297‏السنة 123-العدد2002نوفمبر30‏25رمضان 1423هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

مهاتير محمد في كتابه الإسلام والأمة الإسلامية‏(1‏ من‏2)‏
العولمة اختراع غربي لسلب ثروات الدول النامية

مهاتير محمد

إعداد ـ طلعت الشايب


قبل أن تدهس خيول العولمة فقراء العالم‏!‏
هذه الديانة الليبرالية الجديدة أصبح لها كثير من المعابد الشهيرة مثل صندوق النقد الدولي‏,‏ والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية ـ وهي الأقوي بين الجميع ـ وهي معابد تعمل بصورة مباشرة مع القادرين علي الدخول إلي دهاليز السلطة في كبري العواصم العالمية‏,‏ ومع العارفين بدقائق العمليات التجارية‏,‏ والإشراف عليها من فوق ناطحات السحاب في وول ستريت‏.‏
عن الإسلام والأمة الإسلامية والواقع الجديد‏..‏ المؤلم‏!‏هذا كاتب ومفكر ربما لا يعرف عنه كثيرون في عالمنا العربي من متابعي وسائل الإعلام سوي أنه رئيس وزراء ماليزيا‏,‏ وهذا كتاب بالغ الأهمية يجيء في الوقت المناسب حيث تتشابك الأصوات وتتقاطع في أجواء حوار أو صدام الحضارات‏,‏ هذا الكتاب يتناول الإسلام والأمة الإسلامية‏,‏ ليس من ناحية العقيدة‏,‏ وإنما من خلال عدد من القضايا المهمة التي فرضها الواقع الجديد‏,‏ وظروف العالم المتغيرة في الربع الأخير من القرن العشرين ومطلع الألفية الثالثة‏.‏
مهاتير محمد المولود عام‏1925,‏ والذي درس الطب في سنغافورة ومارس المهنة حتي عام‏1974,‏ عندما قرر أن يتفرغ للعمل السياسي‏,‏ مهاتير محمد يشغل منصب رئيس وزراء ماليزيا منذ عام‏1981(‏ هو رئيس الوزراء الرابع للبلاد‏)‏ هو مفكر بارز صاحب رأي مستقل في مجمل قضايا العصر‏:‏ مثل الحوار بين الأديان‏,‏ والتنمية الاقتصادية‏,‏ والعولمة والتعاون الإقليمي والدول وما يتفرع عند ذلك من مسائل أخري لا تقل أهمية مثل حقوق الإنسان والبيئة والتصنيع والتحديث وثورة المعلومات وغيرها‏.‏
وهو صوت ينطلق من أرضية ثقافية إسلامية ويدرك من البداية عجز المسلمين عن الارتقاء إلي مستوي التحديات المستجدة علي المسرح العالمي‏,‏ بما يهدد الأمة بالانزلاق إلي مزيد من التخلف والتمزق‏,‏ كما يدعو إلي ضرورة الأخذ بأسباب الكنولوجيا‏,‏ مطالبا في الوقت نفسه باستلهام العبر من الماضي الإسلامي الحافل بالإنجازات‏,‏ ورئيس وزراء ماليزيا لم يأت إلي هذا المنصب من فراغ‏,‏ فمنذ أيام الطلب وهو منخرط في العمل السياسي‏,‏ حيث شارك في أوائل العشرينيات من عمره مع زملائه في تنظيم احتجاجات ضد مشروع اتحاد الملايو‏,‏ كما قام بتنظيم أول اتحاد لشباب الملايو في ولاية كيداه ثم اتحاد الملايو وهو تنظيم سياسي تحول فيما بعد ليصبح الحزب الحاكم الآن في ماليزيا المنظمة الوطنية لاتحاد الملايو المعروف اختصارا بـ أومنو وأثناء فترة عمله بالطب توطدت مشاركته السياسية فعين في منصب كبير في فرع الحزب في الولاية‏,‏ كما أصبح عضوا في البرلمان لأول مرة في عام‏1964,‏ وهو في التاسعة والثلاثين من العمر‏,‏ وفي عام‏1974,‏ أصبح وزيرا لأول مرة‏(‏ كان وزيرا للتعليم‏)‏ وبعد عامين أصبح نائبا لرئيس الوزراء‏,‏ وكانت تلك بداية الطريق لأن يصبح رئيسا للوزراء عام‏.1981‏
تزامنت فترة عمله نائبا لرئيس الوزراء‏,‏ ثم رئيسا للوزراء مع حدوث طفرة اقتصادية واجتماعية هائلة في ماليزيا ودول شرق آسيا الأخري‏,‏ وأصبحت المنطقة تهدد الهيمنة الغربية علي العالم‏,‏ كما أصبح ذلك النمو الاقتصادي يعرف بالمعجزة الآسيوية‏,‏ كما أصبح الاقتصاديون والمحللون يتحدثون عن إمكانية أن يصبح القرن العشرون هو القرن الآسيوي‏.‏
كتاب الإسلام والأمة الإسلامية
يبدأ كتاب مهاتير محمد باعتراف أساسي وهو أن كرامة الأمة الإسلامية في خطر‏,‏ بسبب عجز الدول الإسلامية التي تشكل أكثر من ثلث أعضاء الأمم المتحدة ووقوفها موقف المتفرج مما يحدث للشعب الفلسطيني‏,‏ والحقيقة أنه كان قد أطلق تلك الصيحة المدوية في القمة الإسلامية التاسعة بالدوحة في نوفمبر‏2000‏ مفندا الصعوبات التي اعترضت مسيرة منظمة المؤتمر الإسلامي طوال الفترة الماضية‏,‏ والتي يعزوها إلي تباين المصالح والخلافات الأيديولوجية بين الدول الأعضاء إضافة إلي طموح البعض في الهيمنة علي الآخرين‏.‏
الغرب‏..‏ وعقيدته الجديدة

يري مهاتير محمد أن العولمة بحسب الصياغات المتداولة حاليا هي اختراع من بنات أفكار دول شمال الأطلنطي‏,‏ كما يقول بكل اطمئنان إنها مصممة لزيادة ثروات تلك البلاد وتعزيز هيمنتها التي فرضوها منذ زمن بعيد علي الشعوب الأخري في العالم‏,‏ بما يكفل لها عدم بروز أي منافس حقيقي سواء من البلدان الكبري في شرق آسيا أو حتي من الدول الإسلامية التي لم تفق من غفوتها‏.‏
وبعد استعراض لسجل الغرب الأسود في الهيمنة علي الشعوب الأخري واستغلال ثرواتها منذ حروب التوسع‏,‏ يقول إنه بعد الاطمئنان إلي أن الشيوعية لم تعد تشكل خطرا عليه‏,‏ طرح الغرب عقيدته الجديدة المتمثلة في حرية التجارة والتي تعني زوال أو إزالة الحواجز التجارية كافة‏,‏ بما يسمح للسلع والخدمات بالتدفق عبر الحدود دون عوائق‏,‏ حرية التجارة التي يروج لها الغرب الاستعماري استطاعت أن تخدع بعض الدول الفقيرة التي تناست أنها لا تملك شركات أو مؤسسات عملاقة ولا بنوكا ضخمة ولا منتجات تؤهلها للمنافسة‏,‏ ثم اكتسبت قضية تحرير التجارة التي لم تكشف أبعادها الخطيرة عند بدايات طرحها‏,‏ اكتسبت نوعا من الشرعية عبر اتفاقية الجات ومنظمة التجارة العالمية‏,‏ كما وجدت في الوقت نفسه دعما وترويجا كبيرين من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ووسائل الإعلام الخاضعة للسيطرة الغربية‏.‏
قضية تحرير التجارة تم تطويرها تحت مسمي جديد هو العولمة التي تعني عالما بلا حدود أو حواجز‏,‏ هذه العولمة تشتمل من بين جوانب عديدة‏,‏ علي ممارسة الأنشطة التجارية والاقتصادية دون أن يكون للدولة ولاية أو سيادة علي إقليمها الجغرافي القطري الذي يصبح مجرد اسم يطلق علي منطقة بعينها علي خارطة المعمورة‏,‏ أي أن الدولة القطرية تصبح عاجزة عن تحصين نفسها ضد جحافل الغزاة القادمين من الدول الغنية لتدمير مؤسساتها النامية وبنوكها وصناعاتها الناشئة إلي أن يتم الإجهاز عليها تماما‏,‏ وهكذا تصبح بلادنا أسوأ من جمهوريات الموز حيث يكون أصحاب المؤسسات الأجنبية أقوي وأكثر نفوذا من قادة تلك البلدان ورؤساء حكوماتها‏.‏
ومما لا شك فيه أن أصحاب تلك المؤسسات العملاقة هم الذين سوف يحددون من يحكمنا‏,‏ فهل يمكن القول في هذه الحالة إن بلادنا مستقلة ذات سيادة؟ العولمة إذن تصب في اتجاه يكرس إعادة بناء الإمبراطورية الغربية‏,‏ وانطلاقا من أننا بلدان نامية فإن الدول الإسلامية كلها سوف تصبح في يوم من الأيام جزءا من الإمبراطورية الغربية التي تعني الإمبراطورية الأمريكية‏.‏ إن المسلمين الذين تمكنوا ذات يوم من بسط نفوذهم علي العالم قبل أن تضمحل حضارتهم‏,‏ أضاعوا فرصة الإفادة من الثورة الصناعية التي كانت آنذاك تتسع وتنمو في أوروبا‏,‏ تخلفوا لأنهم لم يسهموا فيها‏,‏ أي أن تراجعهم لم يقتصر علي الناحية الكمية‏,‏ ولكنه شمل أيضا تخلف قدراتهم الصناعية وملكاتهم الإبداعية والابتكارية وانتهي الأمر بهم إلي الاعتماد الكامل علي ما ينتجه غيرهم بمن فيهم الأعداء‏,‏ ويبدو أن المسلمين سيضيعون للمرة الثانية فرصة الإفادة من ثورة المعلومات أيضا‏,‏ وللأسباب نفسها‏,‏ إذ أنهم مازالوا منشغلين بخصوماتهم وخلافاتهم‏.‏
رغم سيطرة فلسفة العولمة على كثير من دول العالم مازال أبناء ماليزيا يحافظون على هويتهم الأسلامية
الإسلام‏..‏ الدين الذي أسيء فهمه‏!‏
ربما يكون الإسلام هو أكثر الأديان التي أسي فهمها في عالم اليوم‏,‏ بل يمكن القول إنه أكثر الأديان تعرضا لسوء الفهم عبر التاريخ أيضا‏,‏ سوء الفهم هذا لا يقتصر علي غير المسلمين‏,‏ وإنما يمتد إلي المسلمين أنفسهم والدليل علي ذلك وجود هذا العدد الكبير من الطوائف والملل الإسلامية التي يتبع كل منها تعاليم إسلامية مختلفة ومتناقضة أحيانا‏,‏ هذا الاختلاف وما يلازمه من تناقض يؤكد وجود خطأ ما‏,‏ وأن هذا الخطأ يكمن تحديدا في عدم فهم الإسلام أو إساءة فهمه‏.‏
الأحوال المتردية للمسلمين اليوم ترجع جزئيا إلي الجهل‏,‏ كما ترجع إلي التحامل علي الإسلام والمسلمين‏,‏ ولكن ذلك لا يجعلنا نعفي المسلمين تماما من مسئولية ما آلت إليه حالهم‏,‏ كما يري الكاتب أن محنتنا من صنع أيدينا لأننا فشلنا في التطور مع الزمن وبالتالي فإن الخلاص أيضا في أيدينا وليس في أيدي الغير‏,‏ وفي الوقت الذي نحاول فيه تعديل أو إيقاف خطر العولمة‏,‏ يجب أن نعد أنفسنا أن نتحمل كلفة الانتظار حتي نري نتيجة ما قمنا به من إجراءات‏,‏ يجب أن نعد أنفسنا حتي نكون قادرين علي التعامل مع الأخطار القادمة مع العولمة‏,‏ كما يجب أن نتعلم ونتقن كل أنواع التكنولوجيا وتطبيقاتها‏,‏ كما أننا لا نستطيع أن نتحمل أي نوع من الشك أو الاشتباه في جدوي التصنيع والتحديث‏,‏ وبالقطع فإن هناك من سيقول إن هذه الحياة الدنيا ليست لنا نحن المسلمين‏,‏ وإن لنا الآخرة التي هي خير وأبقي‏,‏ وإذا حاقت بنا الكوارث فإن الله سوف ينجينا لأننا مسلمون‏,‏ إن الذين يقولون ذلك ينسون أن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم‏,‏ وبينما نجد من المسلمين من يقفون مواقف إيجابية للعمل علي تطوير بلادهم وحماية أنفسهم من هيمنة وسيطرة الآخرين نجد أيضا أن هناك جماعات من المسلمين المتعصبين الذين يحاولون إيقاف هذا الجهد الإيجابي حتي تظل الأمة الإسلامية متخلفة‏,‏ والغريب أن يحدث ذلك باسم الإسلام‏,‏ والجماعات التي تريدنا أن نظل في مؤخرة الأمم هي الجماعات التي تخون قضية الإسلام بوعي أو بدون وعي‏,‏ أما الشيء الأساسي الذي ينبغي علي الدول الإسلامية أن تتقنه فهو معرفة كل ما يتعلق بتكنولوجيا المعلومات‏,‏ هذه التكنولوجيا المرتبطة ارتباطا وثيقا بالعولمة‏.‏
التاريخ خير معلم

يري مهاتير محمد أن مسيرة الحضارة الإسلامية لم تتوقف إلا عندما تم إهمال المعارف والمهارات اللازمة لإنتاج الحضارات‏,‏ وبالرغم من المحاولات التي بذلت لإحياء مجد الحضارة الإسلامية لم يتحقق شيء‏,‏ كل المحاولات أخفقت نظرا لأن نفرا من العلماء بين المسلمين يخشون أن يؤدي هذا التقدم الحضاري إلي إهمال شأن الدين‏,‏ الأمر الذي جعلهم يصرون علي تقسيم المعارف إلي نوعين‏:‏ دينية وعلمانية‏,‏ مع النظر إلي الأخيرة علي أنها تشكل تهديدا للإسلام‏,‏ وفي الوقت الذي كان يحدث فيه ذلك في العالم الإسلامي‏,‏ كان قد تم فصل الدين عن الدولة في أوروبا‏,‏ الأمر الذي أفقد الكنيسة سيطرتها التي مارستها طوال قرون علي الدولة‏,‏ أما الذي دفع علماء المسلمين إلي محاربة المعارف العلمانية ـ في رأيه ـ فيرجع إلي أنهم كانوا يخشون أن تؤدي مثل تلك المعارف إلي تقليص نفوذهم في المجتمع وفي الدولة‏.‏
وبناء علي ذلك فإن الخطوة الأولي التي يجب أن نخطوها‏,‏ هي التخلي عن الفكرة القائلة بأن أي معرفة غير المعرفة الدينية والروحية هي معرفة علمانية وبالتالي يجب تحريمها‏,‏ يجب أن يكون بناء الحضارة الإسلامية المعاصرة قائما علي إنجازات البشرية في عصرنا‏,‏ هذه الحضارة يجب أن تعكس الحياة المعاصرة والأفكار الصالحة لزماننا علي أن تظل في الوقت نفسه ملتزمة بتعاليم الدين الإسلامي‏,‏ أما إذا كنا نؤمن حقا بأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان‏,‏ فسنكون مثل من يناقض الدين في جوهره إذا ما اعتبرنا أن الحضارة الإسلامية لن تتحقق إلا في الظروف ذاتها التي كانت سائدة في المدينة في القرن السابع الميلادي‏*‏