي تغشاها الفوضي‏,‏ وعدم احترام الآخرين ومصالحهم وخصوصياتهم وحقوقهم وأمورهم المعنوية والاعتبارية مسألة أساسية في إشباع الحاجة الماسة إلي الاستقرار السياسي والقانوني‏,‏ وهي عملية تبدأ بسيادة القانون علي الكبار والصغار معا‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا