
|
دروس دولة القانون للمبتدئين! |
 | |
نبيل عبد الفتاح أغلق الهاتف الجوال رجاء.. النظام نظام, هذا ما قاله قائد الطائرة لتوني بلير رئيس وزراء بريطانيا أثناء محادثته هاتفيا مع الملكة إليزابيث( خالد القشطيني من أقوال الأسبوع, الشرق الأوسط,2 نوفمبر2002). وقامت محكمة إيست بيركشير في سلاو غرب لندن بتغريم ابنة ملكة بريطانيا الأميرة آن مبلغ500 جنيه استرليني بسبب عض كلبها لولدين في حديقة عامة, وقد اعترفت الأميرة بأنها مذنبة, ويذهب بعض مؤرخي العائلة المالكة إلي أنها المرة الأولي التي يمثل فيها أحد أعضاء العائلة المالكة أمام محكمة جنائية منذ القرن السابع عشر. من المثير أن الكلب دوتي نجا من حكم عليه بالقتل, إلا أن المحكمة طلبت أن يخضع لتدريب مناسب وأن يبقي مربوطا بسلسلة في الأماكن العامة. وكان أحد كلاب الأميرة آن عض طفلين في منتزه وند سور الملكي في يوليو الماضي.( الشرق الأوسط ص24,22/11/2002). الخبران سالفا الذكر من الأمور العادية في المملكة المتحدة, بل وفي غالب النظم السياسية التي تطبق مبدأ سيادة القانون, أو دولة القانون. ابنة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش, يتم القبض عليها ويتم الحكم عليها بغرامة لأنها تناولت الخمور وأفرطت علي خلاف قاعدة القانون التي تضع قيودا علي تناولها في إطار بعض المراحل العمرية. يذهب الوزراء والزعماء السياسيون البارزون في أوروبا إلي دور العرض السينمائية, والمسرحية, والأوبرا مع زوجاتهم, وأولادهم وأصدقائهم مثل غيرهم من مواطنيهم, دونما طقوس وهيلمانات السلطة والشهرة والثروة والمكانة الاجتماعية. من هنا كثيرا ما نقرأ عن إيقاف شرطة المرور لرئيس وزراء ووزراء في أكثر المجتمعات تقدما لتجاوزهم السرعات المحددة في الطرق السريعة أو العادية. إن تطبيق قاعدة القانون تسري علي جميع المخاطبين بقواعده في إقليم الدولة, وفي البلدان الأوروبية الأعضاء في المجموعة الأوروبية, ولا يوجد تمييز بين مواطن وآخر بحسب يسره المالي أو عسره, أو نوعه الاجتماعي, ذكر أم أنثي, كبير السن أم شاب, مادام أنه خاضع لقاعدة القانون, وتنطبق عليه شروطه وقواعده. ولا تمييز بين مواطن وآخر بسبب علاقته بالسلطة السياسية, وما إذا كان رئيسا للوزراء, أم وزيرا, أم قائد حزب سياسي حكومي أم معارض. كون الفرد ثريا أم فقيرا لا يؤثر في طبيعة التزامه واحترامه لقواعد القانون واللوائح والقرارات الإدارية والتنظيمية, طالما كان مخاطبا بقواعدها وأحكامها. إن أول خطوة في التصدي للفوضي تبدأ كلها باحترام مبدأ سيادة القانون, وسمو قواعده علي إرادات الأفراد في الشارع, والمرور, والعلاقات الاجتماعية, وفي العلاقة بين الجمهور, وبين الشرطة, والموظفين العموميين, ومفتشي الضرائب, وبين الأشخاص بعضهم بعضا في أماكن العمل, والحافلات العامة, والمركبات الخاصة, وفي أماكن الجوار. إن أمر قائد الطائرة لتوني بلير بإغلاق هاتفه الجوال في أثناء حديثه مع ملكة بريطانيا لكي يحترم النظام, هو أحد أبرز دروس سيادة القانون, وهو ضرورة انصياع المخاطبين بالقانون والقواعد اللائحية والإدارية بأحكامه, لا فارق بين رئيس ومرءوس. هذا الدرس يمثل القانون- السياسي الأساسي, يبدو غريبا في حياتنا اليومية فلا يطبق القانون علي بعض أبناء ذوي السلطة والنفوذ إذا خرقوا قواعده وانتهكوا قيمه التي تحملها أحكامه. أبناء ذوي السلطة يظهرون أمام الجمهور, وكأنهم سلطة فوق القانون, بل باعتبارهم محمية لا تطالهم قواعد القانون, ولا رجال الضبط والتفتيش, والسلطات المنوط بها تطبيقه وتنفيذه. إن أخطر عائق أمام سيادة القانون يكمن في هؤلاء الذين يستندون إلي سلطة مواقعهم السياسية أو الوظيفية في الحيلولة دون تطبيق القانون عليه, يمارسون الفساد الوظيفي و السياسي بلا روادع, وبجسارة يحسدون عليها, وكأنهم شخصيات ذات سيادة لا يمكن المساس بهم, إن الأشخاص المنوط بهم تطبيق القانون وتنفيذه, ولا يطبقونه, ولا ينفذونه, يشكلون قوة انحراف تتطلب المواجهة والردع. إن صدور أحكام من الجهات القضائية المختصة, وواجبة النفاذ, ولا تطبق, فهذا يعني أن ثمة خللا في مبدأ سيادة القانون, لأنه يؤدي إلي إثارة شكوك الجمهور في جدوي اللجوء إلي السلطة القضائية والمحاكم, في الحصول علي الحقوق, ورد الاعتداءات علي المراكز القانونية من قبل بعض الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين. إن تواطؤ بعض الأشخاص المنوط بهم تنفيذ أحكام القانون وقواعده, والتلكؤ أو عدم تنفيذ الأحكام القضائية سواء الصادرة في مواجهة بعض الهيئات العامة, أم الوزارات, أم إزاء أشخاص في السلطة السياسية أم ذوي مكانة اقتصادية أو اجتماعية أو من نجوم الحياة العامة, يعني أن ثمة اختلالات جسيمة تمس دولة القانون وسلامة تطبيقه وجدواه. ثم إن عدم تنفيذ الأحكاشم القضائية النهائية وغير القابلة للطعن عليها بوسائل الطعن العادية, يعني اهتزاز هيبة السلطة القضائية, بكل ما لديها من احترام ووقار, وتاريخ مديد في الثقافة القانونية المصرية. إن إنفاذ القانون علي رجال الأعمال, وعلي الوزراء, والفنانين, والكبار في جهاز الدولة, وعلي المنوط بهم تطبيقه و تنفيذه, هو أحد أبرز دروس سيادة القانون. لا يمكن إقناع الجمهور المخاطب بالقانون, بجدوي المبدأ وقيمته في حياتهم, وهم يرون رجال السلطة التنفيذية يخرقون قواعد المرور, أو لا يطبق عليهم القانون والقرارات, ويطبقون قانون القوة والنفوذ والثروة. إن تطبيق القانون علي الجميع دونما تمييز لصالح الأغنياء أو تحيز للفقراء, أمر حيوي لأن الفوضي تبدأ عندما يكون التمييز بين المواطنين, أو الأشخاص علي أساس الفقر أو الغني أو الضعف أو القوة السياسية أو الاجتماعية. إن اتساع ساحة الفوضي تمثل ظاهرة في الشارع, مع شيوع البلطجة في الانتخابات, وفي الحياة اليومية, والخلل في دواوين الحكومة, والفساد واسع النطاق في أجهزة الحكم المحلي, وفي اعتداء الجيران علي الخصوصية, وفي شيوع السب والقذف في الحياة اليومية. كل أنماط السلوك الاجتماعي الجانحة, أصبحت من مألوف الحياة اليومية, بحيث أصبح تطبيق القانون, يبدو وكأنه أمر شاذ أو غير مألوف في حياة الناس. إن استمرارية هذه الظواهر المضادة لقانون الدولة يؤدي إلي تحويل الفوضي وقوانين القوة والنفوذ والفساد إلي العادي والطبيعي, وهو أمر بالغ الخطورة, ويؤثر علي هيبة الدولة والموظفين العموميين, بل وعلي إدراك الجمهور لدور السياسيين, والسلطات العامة في إطار الدولة القومية الحديثة, إن خطورة ظواهر الفوضي وتطبيق قوانين الواقع المضادة لقانون الدولة في العلاقات اليومية, يؤدي إلي تسهيل وتيسير الخطابات الدينية السياسية المضادة للدولة الحديثة التي تشكك في شرعيتها السياسية, والدينية لصالح دعاوي أيديولوجية ترمي إلي تأسيس نظام سياسي ذي مرجعية وأطروحات سياسية شبه ثيوقراطية تناهض القيم السياسية والقانونية لدولة القانون الحديث, ولمفاهيم ونظريات الحداثة القانونية, وتقاليدها في إطار القيم الديمقراطية. إن عدم احترام القانون الحديث- قانون الدولة- في تفصيلات الحياة اليومية وعلي وقائع الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية, الأفكار التي ترفعها جماعات سياسية لها مصالح من وراء رفع الشعارات الدينية في السياسة وفي القانون وفي الواقع. إن خطورة عدم التصدي للتسيب والعنف المادي واللفظي في سلوك الجمهور في الشارع وفي المرور وفي أماكن العمل الحكومي, وفي القطاع الخاص.... إلخ هو دعم الجماعات المناهضة للشرعية والقانون من أبرز دروس دولة القانون, ضرورة أن يكون القانون تعبيرا عن التوازن بين المصالح القانونية والاقتصادية والاجتماعية للمخاطبين بأحكامه. هذا التوازن المرغوب هو الذي يضفي علي القانون شرعيته السياسية والاجتماعية, وييسر عملية تطبيقه ويوهن السلوكيات المناهضة للقانون, والساعية إلي انتهاكه وإهماله في تفصيلات الحياة اليومية. إن تطبيق وإنفاذ القانون الحديث في حياتنا التي تغشاها الفوضي, وعدم احترام الآخرين ومصالحهم وخصوصياتهم وحقوقهم وأمورهم المعنوية والاعتبارية مسألة أساسية في إشباع الحاجة الماسة إلي الاستقرار السياسي والقانوني, وهي عملية تبدأ بسيادة القانون علي الكبار والصغار معا.
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|