297‏السنة 123-العدد2002نوفمبر30‏25رمضان 1423هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

الألم‏..‏ موج يأتي‏..‏ ويرحل

بقلم ـ ليلي العثمان


يقول بودلير‏:‏ إن الألم هو المجد الوحيد الذي لا تأكله النار ولا التراب والذي علي أن أتزود منه دائما‏..‏ وأبدا‏.‏
وهكذا يكون الألم زوادة للرحيل عبر ممرات وطرق الحياة المتعرجة الواسعة‏.‏ فلا مناص منه مهما حاولنا الفكاك‏.‏ إنه جزء مهم من حياتنا كما الفرح‏.‏ والحزن‏.‏ والدموع والأمل والخوف وغيرها من المشاعر الكثيرة المتضاربة‏.‏
والألم أنواع‏,‏ هناك الألم الذي يصيب الجسد وهو أخف أنواع الألم مهما اشتد فما إن نذهب إلي الطبيب نشكو العلة ونشير إلي المكان‏,‏ حتي يسارع فيعطينا الدواء‏,‏ أو قد يستأصل الألم تماما باستئصال الجزء الموبوء‏.‏ وبهذا نتخلص من آلام مؤرقة تحرمنا النوم ولذة الحياة‏.‏ وقد تطول فترة الألم فنتصور أن الطبيب بكل علمه‏,‏ وخبرته لم يفهم العلة‏,‏ ولا هو قادر علي علاجها‏,‏ ويكون آخر الدواء الكي‏.‏
والكي بالنار علاج قديم عرفه أجدادنا وآباؤنا‏,‏ ورغم مساوئه وثبوت أخطاره ـ خاصة في بعض مناطق الجسد ـ إلا أن كثيرا من الناس ما يزال يعتقد بأنه الوسيلة الأفضل للتخلص من الألم لكن حقيقة الأمر هي أن المريض عندما تداهمه آلام الكي ينسي ألم علته الأصلية وينشغل عنها بحروقه‏,‏ وهكذا يصبح الكي بمثابة علاج نفسي قد يفيد في لحظة وقد يتسبب في علل أكبر منه‏,‏ يعلم الله وحده آثارها‏.‏
أنا شخصيا أكره الكي‏,‏ أكره رؤية المنظر‏,‏ أو مجرد التخيل لهذه العملية‏,‏ ذلك أن من جرب هذا الألم لا يمكن أن يعقد هدنة معه‏,‏ حتي وإن كان وسيلة لإخراس ألم أكبر منه‏.‏ في طفولتنا كان الكي نوعا من أنواع العقاب الذي يغرسونه في أطراف أجسادنا وفي لحم طفولتنا الباحثة عن الفرح ما بين ركامات الحرمان والأحزان‏,‏ والتمني‏,‏ ذلك أن أقدامنا الصغيرة عندما تتقافز في لهو بريء أو تتخطي باب البيت لتبحث عن نسمة الحرية‏.‏
كانت النار تمتد إليها‏..‏ وتترك بصماتها لأيام وليال تبكي فيها العين ـ وينزف القلب‏.‏ وعندما كانت طفولتنا تنمو‏,‏ والخوف يرافقها كنا نخاف في الليل أن نذهب إلي ـ بيت الخلاء ـ كان التبول في الفراش أسهل بكثير من مواجهة العفاريت‏,‏ والجن‏,‏ والطنطل التي تشبع آذاننا وأنفسنا الصغيرة البريئة من التهديد بها‏,‏ ورغم عقاب ـ الكي ـ إلا أن هذا يبقي أرحم بكثير من مواجهة المجهول من عدو يتربص في الظلام‏.‏ وكنا نبتلع الألم ـ نصبر عليه ـ ونخاف حتي مجرد الإعلان عنه‏,‏ خاصة عندما يصيب النفس‏,‏ هذا الألم الذي نحسه عندما تقف طفولتنا عند أبواب الحرمان بانتظار كلمة حلوة‏,‏ أو لعبة صغيرة‏,‏ أو قبلة أم قررت أن تتركك في أحضان الآخرين وترحل‏,‏ إن تلك المشاعر المؤلمة التي نعانيها في الطفولة‏,‏ يظل مذاقها المر يسري في شراييننا‏,‏ في عظامنا‏.‏ يكبر معنا‏,‏ ويتمدد داخلنا ويحافظ علي بقائه ـ ولعله ـ رغم هذا ـ الحافز الذي يجعلنا أكثر حنانا وأكثر رحمة بكل ما حولنا‏,‏ فمن جرب الألم لا يمارسه ومن رشوا الملح في ثغر جرحه المفتوح‏,‏ وصرخ بالآه لا يمكن أن يرش ذرة علي جروح الآخرين‏.‏
نحن نتألم إذا رأينا دمعة طفل مظلوم‏,‏ أو ذبول زهرة علي الغصن‏,‏ أو انحناءة شجرة تعبت اليد في غرسها وريها‏,‏ نتألم عندما تصادف أعيننا قطة أليفة هرستها عجلات مجنونة وساوت أطرافها بتراب الأرض‏,‏ ونتألم ذلك الألم الكبير الذي يشقنا عندما نفقد عزيزا أو قريبا‏,‏ حين يحط طائر الموت ويخطفه وكأنه يخطف قلوبنا معه‏.‏ ونتألم عندما نفقد صديقا لا لسبب‏,‏ إلا لأنك كنت صادقا معه ـ فأساء فهمك‏,‏ واستقبل أنهار السم الأسود التي ينزفها أصحاب التقارير إلي قلبه‏,‏ حتي يتضخم‏,‏ ولا يستطيع أن يبتلع ألمه هو الآخر‏,‏ فينفث السم إليك‏,‏ وتحزن‏,‏ تتألم‏,‏ ليس علي نفسك‏,‏ بقدر ألمك لأجله‏,‏ وشفقتك عليه من هذا الألم‏.‏
ومن الآلام الشديدة الوطأة علي الإنسان‏..‏ ذلك الذي يحسه أب أو أم مشت السنون علي ظهره فأحنتها وعلي شعره فشيبته وعلي عينيه فحرمتها متعة النظر‏,‏ والحركة‏,‏ أي آلام قاسية يعانيها هؤلاء عندما يجدون أبناءهم الشباب وقد تخلوا عنهم‏,‏ ولم تعد قلوبهم‏,‏ ولا حياتهم‏,‏ ولا بيوتهم تتسع لشيخوختهم فحملوهم إلي ـ دور العجزة ـ ونسوهم هناك بين أنياب الشوق ومرارة الوحدة ووحشة المكان ورغم هذا الألم نجد هذين العجوزين بلهفة يسألان عن أخبار الأبناء عن سعادتهم وراحتهم‏,‏ كم هو رقيق قلب الأبوين‏,‏ وكم هي جبارة قلوب بعض الأبناء التي تنفي هذا الحنان دون رحمة‏.‏
ونفي كل قديم حميم صار سمة العصر الراكض نحو التقدم والمدنية‏,‏ لقد نفينا بيوتنا القديمة ـ أستأصلناها وكأنها ورم خبيث من قلب المدينة وذاكرتها‏.‏ نفينا الحنين وعلاقات الناس‏,‏ ووحدة المكان‏,‏ وصرنا نحس الألم ضاربا في جنبات الروح ومنابع القلب كلما مررنا بتلك الأماكن القديمة‏,‏ فلا نجدها زاهية بالتذكار ولا بالعمار‏,‏ لقد كانت الألفة بين هذه البيوت تجعل الألم مشتركا فيما بينها‏,‏ فيتنفس الإنسان آلامه وحزنه وهمومه عند جاره اللصيق ـ وما أكثرهم ـ واليوم‏..‏ صار كل منا يشد ألمه إلي صدره ويغلق عليه شبابيك ـ الألمنيوم ـ خشية أن يسمع الجار صوت شهقة‏..‏ أو صوت انحدار الدمعة‏,‏ لم يعد الألم مشتركا‏,‏ فتوحد الهم بالبيوت ـ وبالفلل ـ وبالقصور وضاق سكانها بها صارت مثل الأورام تتفشي‏,‏ تكبر‏,‏ وتقتل‏.‏
وهكذا‏.‏ انقطعت العلاقة بين الإنسان وماضيه‏,‏ وما عدنا نري بيئتنا القديمة إلا في الرسوم‏,‏ بيئة لم يعشها أغلب فنانينا التشكيليين الشباب‏,‏ بل سمعوا عنها فنقلوها كما يحلو لهم‏,‏ ولهذا جاءت في بعضها مغلوطة ومخالفة للواقع الذي كان‏,‏ لنري الحمار يدخل بحماره إلي الليوان‏,‏ ونري أرض الحوش متساوية مع الليوان‏,‏ ومبلطة بالطابوق‏!‏ في زمن كان المقتدر وحده يمسح أرض حوشه بالأسمنت‏,‏ ونري ـ المقحام ـ وقد انتقل بقدرة قادر من داخل البيت إلي خارجه‏,‏ ونري أسطح البيوت‏,‏ كما هي اليوم‏,‏ عالية تمنع الشمس والهواء‏,‏ بينما كانت الأسطح أليفة يكشف بعضها بعضا لأنه في ذلك الزمان لم يكن أحد يعتدي علي حرمات الجيرة ويثير الشغب‏.‏ ورأينا الجدران نظيفة لامعة وكأنه لم يكن هناك أطفال يخربشون الرسوم والكلمات والذكريات عليهم بالفحم وبالطاري وبالألوان إن توافرت‏.‏
ورأينا الشوارع صافية يشتهي اللسان أن يلحسها‏,‏ وكأن خطوات الناس لم تبصم عليها شقاءها وهي رائحة وغادية في خطوات لم تعرف الكسل‏,‏ ولا ركوب الدراجة ولا السيارة‏,‏ بل عرفت التعب‏,‏ ووخز المسامير‏.‏ والألم‏.‏
وأكبر أنواع الألم الذي أحسه عندما أري شبابنا يتهرب من خدمة وطنية واجبة‏,‏ فقد أصبح التجنيد مبعث قلق كبير لهم‏,‏ وتفننوا في طرق التهرب منه‏,‏ بعضهم أخذ يزيد من وزنه لأجل أن يعفي منه‏,‏ وإذا نصحته بأن السمنة مرض‏,‏ ألقي عليك إجابته اللا مبالية‏:‏ بعد الإعفا استعيد رشاقتي‏!!‏
هذه الآلام التي تلازمنا‏,‏ هل نتخذ منها وسيلة ندافع بها عن كل ما من شأنه أن يزيدها‏,‏ أم نهرب منها؟؟ يقول الكاتب حسن نصر في روايته ـ خبز الأرض‏:‏ إن الألم بكل أنواعه مكروه ـ ومخيف ـ ولكن الهروب منه ليس هو الحل الصحيح‏.‏
إذن فالهرب وسيلة الضعفاء وعلينا أن نستل سيوفنا ونشحذ ذكاءنا لنحارب الآلام من أجل أن نعيش أكثر راحة‏,‏ إن وخزة الألم شديدة‏,‏ لكنها بحد ذاتها وسيلة لإيقاظ كل مشاعرنا الأخري التي تتحفز للخلاص منها‏,‏ مشاعر فيها الإرادة‏,‏ وفيها الأمل‏.‏
ليكن شعارنا‏:‏ أهلا أيها الأمل ـ وداعا أيها الألم‏!‏
‏ كاتبة وروائية من الكويت