297‏السنة 123-العدد2002نوفمبر30‏25رمضان 1423هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

هل أصبح هنتنجتون زعيما لجيوش حلف شمال الأطلنطي؟
الفريضة الغائبة بين العرب والناتـو

بوش يهمس الى حلفائه الجدد الذين حملوا نفوذ الناتو الى اقصى الشرق

تقرير ـ خالد صلاح


رفع زعماء دول حلف شمال الأطلنطي كئوس النبيد احتفالا بالأعضاء الجدد للحلف العسكري الأقوي علي خريطة العالم‏,‏ وكانت براغ عاصمة جمهورية التشيك التي انعقدت علي أراضيها قمة الأقوياء تضيف دلالات رمزية علي عملية توسيع الناتو وامتداده نحو بلدان أوروبا الشرقية‏,‏ وساحة النفوذ السوفيتي سابقا‏,‏ فخصوم الأمس الذين شطرتهم الحرب العالمية الثانية إلي معسكرين صاروا اليوم حلفاء في جيش واحد‏,‏ لكن أحدا من جنرالات هذا الجيش الموحد والممتد من حدود روسيا إلي الشاطيء الغربي للقارة الأمريكية لا يمكنه تقديم إجابة واضحة المعالم عن سؤال‏..‏ ضد من يتأهب ويتنامي ويتضخم هذا الجيش الأسطوري؟‏!‏
الإجابة الجاهزة التي حررها قسم العلاقات العامة في مؤسسة الناتو هي أن اتساع الحلف يستهدف الحفاظ علي الأمن والسلام العالمي‏,‏ ومكافحة الإرهاب الدولي والجريمة المنظمة‏,‏ غير أن هذه الإجابة الدعائية لا تصمد أمام حقيقة منطقية مفادها أن مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة لا تحتاج لتحالف كل هذه القدرات العسكرية الفائقة في منظومة واحدة وبقيادة مشتركة‏.‏
قد يبدو أن ما جري في براغ تطور طبيعي وغير مفاجيء خاصة أن خطة لتوسيع حلف الناتو متفق عليها سلفا وتمضي وفق ترتيبات مرحلية دقيقة منذ قمة زعماء حلف الأطلنطي في مدريد عام‏1997‏ حين قرر الحلف دعوة البلدان الرئيسية في حلف وارسو سابقا وهي بولندا والمجر والتشيك إلي الانضمام للحف بحلول عام‏1999‏ رغم التحفظات التي أعلنتها موسكو علي هذا التوسع والتحذيرات التي أطلقها بعض العسكريين الروس علي ما تمثله خطط التوسيع من تهديد للأمن القومي الروسي‏,‏ وإزاء هذه التحفظات مضي حلفاء الناتو في خطتهم علي مستويين الأول يتمثل في استكمال مراحل التوسع شرقا والثاني في تعزيز قنوات الحوار بين الحلف وموسكو لتهدئة مخاوف الكرملين حتي لا تتأثر خطط الناتو نحو بلدان أوروبا الشرقية‏.‏
ولم تكن بلدان حلف الأطلنطي في حاجة إلي جهد كبير لإتمام هذه المسيرة إذ أن الحلف ارتبط مع موسكو باتفاقية الشراكة من أجل السلام التي تم توقيعها في الثاني والعشرين من يوليو عام‏1994,‏ بالإضافة إلي توقيع بروتوكول خاص منح موسكو صلاحيات أوسع بالمقارنة بالدول الأخري أعضاء برنامج الشراكة مع الناتو‏,‏ وفي يناير‏1997‏ زار خافيير سولانا ـ الأمين العام السابق للحلف ـ العاصمة الروسية لبحث الحلول المقترحة لتخطي عقبة توسعات الناتو‏,‏ وبعد هذه اللقاءات شرعت موسكو في التحدث بلغة أكثر مرونة وفي مايو‏1997‏ وقعت روسيا مع الحلف ميثاق باريس والذي تأسس بموجبه المجلس المشترك الدائم لروسيا والناتو الذي تجري بداخله المشاورات علي مستوي السفراء ووزراء الخارجية هذا بالإضافة إلي تشكيل اللجنة العسكرية الدائمة المشتركة بين الجانبين‏,‏ وفي فبراير من عام‏1998‏ افتتح الناتو مكتبه الإعلامي في العاصمة الروسية‏,‏ وافتتحت روسيا في مارس من نفس العام مكتب ممثليها لدي الحلف‏,‏ وفي أعقاب تجاوز الأزمة الطارئة بين الجانبين في الحرب علي يوغسلافيا ظهرت إشارات من روسيا تلمح إلي احتمال قبول موسكو بين الدول الأعضاء في إطار خطط التوسيع‏.‏
لم تعد هناك أزمة حقيقية وجادة في الموقف الروسي بعد هذه الجهود السياسية‏,‏ وبالتالي انعدمت العثرات أمام خطط التوسيع التي استكملت مرحلتها الثانية في براغ بضم رومانيا وبلغاريا وسلوفينيا وسلوفاكيا إلي جانب جمهوريات البلطيق‏,‏ التي طالما كانت تشكل خطا أحمر روسيا‏,‏ وهي ليتوانيا ولاتفيا واستونيا التي دخلت ضمن خطط التوسيع الطموح‏.‏
وبهذه الخطوة يبلغ عدد بلدان الحلف إلي‏26‏ دولة تسيطر علي النصف الشمالي الأقوي والأغني من الكرة الأرضية وترتبط عبر قنوات متعددة بشراكة رفيعة مع الدولة الأقوي عسكريا في الشرق روسيا‏.‏
كل هذه القوي تحتشد لمواجهة الجريمة المنظمة والإرهاب الدولي وفق نشرات العلاقات العامة التي يصدرها حلف الناتو‏,‏ لكن الحقيقة أبعد من ذلك وتتجلي في حفنة الأفكار التي ناقشها زعماء الحلف في قمتهم في مدريد م‏1997,‏ وهي الأفكار التي انتهي إليها فريق التخطيط الاستراتيجي للحلف منذ انهيار الاتحاد السوفيتي‏,‏ وقد بدأ الناتو في اعتماد مفهوم استراتيجي يحول مهمته من مجرد الدفاع عن الجغرافيا الأطلنطية الأوروبية إلي تحالف للدفاع عن مصالح شركاء الحلف عبر العالم أجمع‏,‏ وأي مكان في العالم يكون فيه لأعضاء الحلف مصالح حيوية تتعرض للتهديد بما يعني تبني عقيدة سياسية‏,‏ ودفاعية جديدة للحلف‏,‏ وبدا أن أحد أهم الغايات في هذه العقيدة الجديدة هو ممارسة أعمال حفظ الأمن لدول الحلف من خلال العمل في مناطق جنوب البحر المتوسط وشمال إفريقيا وآسيا الوسطي والقوقاز والشرق الأوسط‏,‏ ولم يخف الأمين العام للحلف روبرتسون هذه التوجهات الجديدة حين أكد أن الرؤية الجديدة للأطلنطي تتجاوز مفاهيم الأمن الجيوبولتيكي إلي مفاهيم جديدة للأمن تتضمن المصالح الاقتصادية والسياسية لبلدان الحلف‏.‏
الواقع هنا يؤكد أن العالم أصبح أمام حلف عسكري هائل القوة يضم بين صفوفه الدول الأغني والأكثر تقدما في الشمال الغني‏,‏ وأن هذا الحلف الذي تأسس عام‏1949‏ في مواجهة الاتحاد السوفيتي أصبح هو بنفسه اليوم حليفا للكرملين ويضم بين هياكله القوي الرئيسية في المعسكر الشرقي المنقرض ليبقي السؤال هو ضد من تتحالف كل هذه القوي وإلي أي مدي تنعكس هذه التحالفات علي سائر دول العالم‏,‏ وإذا كان الناتو قد كشف بوضوح أنه معني بصورة مباشرة بعمليات حفظ الأمن في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ووضع خبراؤه الخطط الاستراتيجية لمواجهة المخاطر الأمنية الوافدة من هذه البلدان‏..‏ فما الخطط المقابلة التي استعدت بها هذه الأقاليم للعلاقة مع الناتو؟ وهل يمكن ربط بلدان الشرق الأوسط بخطط للتعاون مع الحلف في إطار مشروع الحوار الذي انطلق بين الجانبين في منتصف التسعينيات أم أن هذه المناطق ستصبح ساحة واسعة للعمليات الأمنية والعسكرية للحلف عند الضرورة؟‏!‏
الإجابة عن هذه التساؤلات تمثل فريضة غائبة في المعسكر العربي والإسلامي رغم أن الراجح وفق رؤية مفكر استراتيجي أمريكي مرموق هو زبيجنيو بريجسنكي ـ مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق ـ أن بلدان جنوب المتوسط قد تصبح ميدانا لمهام يقوم بها الحلف في المستقبل‏.‏
والتفكير في الإجابة عن تلك التساؤلات لا يعني بالضرورة أن بلدان الشرق الأوسط وجنوب المتوسط تتخذ موقفا مسبقا متحفزا من خطط التوسيع داخل الحلف‏,‏ بقدر ما يعني أهمية قراءة هذا التحول العالمي وبيان آثاره وحدود دوره في المستقبل وتأسيس خطط عملية لإدارة العلاقة مع هذا الحلف‏,‏ ويبدو هذا التوجه حتميا‏,‏ في ضوء ما تكشف عنه وثائق الحلف من طبيعة المهام التي يضطلع بها في المستقبل‏.‏
قوات حلف الاطلنطى تهيمن على بحار العالم من المغرب الى المشرق
ففي أعقاب قمة مدريد عام‏1997‏ وقبل‏4‏ سنوات كاملة من أحداث الحادي عشر من سبتمبر وضع الحلف ضمن أولوياته مواجهة ظاهرة الإرهاب علي الصعيد الدولي وبصفة خاصة المنظمات التي تهدد مصالح دول الحلف في أي بقعة من بقاع الأرض وقد تحددت الغالبية العظمي من قائمة المنظمات التي تشكل خطرا علي بلدان الناتو في دول الشرق الأوسط العربية وبلدان العالم الإسلامي‏.‏
هذا اليقين الأطلنطي بأن الخطر قادم من هذه البلدان يرجح أن تكون الخطط العسكرية للحلف مركزة علي عمليات التدخل السريع في مجموعة من البلدان العربية والإسلامية‏,‏ وقد جاءت التطورات التالية لأحداث الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك وواشنطن لتؤكد تلك المفاهيم وتعزز خطط الحلف نحو البلدان المستهدفة‏.‏
هذه الحقيقة لم تكن غائبة عن بعض العواصم العربية التي شاركت في الحوار مع الناتو خلال السنوات القليلة الماضية‏,‏ وكان أحد المخاوف الرئيسية التي طرحتها المجموعة العربية في هذا الحوار هو الحذر من تحول الحلف إلي ناد عسكري مسيحي يتحسب لصدام حضارات مرتقب علي طريقة صمويل هنتنجتون‏,‏ ورغم أن الرد الجاهز من الحلف علي مخاوف العرب والمسلمين يتمثل في الإشارة إلي عضوية تركيا المسلمة في مؤسسات حلف شمال الأطلنطي إلا أن تركيا نفسها لم تكن بعيدة عن المخاوف إذ أن مكانتها في الحلف تأسست خلال سنوات الحرب الباردة وجوارها إلي تخوم الاتحاد السوفيتي السابق‏,‏ وبانهيار الاتحاد السوفيتي تراجعت الأهمية الاستراتيجية لأنقرة‏.‏
ومن جهة أخري يأتي انضمام مجموعة بلدان أوروبا الشرقية إلي الحلف بمثابة إضعاف جديد للدور التركي جنبا إلي جنب مع بلدان البلطيق‏,‏ فما تقوم به تركيا اليوم يمكن أن تتقاسمه معها رومانيا من ناحية الجنوب والشرق‏,‏ كما يمكن أن تضطلع به أيضا دول البلطيق من ناحية الشمال‏.‏
ومن هنا فإن الدولة المسلمة الوحيدة في نادي الأطلنطي ظهر لها منافسون أقوياء‏,‏ ولن يكون الاستغناء عن تركيا أو تحجيم دورها في الحلف أمرا عسيرا في ظل عملية التوسيع‏.‏
وإذا كانت المسألة التركية غير مطروحة بقوة الآن ضمن هذا النادي العسكري الكبير خاصة مع الدور الذي يلعبه الجيش للحفاظ علي العلمانية التركية‏,‏ فإن الثابت أن المواجهة مع الإرهاب وعلي رأسه إرهاب الأصولية وفق القراءة الغربية لهذه الأصولية تأتي علي رأس قائمة الأولويات‏,‏ ويضاف إلي هذا أن الاستراتيجية الدفاعية للحلف تستهدف أيضا ما يسمي في الغرب بالدول المارقة‏,‏ وهي الدول القادرة علي إنتاج أنظمة صاروخية متطورة يمكنها تهديد بلدان الحلف‏.‏
وباستثناء كوريا الشمالية فإن بقية البلدان المارقة وفق المفهوم العسكري الغربي هي بلدان عربية وسلامية تأتي من بينها العراق وإيران ثم تليهما ليبيا ومن غير المستبعد ضم بلدان أخري إلي هذه القائمة حسب الاحتياجات الدفاعية التي فرضتها تفجيرات سبتمبر‏.2001‏
فما جري في نيويورك وواشنطن أدي إلي توسيع دائرة التخطيط العسكري الأطلنطي في مواجهة هذا الخطر القادم من الجنوب‏,‏ ولم تعد المواجهة تقتصر عند لحظة وقوع الأزمات لكن الولايات المتحدة ـ زعيمة الناتو ـ أعدت خطتها للضربات الوقائية المبكرة التي تحمي الحلف من خطر محتمل‏.‏
والضربات الوقائية لا تقف عند حدود العمل العسكري لكنها تشمل العمل علي إجراء إصلاحات هيكلية في البنية السياسية والثقافية والتعليمية والاقتصادية للبلدان المصدرة للإرهاب ـ أي العالمين العربي والإسلامي ـ بحيث يتم تجفيف منابع هذا الخطر قبل أن يتحول إلي أداة للفعل في مواجهة العالم الغربي‏.‏
كل تلك التحولات تفرض يقظة حتمية علي الرؤية الاستراتيجية للعالم العربي والمحيط الإسلامي لمواجهة الأخطار الأمنية المحتملة‏,‏ والتخطيط للتعامل مع قرارات الناتو في حال إقدام الحلف علي عملية تدخل في أي من البلدان العربية والإسلامية تحت غطاء مواجهة الإرهاب‏.‏
وإذا كان بعض تلك القضايا تطرحها العواصم العربية في إطار الحوار مع حلف الناتو فإن الحوار لن يكتب له النجاح إذا كان الناتو وحده يحتكر الرؤية الاستراتيجية وينفرد بوضع الخطط لمواجهة المخاطر المحتملة‏,‏ لكن العرب مطالبون بتحديد أولويات وبدائل العمل في العلاقة مع الحلف إما بالحوار والتعاون الكامل أو عبر طريق آخر‏,‏ المهم ألا يفاجأ العرب بقوات الناتو علي أرض عاصمة عربية أخري‏..‏ الآن أو في المستقبل‏*‏