
|
ما الذي جري لنا...؟! |
 | |
د. عبدالمنعم سعيد ما الذي جري لنا وبات يضع غمامة علي عيوننا حتي بتنا لا نعرف مصلحة الوطن, ويجعلنا أسري لمجموعة من الشعارات والمواقف اللفظية التي تعرض مستقبلنا ومستقبل أولادنا للخطر؟ وما سر الإصرار علي استدراج بلادنا إلي نفس الحالة التي تعيشها دول عربية أخري أساءت استخدام العقل أو لم تستخدمه علي الإطلاق؟ ولا أدري هل يعز علي البعض منا أن تكون مصر دولة محررة مستقلة ولأول مرة منذ ألفي عام لا يكون فيها شبر واحد محتل لمدة عشرين عاما كاملة؟ وهل يعز علي هؤلاء أن يكون لمصر تفكيرها الخاص القائم علي المباديء والمصالح ولا تسيره شعارات المحطات الفضائية العربية التي لا تكف عن الهجوم علينا لأنها تعتقد أن مصر العزيزة والشقيقة هي تلك الدولة التي لا تكف عن النضال والنزال والحرب و الضرب؟ سر هذه الأسئلة الغاضبة كلها أنه نتيجة ظروف صحية وجدت نفسي أشاهد كل برامج التليفزيون في خلال شهر رمضان المعظم, وكانت النتيجة كمية هائلة من فوران الدم. بدأ الموضوع ببرنامج الإعلامي القدير حمدي قنديل رئيس التحرير, الذي يقف دون منازع علي قمة البرامج التليفزيونية الإخبارية. وإذ به يورد فقرة خاصة بالشهداء المصريين في الانتفاضة الفلسطينية, فما هو المطلوب علي وجه التحديد من هذه الفقرة, هل نقول لإسرائيل إن الشعب المصري بات معبأ للصراع المسلح مع الدولة العبرية, وأن معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية لم يعد لها وجود. وهل نريد أن نستعيد تاريخا داميا كانت فيه القضية الفلسطينية مرة بعد المرة تؤدي إلي استدراج مصر إلي صراع مسلح يستنزف قدراتها وأرصدتها لسنوات طويلة قادمة؟ وباختصار هل نستعيد حالة التعبئة الشعبية التي كانت سائدة في مصر خلال الستينيات وجعلتنا نستسلم للمنطق الراديكالي الشعاري الذي يورد مصر موارد التهلكة ونعيد إنتاج ما كانت تقوم به إذاعة صوت العرب؟ وهل سوف نفعل ما فعله الفلسطينيون فيقسمون السلطة السياسية بين من يقيم السلام ومن يشن الحرب؟ ولعله من المفهوم تقديم العون للفلسطينيين في نضالهم, وقد بذلنا جهودا هائلة حتي أخذ الرئيس مبارك الرئيس ياسر عرفات من يده إلي أول الأراضي المحررة في فلسطين والتي تولت إضاعتها القوي الأصولية الجهادية الإسلامية الاستشهادية. لكن أن نضيع مصر ونحن نحاول معاونة الشعب الفلسطيني فتلك قضية لا أعتقد أن السيد حمدي قنديل يسعي إليها, وإنما الدرس الذي نتعلمه من الموضوع أن علينا أن نتعلم من التاريخ القريب والبعيد علي السواء. وفي اليوم التالي كنت علي موعد مع برنامج حوار صريح جدا, الذي تقدمه الأستاذة مني الحسيني منذ سنوات, ويلقي شعبية كبيرة, وكان الحوار الصريح- وجدا أيضا- مع السفير العراقي لدي جامعة الدول العربية. وكان المحور الأساسي للحوار هو لماذا تريد الولايات المتحدة ضرب العراق, وهو سؤال مطروح ومهم, لكن المدهش أن البرنامج أصيب بحالة مخيفة من ضعف الذاكرة, فالمذيعة لم تذكر لمرة واحدة في حوارها مع السفير أن العراق قام بالاعتداء علي دولة مسلمة هي إيران علي مدي ثماني سنوات استخدم فيها الأسلحة الكيماوية, ولم تذكر ولو لمرة واحدة أن العراق قام بغزو الكويت واحتلالها وتغيير نظام الحكم فيها تماما كما تريد الولايات المتحدة أن تفعل مع العراق اليوم. ولولا أن الدكتور الصديق محمد عبداللاه ذكر عملية غزو الكويت لكان البرنامج قد أغفل أصل القضية والموضوع كلية, لكن ما لم يذكره الدكتور عبداللاه, ولا السيدة مني الحسيني ما فعله النظام العراقي مع الشعب العراقي نفسه, حيث دفع واحد من كل ستة عراقيين للهجرة واللجوء السياسي لدول أخري. ولم يذكر لا الدكتور ولا السيدة شيئا إطلاقا عن عمليات التضليل والكذب التي قامت بها العراق أمام فرق التفتيش الدولية التي كشفها زوج بنت الرئيس العراقي حسين كامل المجيد وغيره من العراقيين. طالما أن كل ذلك لم يذكر فمن الطبيعي أن حجة السيد السفير العراقي الخاصة باستهداف العراق لأنه يبني قاعدة علمية وتكنولوجية للأمة العربية هي الرسالة التي يتلقاها المشاهد. ومرة أخري فإنه ليس المقصود من ذلك أننا نقبل الحجج الأمريكية للعدوان علي العراق, وأن مصر ليس عليها أن تعمل بكل قدراتها علي تجنيب الشعب العراقي ويلات هذه الحرب. لكننا عندما نفعل ذلك فإننا نفعله بعيون مصرية تراعي مصالحنا وعلاقاتنا الدولية خاصة بالقوة العظمي الوحيدة في العالم التي علينا أن ندفعها دفعا بعيدا عن فكرة ضرب العراق كما فعلنا حتي الآن عندما أقنعنا- مع آخرين- أمريكا بالعمل من خلال الأمم المتحدة. لكن ذلك أمر والدخول في حرب صليبية مع أمريكا وأن نأخذ جانب نظام فاشي وديكتاتوري وقاتل لشعبه أمر آخر. وبصراحة تامة فإن المصلحة المصرية تكمن دوما في مناصرة الشعب العراقي الذي يبدو أن المثقفين ووسائل الإعلام المصرية لا تريد الالتفات والاستماع إليه, وتفضل بدلا منه الاستماع إلي صوت الفضائيات العربية, وتحاول الدخول في منافسة معها من خلال أرضيتها الثقافية والفكرية التي لا تخص مصر من قريب أو بعيد. ويبدو أن هذه هي القضية التي ينبغي لنا في مصر مناقشتها علي نطاق واسع, فالساحة الإعلامية العربية باتت ممتلئة بكثير من الضجيج القائم علي معاداة الغرب والولايات المتحدة الأمريكية نتيجة موقف واشنطن المخزي من القضية الفلسطينية. لكن هذه القضية- علي أهميتها ومركزيتها- هي قضية واحدة في ملف علاقات بالغة التعقيد والتركيب, وهناك قضايا أخري اقتصادية وتكنولوجية وتسليحية لا نستطيع مسحها بجرة قلم أو زعيق صوت. لكن هذه الحالة من الضجيج قد وجدت في مصر من يعتقد أنها الطريق إلي قلب المشاهد العربي من خلال مزيد من المزايدة والتقليد للفضائيات العربية, وكانت النتيجة هذه الحالات من التعامل مع القضايا المعقدة من خلال اختصارها واختزالها في حالة مواجهة أبدية بيننا وبين الغرب, وأحيانا العالم. إن مصر مكانتها أكبر من ذلك بكثير, وهي تقود ولا تقاد, وهي التي تضع قائمة الأعمال للمنطقة ولا تستسلم لمن يريدون وضع قائمة أعمال لها ويدفعونها دفعا إلي الهوة السحيقة التي أوصلت بلادها لها نخب ونظم حكم عربية. مرة أخري وحتي لا يصطاد أحد في المياه العكرة. فإن معاونة العرب واجب لأسباب أخلاقية وإستراتيجية, لكن من هم العرب, هل هم عرب النظام العراقي أو الشعب العراقي, هل هم عرب منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني أم هم عرب منظمة حماس والجهاد الإسلامي أم العرب الذين يريدون وضعنا في فسطاط وبقية العالم في فسطاط آخر؟!
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|