297‏السنة 123-العدد2002نوفمبر30‏25رمضان 1423هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

بعض الوزراء شكلوا غرف عمليات وآخرون يفاوضون النواب
عشرون مأزقـا في انتظار حكومة عبيد‏!‏

تحقيق ـ أحمد عبدالحكم


بات مؤكدا أن الدورة الحالية لمجلس الشعب ستكون من أسخن وأقوي الدورات‏,‏ فقد أشهر نواب المعارضة والمستقلون سلاح الاستجوابات في وجه الحكومة‏,‏ حيث تم حتي الآن التقدم بنحو‏20‏ استجوابا‏,‏ أغلبها لرئيس الوزراء‏,‏ لكنها تعد محاكمة علنية سياسية لمعظم الوزراء الحاليين‏.‏
اللافت في الأمر أن وتيرة حديث النواب عن الاستجوابات وتحمسهم المثير للانتباه لتقديمها وتفجير ما بها من وقائع تأتي مواكبة أو سابقة بقليل لتوقعات قوية تملأالمنتديات السياسية والبرلمانية بقرب إجراء تغيير وزاري شامل سيطال بعض الرؤوس الكبيرة‏.‏
ومما يعزز هذه التوقعات هي الملاحظات الكثيرة وحملات النقد الموسعة علي مختلف المستويات لأداء بعض الوزراء‏,‏ وتنامي الاتهامات حول التورط في إبرام تعاقدات شخصية بأسماء الأبناء مع جهات حكومية بالمخالفة لنصوص القانون والدستور‏,‏ فضلا عن ورود بعض الأسماء في قضايا التسهيلات الائتمانية التي تملأ الشارع الاقتصادي غبارا وتثير العديد من التساؤلات والتوقعات أيضا‏..‏ وربما تكون عملية التغييرـ حال إجرائها ـ مقدمة لاستيعاب أو احتواء هذا الكم الهائل من الاستجوابات الذي يقذف بالكرة في وجه جميع الوزراء والنظام العام‏.‏
الوزراء الموجهة لهم الاستجوابات بدأوا في تشكيل غرف عمليات تضم كبار المستشارين التنفيذيين والقانونيين لإعداد ردود مقنعة علي ما قدم ضدهم من اتهامات ووقائع وبعضهم يجري حاليا اتصالات مباشرة مع النواب المستجوبين إما لإثنائهم عن مناقشة الاستجوابات أو التفاوض حول المشاكل المطروحة بتقديم حلول لها تفاديا لمحاكمة علنية أمام البرلمان‏.‏
ودون الخوض في تفاصيل كثيرة فخريطة الاستجوابات المقدمة جاءت انعكاسا للأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية القائمة ولم يشذ عن القاعدة سوي استجوابين أو ثلاثة تتناول قضايا فرعية أو موضوعات للشهرة حيث يحلو لبعض النواب ممارسة هذا الدور‏.‏
الجماهير تطارد النواب في الشوارع ونحن سنطارد الحكومة في البرلمان بهذه العبارة بدأ نائب التجمع البدري فرغلي سرده للاستجوابات التي سيقدمها خلال الدورة الحالية‏..‏ أولها المخالفات الرهيبة في وزارة الزراعة والتي تكشفت في قضية المبيدات الأخيرة المتهم فيها د‏.‏ يوسف عبدالرحمن ـ رئيس بنك التنمية والائتمان الزراعي ورئيس البورصة الزراعية ـ حيث دخلت أدوية محظورة للبلاد طيلة السنوات الماضية وأثبتت التحاليل والتقارير الطبية خطورتها علي الصحة العامة وتسببها في أمراض خبيثة كالسرطان والفشل الكبدي والكلوي وغيرها‏.‏
والاستجواب الثاني‏..‏ عن تدني إيرادات قناة السويس في ظل ظهور طرق منافسة أو التخطيط لإنشاء طرق بديلة عنها فضلا عن انهيار قطاع النقل البحري مما يعرض البلاد لخسائر بمليارات الدولارات‏.‏
أما الاستجواب الثالث‏..‏ فيتعلق بمحاسبة الحكومة لتخليها عن مساندة محافظة بورسعيد بعد أن أعلنت في كثير من المنتديات والمؤتمرات العامة وأمام البرلمان أنها ستقدم مخططا شاملا وسريعا لتطوير المدينة اقتصاديا وتعويضها عن إلغاء المدينة الحرة‏,‏ وهو ما لم يحدث حتي الآن‏.‏
أما الاستجواب الرابع فيتعلق بتدهور الأوضاع الاقتصادية والنقدية وما آلت إليه حال قطاعات كثيرة في الدولة من تدهور وانهيار‏.‏
هناك استجواب آخر يحمل عنوانا ضخما للنائب الدكتور أيمن نور موجه لرئيس الوزراء حول تزايد معدلات الفقر في مصر‏,‏ والذي يتطرق في تفاصيله لسبعة محاور تشكل محاكمة لمجمل الأوضاع الاقتصادية والسياسية متمثلة في تزايد معدلات الفساد العام والانحرافات في الجهاز المصرفي وتآكل الدخول واستمرار حالة الكساد ونقص السيولة وانهيار الجنيه المصري مقابل ارتفاع سعر صرف العملات الأجنبية والعربية وتزايد الأزمات الاجتماعية المرتبطة بالفشل في مجالات التعليم والعلاج‏.‏
ويبدو أن سياسات وزير الإسكان وتصرفاته قد وضعها نائب الإسكندرية المستقل كمال أحمد ـ صاحب استجواب البورصة الشهير ـ تحت الملاحظة الدقيقة ويؤكد أن لديه حزمة مستندات إدانة سيطرحها في استجوابه ويتعلق بعضها بإسناد بعض الأعمال بالأمر المباشر لإحدي الشركات بالمخالفة لنصوص الدستور والقانون‏..‏ فضلا عن السماح بتركيب مواسير المياه والصرف الصحي‏G.R.P‏ والتي تعددت حوادث انفجارها في الشهور الأخيرة في محافظات أسوان وبورسعيد وأسيوط وأخيرا في القاهرة‏..‏ وقد رفضت الهيئة العامة للصرف الصحي بالقاهرة هذه النوعية من المواسير إلا أن الشركة المنفذة مازالت تصر علي استخدامها مما يشكل إهدارا للمال العام‏..‏ ولوزير الإسكان أيضا استجواب في نفس الإطار مقدم من النائب البدري فرغلي ولكن عن وقائع وتصرفات وخسائر أخري في قطاع الإسكان من اختصاص الوزير وتخضع لإشرافه المباشر‏.‏
ولأن القضية الاقتصادية هي الهاجس الدائم الذي يطارد الحكومة والأهالي سينال الحكومة من وراء تدني وانهيار أداء بعض القطاعات الاقتصادية عدة استجوابات أحدها سيقدمه النائب الناصري حيدر بغدادي ويتعلق بالآثار السيئة لسياسة الخصخصة علي معدلات النمو والإنتاج وضعف الصادرات وازدياد حدة مشكلة البطالة واقتران كل ذلك بحالات الفساد التي استشرت في عدة مواقع وذلك علي عكس إعلانات الحكومة المتكررة وإصرارها علي أن سياسة الخصخصة أنقذت الاقتصاد المصري وأنقذت الشركات المباعة من من الانهيار التام‏..‏
القضية نفسها تبنتها مجموعة الإخوان المسلمين في المجلس أو مجموعة الـ‏17‏ حيث أعدت استجوابا سيقدمه أحد أعضائها حول الآثار الخطيرة لبرنامج الخصخصة والمشاكل الكثيرة الذي خلفها تنفيذ هذا المخطط مع عجز الحكومة عن تقديم حلول عملية وسريعة لهذه المشاكل ولا يمكن عبور هذه القضية دون التطرق إلي استجوابات أخري غاية في الأهمية أحدها يقدمه نائب الإسكندرية المستقل محمد البدرشيني حول إهدار المال العام في البنوك المصرية وثبوت انحراف بعض المسئولين فيها وموظفي إدارات الائتمان ومنح المليارات لعملاء بعينهم دونما اعتبار للأعراف المصرفية‏.‏
وهناك مجموعة أخري من الاستجوابات النوعية الموجهة للحكومة حول قضايا محددة أو أشخاص بعينهم‏..‏ أحدها سيقدمه النائب البدرشيني حول تقاعس الحكومة عن المطالبة بحقوق وتعويضات الأسري المصريين الذين قامت إسرائيل بقتلهم في حربي‏56‏ و‏67‏ والتي يتورط فيها قيادات حالية من حضور السياسة الإسرائيلية وبشهاداتهم الشخصية بارتكابهم لهذه المذابح مما يستوجب تحركا فعليا من الحكومة علي المستويات الإقليمية والدولية لمحاسبة هؤلاء المجرمين والمطالبة بالتعويضات المناسبة‏.‏
وضمن هذه الاستجوابات للنائب نفسه حول تقاعس الحكومة عن المطالبة بالتعويضات اللازمة عن حقول الألغام المتخلفة عن الحرب العالمية الثانية بالصحراء الغربية رغم أن هناك منظمة عالمية تم تشكيلها أخيرا لتطهير البلدان التي أضيرت من جراء وجود هذه الألغام ولم يدرج اسم مصر ضمن هذه الدول رغم أن حجم الألغام في الأراضي المصرية يفوق كل الدول الأخري المضارة مجتمعة‏..‏ فضلا عن تعويضات ضحايا هذه الألغام من المتوفين أو المصابين بعاهات مستديمة‏,‏ ينطبق علي مناطق الألغام الموجودة بسيناء والتي زرعتها إسرائيل خلال سنوات احتلالها‏.‏
قضية أخري يطرحها النائب حيدر بغدادي في صورة استجواب عن السحابة السوداء التي فشلت كل أجهزة الدولة والوزارات المختصة في مواجهتها حتي الآن رغم تقديم كل صور الدعم اللازمة‏..‏ الأمر الذي يؤثر بشكل خطير علي صورة مدينة القاهرة خارجيا باعتبارها مقصدا أسياسيا لحركة السياحة الوافدة فضلا عن إصابة المواطنين بالعديد من الأمراض‏.‏
ولعلها من المرات القلائل التي ينال فيها وزير الداخلية استجوابين من نائب الأحرار المعارض رجب هلال حميدة يتعلق أحدهما بما يثار حول انتهاكات حقوق الإنسان في أقسام الشرطة والسجون والمعتقلات وزيادة أعداد المعتقلين سياسيا وجنائيا وعدم احترام بعض الجهات للأحكام الصادرة لصالح هؤلاء المعتقلين بالإفراج عنهم وصدور قرارات اعتقال جديدة في يوم صدور هذه الأحكام مما أدي إلي وصول أعداد المعتقلين لنحو‏20‏ ألف معتقل ووضعهم في أماكن لا تتوافر فيها شروط الصحة العامة والحقوق الأدبية التي نصت عليها اتفاقيات ومواثيق حقوق الإنسان الدولية‏.‏
أما الاستجواب الثاني فموجه لرئيس الوزراء لكنه يشير إلي بعض الجوانب الأمنية وتتعلق بتجربة التعددية الحزبية وهي إحدي روافد التجربة الديمقراطية لانتهاكات من أجهزة متعددة بالدولة في الوقت الذي يتوقف الدعم التام سياسيا لهذه الأحزاب بل تتعمد الأجهزة الأمنية التدخل المستمر في شئون هذه الأحزاب مما أدي لانهيار بعضها وغلق البعض الآخر بقرارات من السلطة‏.‏
مشكلة أخري يطرحها حميدة في استجواب لوزيري الإسكان والتنمية المحلية بشأن قضية المتضررين من مشروع إسكان صقر قريش حيث تعرض هؤلاء من أكثر من‏20‏ سنة للابتزاز والنصب من الشركات المنفذة للمشروع وتعرض هؤلاء أيضا للخطر الجسيم نتيجة الأخطاء الرهيبة في إقامة هذه العمارات والأسس الهندسية المعمول بها في هذا الشأن‏.‏
استجواب آخر خطير يفجره نائب التجمع المعارض أبو العز الحريري عن شركة الحديد والصلب بالدخيلة واستيلاء رجل الأعمال أحمد عز عليها وفق نص الاستجواب الذي قدم في الدورة الماضية وتم تجديده هذه الدورة وتكشف أوراق الاستجواب عن التحكم في صناعة الحديد والصلب بشكل احتكاري وتواطؤ مسئولين حكوميين والشركاء في تكوين الشركة نفسها الذين تخلوا عن تمويل أو سداد أو تكلفة مصنع مسطحات الصلب بعد أن قارب علي الانتهاء وحجز قرض صندوق الإنماء الكويتي الذي اعتمده مجلس الشعب لمصنع حديد الدخيلة‏,‏ وقيام وزارة المالية بتسييل خطاب ضمان لدي مصلحة الجمارك‏..‏ كان معلقا إلي أن يتم الانتهاء من تركيب المصنع وتشغيله وسداد قيمة الضرائب علي المعدات من عائد التشغيل الأمر الذي حدا بالمهندس إبراهيم سالم محمدين ومجلس الإدارة السابق إلي الاستغاثة برئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء لعدم تسييل خطاب الضمان لمخاطبة الشركاء للوفاء بالتزماتهم لكن ذلك لم يحدث واضطرت الشركة في عملية مريبة لأن تسمح لأحمد عز بالدخول شريكا لرفع رأس المال من‏1.2‏ مليار جنيه إلي‏1.500‏ مليار جنيه دون النظر لباقي الاستثمارات الموجودة في الشركة والتي تصل لنحو‏4‏ مليارات جنيه كقروض وفوائد وعدم سداد عز إلا لقسط واحد مما التزم به لتشكل مساهمته‏%3.4‏ من إجمالي رأس المال وبالرغم من ذلك تم تمكينه من أن يصبح عضوا منتدبا ورئيسا لمجلس الإدارة‏.‏
ثلاثة استجوابات من مجموعة الـ‏17‏ أحدها من النائب حسين محمد إبراهيم لوزير قطاع المال العام حول إهدار المال العام في شركة النصر للملاحات لاختيارها موقعا لا يصلح لإنتاج الملح وهو ملاحة برج العرب بالإسكندرية والذي بدأت الشركة بالعمل فيه منذ أكثر من‏20‏ سنة ولم تنتج حتي الآن مما أوصل ديون الشركة بسبب هذا المشروع الفاشل إلي‏500‏ مليون جنيه وأيضا لإنتاجها ملحا غير مطابق للمواصفات وضار بالصحة وذلك من واقع محاضر وزارة الصحة‏.‏
الاستجواب الثاني حول فشل السياسة الزراعية وانهيار إنتاج مصر من المحاصيل الرئيسة التي تشكل عصب الاقتصاد الزراعي كالقمح والقطن‏..‏ وثالث عن تجفيف بحيرة المنزلة واستيلاء بعض الكبار عليها مما يهدد المنطقة بكارثة بيئية‏.‏
لكن آخر وأطرف الاستجوابات المقدمة سياسيا قدمه أبو العز الحريري لرئيس الوزراء عن عدم محاكمة وزير الداخلية الأسبق اللواء النبوي إسماعيل لمسئوليته عن مقتل الراحل أنور السادات‏..‏ حيث أعلن في عدة حلقات تليفزيونية أنه كان يتوقع حادث القتل ولأول مرة سيكون المستند الوحيد في هذا الاستجواب هو شريط فيديو يسجل اعترافات النبوي حول الواقعة‏.‏
ليس هذا آخر ما يتعلق بمساءلة الوزراء أمام البرلمان‏..‏ فقد تقدم النائب كمال أحمد بقانون جديد لمحاكمة الوزراء‏.‏ لكن ليس معني ذلك أن كل هذه الاستجوابات ستتم مناقشتها أو سيسمح المجلس بتمريرها فكل استجواب له مواءمات سياسية ورأي عام داخل المجلس وخارجه وأوضاع داخل الحكومة ذاتها وقبل هذا وذاك سلاح التصويت الذي تحتكره الأغلبية ويبدو أنه سيستخدم هذه الدورة بكثافة وكفاءة أيضا‏*‏