
|
علي حافة الجولان الشهيدة |
 | |
محمد حبوشة أرجو من كل قلبي أن يتمكن كل العرب, بل سكان العالم من زيارة هذه المدينة الشهيدة ليروا بأم أعينهم كيف يحقد الإسرائيليون علي الحجارة العربية, و علي البقاء العربي, وعلي الأشجار العربية.. إنهم أعداء الحضارة بكل معني الكلمة. ظلت تلك الكلمات تطارد رأسي منذ اللحظة التي غادرت فيها السيارة التي تقل وفدنا الصحفي المكون من أربعة فقط من فندق الشام في قلب العاصمة السورية دمشق حتي حدود القنيطرة, التي كتب فيها هذه الكلمات العماد مصطفي طلاس وزير الدفاع السوري في صدر كتاب بعنوان القنيطرة.. المدينة الشهيدة. كان الخيال الصحفي يتلاعب بالصور والمشاهد التي جرت علي أرض هذا الجزء من الوطن العربي الكبير, طوال رحلة الذهاب, لكن المشاهد الحية التي تجسد آثار الدمار والخراب الذي حل بتلك المنطقة كانت أكبر وأصدق وأعمق بكثير من أي خيال حتي لو كان لشاعر أو روائي احترف الكتابة منذ سنين. في هذه الصفحة من التاريخ الممزوج بجغرافيا غاية في الروعة والجمال, تدرك علي الفور لماذا اختار بنو صهيون تلك المنطقة, التي تحتوي سفوح جبل الشيخ حرمون في النصوص القديمة, الذي هو جزء من جبال لبنان الجبل الأبيض, المذكور في النصوص الكنعانية والأكادية. ونحن تعلمنا من التاريخ أن جبال لبنان لها دور مهم في التاريخ القديم, أي منذ الألف الثالث قبل الميلاد, نظرا لثروتها الثمينة التي كانت مطمع ملوك العراق وفراعنة مصر آنذاك. وليس الأمر هذا فحسب, بل تلك الطبيعة الساحرة والوافرة بالخير, حيث بحيرة طبرية التي أقيمت حولها زراعات وصناعات كثيرة, تعد أكبر مطمع لأبناء الصهيونية في هذا المكان من خارطة عالمنا العربي, وليس كما يدعون دوما بأن تلك المناطق ما هي إلا جبال وتخوم تمثل مناطق أمان لإمبراطوريتهم القائمة علي السلب والنهب والاغتصاب لحقوق زعموا يوما ومازالوا أنها أرض لأجداد لم تدنس خطاهم يوما هذا التراب. من بين تلك التخوم والتلال والجبال تسكن أوراق الزيتون والكرز والتفاح قصص وملاحم إنسانية تظللها أوراق الصنوبر, هنا يرقد شهيد مازال جراحه نازفة, ترفرف حولها روحه, لأنه أبي أن يغادر بيته ومزرعته, وهنا مدرسة مازالت تطن في بهوها وفنائها الفسيح أجراس تفصل بين الدرس والدرس, في المكان تشتم رائحة المسك والعنبر التي هي بقايا لدم صبي لم تجف بعد, كأن دماءه انسكبت مع محبرة أقلامه, ولم تجففها شموس قد أشرقت منذ عام1967 حتي الآن. لم تسلم المساجد والمصاحف والكنائس بأجراسها العتيقة, والأشجار التي تحيطها في مهابة من دنس الصهيونية. لا يبدو منطقيا أبدا لزائر المدينة الشهيدة أن تكون تلك الآثار هي لإنسان يدافع عن الحضارة باعتباره ابنا شرعيا لها قدم من مناطق الصقيع الأوروبي, وليس ثمة علاقة لممارسات أصابت الأرض و الزرع والبيوت التي مازالت تحتفظ ببعض زخرفها العربي الإسلامي والمسيحي كشاهد علي إنسان عربي بناها بتؤدة وضرب أروع الأمثلة في صفاء النفس والروح, لكن الأيدي الغادرة والوحشية والهمجية والحقد الأعمي الإسرائيلي, قد كرس لخيالهم المريض أن ينتهكوا المحرمات في المساجد والكنائس ويتغوطوا بها ثم يمسح قذارتهم بورق المصاحف والأناجيل. أي عقل ذلك الذي يقبل بأن تكون هناك صلة بالأديان السماوية لأفعال هؤلاء البشر, لقد صنعت الصهيونية في جولان سوريا لوحة تشكيلية بألوان داكنة تشهد وستظل شاهدا علي ضمائرهم الخربة, إن من يدخل مقبرة ويعبث بالجثث ويقتلع الأسنان الذهبية ويسلبها, لا يمكن أن يمت إلي الإنسانية والحضارة بصلة, إن أقل ما يمكن أن يطلق عليه أنه وحش في صورة إنسان, إنه لابد أن يكون عدو الإنسانية اللئيم, ولصها الأثيم, إن من يجعل من المستشفي ميدانا للرمي علي اختلاف أنواعه, ليس سوي إنسان تخلي باختياره عن كل ما يربطه بالإنسانية. أليس كل الذي ذكرته مشاهد يومية حالية مازالت تحدث فوق تراب فلسطين كأنها صورة طبق الأصل؟ والغريب أن هناك أطرافا في عالمنا الذي خلا من الضمير مازالت تتشدق بحق إسرائيلي في العيش علي هذا التراب؟
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|