297‏السنة 123-العدد2002نوفمبر30‏25رمضان 1423هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

فارس بجواد

أسامة سرايا


لم يحدث في التاريخ علي الإطلاق أن انطلقت أي مجتمعات نحو التحديث والديمقراطية في ظل وجود قوات احتلال‏,‏ علي العكس تماما كانت قوات الاحتلال دائما عائقا لهذا التحديث‏,‏ بل إنها ستخلق قوي معاكسة جدا‏,‏ وستنمو في مجتمعاتنا‏,‏ خلايا وطنية ضد الاحتلال‏,‏ وستفتح صفحة جديدة كانت قد أغلقت لمكافحة الغرب‏,‏ وستقفل صفحة الحوار بين الشرق والغرب
لأننا نبحث عن فارس حقيقي ينقذنا‏,‏ ويغير مسار منطقتنا‏,‏ شغلنا فارس الفنان محمد صبحي الذي ظل يبحث عن جواده خلال شهر رمضان‏,‏ علي شاشاتنا التليفزيونية بلا جدوي‏,‏ ذلك المسلسل الذي شغل الدنيا‏,‏ لأن أصحابه سربوا‏-‏ سواء عن قصد أم غير قصد‏-‏ أن مسلسلهم يتناول أبعاد الحركة الصهيونية مستندا إلي بروتوكولات حكماء صهيون‏,‏ فكانت أزمة ما بعدها أزمة‏.‏
أراد فيها الإعلام وأصحاب النفوذ العالمي الداعم للحركة الصهيونية اختبار وزنهم وقدراتهم النافذة عالميا علي المنطقة العربية‏,‏ في اختبار فريد من نوعه‏,‏ ليس لأنه الأول ولكن لظروفه المختلفة وزمانه الراهن العجيب‏,‏ فقد جاء بعد‏11‏ سبتمبر الأمريكية‏,‏ وأصحاب هذا الاختبار من اللوبيات العالمية يتصورون‏(‏ وهذا علي عكس الحقيقة‏),‏ أن الموقف العربي في مواجهة الحركة الصهيونية وتغلغلها عالميا هو موقف ضعف‏,‏ فراهنوا علي رضوخ العرب‏.‏
فتصور أصحاب هذا الرهان‏(‏ وهذا عكس الحقيقة أيضا‏)‏ أن العرب الآن خائفون‏,‏ سواء من ضرب العراق أم احتلاله‏,‏ وبالتالي تغيير الخريطة العربية ككل‏,‏ وفرض نفوذ أجنبي طويل المدي‏,‏ علي المنطقة‏,‏ أقصد ليس سياستها فقط‏,‏ لكن علي اقتصادها واحتياطاتها النفطية وتوجيه هذه الاحتياطيات لخدمة المصالح السياسية الأمريكية‏,‏ لأن المنطقة في لحظة الاحتلال‏,‏ لا تملك إرادة القرار السياسي والاقتصادي‏,‏ والأخطر‏,‏ أنهم يتوهمون أن السوبر ماركت السياسي والاقتصادي الأمريكي‏,‏ سوف يبيع للمنطقة كيمياء الديمقراطية الغائبة عنها‏,‏ بما يسمح بتغيير جوهري ليس في السياسة والاقتصاد فقط‏,‏ ولكن في الثقافة والاجتماع كذلك‏,‏ بما يعني أن مسارا أو ثورة جوهرية ستحدث شرق أوسطيا‏,‏ وأن ما نحتاج إليه هو حماية قوات الاحتلال الأمريكي‏,‏ لأن الذين أوضحوا للأمريكيين والأوروبيين عموما‏-‏ وتلك خطيئة كبري ارتكبها بعضنا‏-‏ صوروا لهم أن ما يعوق حركة المنطقة وانطلاقها نحو آفاق الديمقراطية والتحرر السياسي والاقتصادي هو الديكتاتوريات العسكرية والحكام التقليديون‏,‏ وهي رؤية غير صحيحة بالمرة‏,‏ وبذلك لجأ هؤلاء الناصحون إلي التسطيح والسذاجة‏,‏ ولم يقولوا إن ما يحدث نتيجة ظروف تاريخية عميقة الجذور‏,‏ لها تأثيراتها المتشعبة‏,‏ فضعف البنية الاجتماعية الأساسية للنظام الديمقراطي في مجتمعاتنا أكبر مما يتخيل الأمريكيون‏,‏ وأكبر من قدرتهم علي الرصد والتحليل‏,‏ أو حتي التجسس‏,‏ بل إن سيطرة القوي التقليدية الرافضة للتغيير في الشارع أكبر من قدرات الحكومة علي التغيير والتحديث‏.‏
فهناك قوي غير ديمقراطية وتقليدية كثيرة تقف كلها وراء تأجيج الصراعات مع الغرب في منطقتنا‏,‏ ومازالت الفجوة كبيرة بين ما يفكرون في ما يخططون له‏,‏ وبين الشارع العربي عموما‏.‏
لذا فإن التغيير المرتقب فور وجود قوي أجنبية حاكمة في المنطقة ليس حقيقيا‏,‏ كما أنه لم يحدث في التاريخ علي الإطلاق أن انطلقت أي مجتمعات نحو التحديث والديمقراطية في ظل وجود قوات احتلال‏,‏ علي العكس تماما كانت قوات الاحتلال دائما عائقا لهذا التحديث‏,‏ بل إنها ستخلق قوي معاكسة جدا‏,‏ وستنمو في مجتمعاتنا‏,‏ خلايا وطنية ضد الاحتلال‏,‏ وستفتح صفحة جديدة كانت قد أغلقت لمكافحة الغرب‏,‏ وستقفل صفحة الحوار بين الشرق والغرب‏,‏ وهذه حقائق لم يتنبه إليها أحد من القوي التي يسيل لعابها لاعادة سيرة الاستعمار القديم للسيطرة علي منابع النفط في الخليج‏,‏ والتحكم في قراره لمد النفوذ إلي كل خريطة الشرق الأوسط‏,‏ حتي علي القوي الوليدة فيه‏,‏ لأن مفاتيح التقدم والنمو واستمراره‏,‏ مرهونة بمن يسيطر‏,‏ ونحن نعرف أنهم مسيطرون بحكم أنهم كبار المستثمرين‏,‏ والمتحكمين في الإنتاج‏.‏
واليمين الأحمق في هذه اللحظة الفريدة لا يريد أن يترك الثروات لأصحاب الأرض حتي لو كانت نسبة محدودة غير مؤثرة في السيطرة علي ما بقي منها‏,‏ هذا اليمين يريد فتح باب العنف والثورة وتدمير منطقتنا بحسابات خاطئة‏,‏ سوف يكتشفون خطأها وتكلفتها الاقتصادية المرعبة لهم ولنا‏!‏
نعود إلي الفارس‏,‏ الذي شغل الدنيا تليفزيونيا محمد صبحي‏,‏ أو حافظ نجيب‏(‏ فارس صبحي أو نجيب‏)‏ كان اختياره قبل المسلسل مثيرا للجميع ومحبطا لمن عارضوه‏,‏ فقد اكتشفوا أن الضغوط التي مورست ضد المسلسل قبل إذاعته فشلت تماما‏,‏ بل إن هذه الضغوط أكسبت المسلسل مناعة وقوة وسرعة انتشارا‏,‏ وذلك طبيعي في ظروف التحدي‏,‏ والمنطقة العربية عكس كل العالم يكسبها التحدي مناعة‏,‏ حتي الهزيمة لا تردعها‏,‏ وقد تزيدها قوة‏,‏ أظن أن تاريخنا الحافل بذلك دليل علي ما نقول‏,‏ لكن الخوف علي منطقتنا ليس من الهزيمة بل من النصر‏,‏ وهذا ليس غريبا علينا‏,‏ فقد ذقنا مرارات الهزائم المتلاحقة‏,‏ لكننا لم نتلاش أو نضعف‏,‏ بل زادتنا الهزائم مناعة‏,‏ وعادة ما تظهر في هذه الحالة قوي متماسكة لمكافحة المحتل والاستمرار في مقاومته بكل الوسائل والأساليب‏,‏ لكن النصر عادة ما يجلب الاسترخاء وقد تعقبه الهزيمة‏.‏
ومادامت الحال كذلك‏,‏ فإن ما نريده الآن هو تهيئة المناخ الصحي للحوار بين الشرق والغرب‏,‏ حوار يحفظ مصالحهم‏,‏ كما نحصل به علي مصالحنا‏,‏ فالصراع ومناخاته لن تحقق أهدافهم أو أهدافنا‏,‏ فنحن في عالم الحوار والعقل والقياس‏.‏
وفارس صبحي أو حافظ نجيب تم عرضه وأحبط من حاولوا اختبار قدرتنا بالاعتراف بالضعف والفشل لمنع المسلسل لمجرد شائعة أنه يتناول حقبة تاريخية تسلط الضوء علي بروتوكولات لم تثبت صحتها تاريخيا‏,‏ وكانت جزءا من اللعبة العالمية‏,‏ التي مارسها الأوروبيون مع اليهود‏,‏ ما بين الحربين العالميتين‏,‏ لإضعافهم تاريخيا‏,‏ تمهيدا لتصفيتهم‏,‏ بعد ظهور النازية‏,‏ تم كل ذلك بينما كان العرب بعيدين عن تلك اللعبة الخبيثة ولم يشر أي مرجع ثقة إلي أن العرب لعبوا ضد اليهود أو غيرهم‏,‏ والأدق أنهم كانوا الملاذات الآمنة لحماية اليهود‏,‏ وقت انتشار العداء ضدهم عالميا‏,‏ وبالرغم من توفير هذه الملاذات لليهود فإن العرب كانوا ثمن المصالحة أو الهدنة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية‏,‏ فحصل اليهود علي وطن في منطقتنا علي حساب الشعب الفلسطيني‏,‏ فاغتصبت أرضه التاريخية‏,‏ فظل طريدا ومشردا ومشتتا في كل بقاع العالم‏,‏ وفي أوضاع إنسانية في غاية السوء‏,‏ سوف تثقل ضمير البشرية لأجيال قادمة‏,‏ لأنه شعب دفع ثمن جريمة ارتكبها غيره‏,‏ ودفع بها وطنه وأرضه وشبابه ومازال يدفع‏,‏ ظل الضمير الإنساني غائبا تماما‏,‏ وترك آلة الحرب العسكرية‏,‏ وأحدث تكنولوجيا التسليح والجيوش تتعامل مع هذا الشعب وهو مجرد شعب مدني لا يملك أية آلة عسكرية‏,‏ ويعيش أوضاعا اقتصادية صعبة‏,‏ يواجه الآلة العسكرية الإسرائيلية التي استباحت كل شيء في طريقها‏,‏ لفرض إرادة‏(‏ شعب وجنس ودين‏)‏ علي شعب آخر ودين آخر وجنس آخر‏,‏ وفي منطقة هم أصحاب الأغلبية فيها والحق أيضا‏,‏ والجميع يشاهد هذه المهزلة‏,‏ التي تكشف عن تسلط القوة ومهانة الضعف‏,‏ ولكن الذي لا يعرفونه هو أن للضعف قوة وأن للمهانة إرادة وأنها تتحين الفرصة للانفجار‏,‏ وانفجارها صعب وقاس‏,‏ علي من أشعلوها وفجروها ولم يعطوا للعقل أو للضمير فرصة للتفكير‏.‏
نعود لفارس صبحي أو حافظ نجيب الذي بلا جواد‏,‏ ونقول إننا بعد أن شاهدناه عرفنا جيدا أنه ليس فارسنا المنتظر‏,‏ فهو فارس فالصو‏,‏ وبلا جواد‏.‏
مع ذلك شكرا لفارس صبحي أو حافظ نجيب‏,‏ وكفي المسلسل هدفا أنه فجر فينا القوة للبحث عن الفارس الحقيقي‏,,‏ ونعتقد أننا لا نريد فارسا فردا‏,‏ لكن نريده مجتمعا وشعبا يتحول إلي مؤسسة أو مؤسسات كبري تتطور سياسيا واقتصاديا‏,‏ وتملك التنظيم والفاعلية والمكانة والقدرة‏,‏ علي البناء ورفع مستوي المعيشة والتعاون‏,‏ والتعليم والتدريب في كل المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لأن ذلك هو الفارس الحقيقي‏,‏ ومعرفة أدوات العصر هي الجواد الحقيقي‏,‏ وكفانا استرخاء وضعفا‏,‏ ولنتجه إلي حوار حقيقي فعال مع كل الشركاء في عالمنا بلا خوف أو ضعف‏,‏ لأن فارسنا سيكون بجواد عربي أصيل‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا