
|
سياسة الاعتماد المتبادل بين الخليج وفلسطين |
د. محمد السعيد إدريس عندما دعا وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر الرئيس الأمريكي إلي التوقف عن التورط في تدابير إنقاذ العملية السلمية في فلسطين المحتلة إرضاء للعرب وللحصول علي دعمهم لقرار أمريكي بغزو العراق, لم يكن يقصد أبدا التشكيك في الترابط, بل والاعتماد المتبادل بين المصالح الأمريكية في فلسطين والمصالح الأمريكية في العراق, لكنه كان يقصد فقط تحديد نقطة البداية في انطلاقة تحديد الأهداف. في ذلك الوقت قال كيسنجر مقولته الشهيرة إن الطريق إلي فلسطين يبدأ من بغداد, وليس العكس, فهو ـ أي كيسنجر ـ يتصور أنه من الأفضل لتحقيق أهداف أمريكا في العراق وفلسطين أن تكون البداية من العراق وليس من فلسطين, فالعراق هو نقطة الاختراق المثلي لإعادة هندسة الشرق الأوسط وفق الهوي والمزاج الأمريكي, فتداعي القوة العربية, وكسر الإرادة لدي الشعب العربي, وحالة الضعف التي سوف تجتاح الأمة العربية وهي تري إحدي قلاعها تتداعي وتهوي أمام بطش القوة الغربية, سيشل هذه الإرادة عن مواجهة ما سيحدث في فلسطين بشكل متزامن مع ما سيحدث للعراق علي يد القوات الأمريكية. أما إصرار بوش علي إنجاز تقدم في العملية السلمية للصراع في فلسطين, فإن هذه التسوية لن تخدم الأهداف الأمريكية في فلسطين التي هي الأهداف الإسرائيلية ذاتها, فضلا عن وجود احتمال صعب بقبول الدول العربية تقديم العون والمساعدة للحرب الأمريكية ضد العراق. القضية إذن هي فقط من أين تبدأ الولايات المتحدة ضربتها الإستراتيجية, أما عن العلاقة الارتباطية بين تحقيق الأهداف الأمريكية في فلسطين وتحقيقها في العراق فإنها علاقة مؤكدة وصفها مارتن إنديك سفير أمريكا السابق في إسرائيل وقت أن كان يعمل مستشارا للشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأمريكي في الولاية الأولي لرئاسة كلينتون بأنها علاقة ارتباط متبادل. ففي خطابه الشهير الذي ألقاه أمام مؤتمر عقده معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدني الذي سبق أن عمل رئيسا له قبيل انتقاله إلي البيت الأبيض, والذي عرض فيه للمرة الأولي لسياسة الاحتواء المزدوج الأمريكية والعراق في مايو عام1993, أوضح إنديك أن سياسة الاعتماد المتبادل بين الشقين الغربي والشرقي من إقليم الشرق الأوسط, أي بين الخليج والمشرق العربي باعتباره مركزا للنظام الفرعي للصراع العربي ـ الإسرائيلي تعتبر واحدة من أربع سياسات اعتمدتها الإدارة الأمريكية لفرض سيطرتها الكاملة علي إقليم الخليج عسكريا واقتصاديا وسياسيا وتحقيق مجموعة المصالح الاستراتيجية الأمريكية في هذا الإقليم التي تشمل: الحصول علي النفط بأسعار مستقرة ومعقولة, والإبقاء علي حرية وصول متميزة إلي الأسواق الخليجية, ومنع بروز قوة إقليمية يكون في مقدورها تهديد أو منافسة النفوذ والمصالح الأمريكية في الخليج, والحفاظ علي الاستقرار في المنطقة, وحماية دولة إسرائيل, وتشجيع الإصلاح السياسي والاقتصادي كضرورة لاحتواء عوامل عدم الاستقرار الداخلي في الدول الخليجية أعضاء مجلس التعاون الخليجي, سياسة الربط أو الاعتماد المتبادل بين الخليج والمشرق العربي هي واحدة من أربع سياسات اعتمدتها واشنطن لحماية تلك المصالح وتحقيق هدف السيطرة والهيمنة الأمريكية الكاملة علي المنطقة الممتدة من الخليج إلي المشرق العربي, وكانت السياسات الثلاث الأخري هي: إعطاء أولوية لاستخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر لمواجهة أي تهديد للنفوذ والمصالح الأمريكية في الخليج, والاحتواء المزدوج للعراق وإيران, وأخيرا القيام بجهود نشطة لكبح انتشار أسلحة الدمار الشامل. لو دققنا في هذه السياسات الثلاث سنجد أن سياسة الاعتماد المتبادل بين الخليج والمشرق العربي أكبر من أن تكون سياسة أمريكية رابعة لتحقق هدف السيطرة والهيمنة الأمريكية الكاملة ولكنها المنظور الإستراتيجي لتحقيق نجاح في هذه السياسات الثلاث الأخري, وذلك من خلال الربط بين نظام الأمن الإقليمي الجديد في الخليج الذي تقوده أمريكا ونجاح عملية التسوية للصراع العربي ـ الإسرائيلي بمنظورها الأمريكي الذي يتطابق تماما مع المنظور الإسرائيلي. ففي رأي إدارة كلينتون ـ كما أوضح مارتن إنديك في خطابه المشار إليه ـ أن احتواء إيران والعراق يعزز مساعي إحلال السلام في الشرق الأوسط, كما أن تعزيز مساعي السلام تلك يزيد من القدرة الأمريكية علي احتواء العراق وإيران, والعكس صحيح تماما. إذ أن الإخفاق الأمريكي في احتواء العراق وإيران في الخليج سيعوق قدرة واشنطن علي تحقيق عملية التسوية التي تريدها للصراع العربي ـ الإسرائيلي, وإخفاق عملية التسوية يعوق بدوره قدرة واشنطن علي احتواء العراق وإيران في الخليج, ومن هنا يكتسب الربط بين العمليتين أهمية كبيرة في التخطيط الاستراتيجي الأمريكي. وإذا كانت أمريكا قد عزمت أمرها علي خيار العراق أولا بعد كل هذه السنوات سواء كان ذلك أخذا بنصيحة كيسنجر أم إدراكا لأولوية الأهداف التي سيحققها غزو العراق فإن قادة إسرائيل جاهزون لتحقيق الربط بين العراق وفلسطين من خلال استكمال المخطط دون انتظار نتائج الغزو, فالغزو الأمريكي للعراق سيتزامن مع عدوان صارخ علي الشعب الفلسطيني بحيث يكون النجاح المتبادل للضربتين تأسيسا لواقع جديد في الخليج والمشرق العربي تظهر بدايته فيما نقلته محلية يو إس نيوز آند وورلد ريبورت الأمريكية من أن مسئولين رفيعي المستوي في إدارة بوش يبحثون عن خطة من ثلاث مراحل لحكم العراق خلال فترة ما بعد الحرب, تبدأ المرحلة الأولي عقب الغزو مباشرة بفرض حكم عسكري أمريكي مباشر للعراق بقيادة جنرال أمريكي لمدة لا تقل عن عامين, تأتي بعدها إدارة مدنية دولية من نوع ما, أما المرحلة الثالثة فتأتي في أعقاب مؤتمر دستوري تنتقل فيه السلطة إلي حكومة تمثيلية متعددة الأعراق وصديقة للولايات المتحدة البداية فقط بالعراق, لكن البقية سوف تأتي وما كشفه أخيرا جيمس وولسي الرئيس الأسبق للاستخبارات الأمريكية في محاضرة ألقاها منذ أيام أمام جامعة اكسفورد البريطانية يؤكد أن المخطط أوسع ويشمل إسقاط أنظمة حكم عربية صديقة لواشنطن, وفرض سيناريو أوروبا الشرقية علي المنطقة عندها لن يكون غير السلام الإسرائيلي وحده من حل ملائم للارتباط والاعتماد المتبادل مع تلك الحالة العربية الجديدة التي تحمل كثيرا من معالم الشرق أوسط الجديد الذي مازال يبشر به شمعون بيريز وتحلم به أمريكا منذ حرب الخليج الثانية.
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|