334‏السنة 123-العدد2003اغسطس16‏18 جماد ثان 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

مصطفي سعد صاحب نظرية مسرحية جديدة
مسرح الاستفهام نافذة للغضب العربي

مصطفى سعد

السيد رشاد


علي مسرح الطليعة في القاهرة‏,‏ وتحديدا في قاعة صلاح عبدالصبور‏,‏ يجري الآن علي قدم وساق وضع الملامح النهائية للعرض المسرحي هنا نص وهنا نص تأليف وإخراج مصطفي سعد‏,‏ وهو العرض الثامن في سلسلة مسرح الاستفهام الذي يعد البصمة الأساسية للفنان مصطفي سعد علي صعيد المسرح المصري والعربي‏,‏ والأهم أنه أبرز الاجتهادات المسرحية المعاصرة‏,‏ المرشحة لتكون إضافة عربية غير مسبوقة للمسرح العالمي‏,‏ وهو النص الذي من المنتظر أن يمثل مصر في المهرجان الدولي للمسرح التجريبي الذي سيقام في سبتمبر القادم‏.‏فيما سيبقي الرهان علي الرؤي المجددة‏,‏ أملا وحيدا لأية حركة إبداعية تريد لنفسها الاستمرار والتطور جيلا بعد جيل‏,‏ تلك الرؤي التي تتيح للفنان النظر إلي الأشكال والمفردات والأشياء جميعها علي أنها ممكنات‏,‏ أي يمكن أن تكون علي نسق آخر جديد تماما‏.‏
ولأن الإنسان العربي يعيش زمنا خاصا‏..‏ غير مطمئن‏,‏ مكدس بالأزمات‏..‏ حيث تكثر الأسئلة‏,‏ وتستحيل الإجابات‏,‏ فإن عدوه الحقيقي هو الصمت من هنا تكتسب فكرة مسرح الاستفهام‏.‏
وأعترف بأن ما جذبني للوهلة الأولي في مسرح الاستفهام ذلك القدر الهائل من حرية الدهشة وطزاجة التساؤل دون تفسيرات مسبقة‏,‏ أو أيديولوجيات حاكمة لعالم صاغه الكبار علي طريقتهم‏,‏ دون استشارة أصحابه الحقيقيين‏,‏ إنه مسرح يواجه في عناد وكبرياء برمجة العالم القهرية‏,‏ وصولا إلي تواصل حقيقي مع معطيات هذا العالم‏,‏ إنه المسرح الضرورة للحظة التاريخية الراهنة‏,‏ قبل أن يخرج الإنسان العربي من زمن الدهشة والتساؤل إلي عصر الاكتفاء بمراقبة الأشياء‏,‏ خاصة أن مسرح الاستفهام ليس فقط مجرد إنتاج لواقعه الخاص‏,‏ يعبر عنه ويعكس ما فيه‏,‏ لكنه ـ وهذا هو الأهم ـ فن يؤدي إلي منتج واقعي ملموس‏,‏ حيث يجسد أحلام ملح الأرض المهمشين والمكبوتين‏,‏ تلك الأحلام التي كانت تحتاج فقط إلي نافذة‏,‏ ليصبح التساؤل هو نافذتها‏,‏ والمفردة الأهم في الفضاء الفني والإنساني علي السواء‏,‏ حيث تتشابك العلاقات السرية التفاعلية بين النص والمتلقي‏,‏ والتي تحدد وظيفة كلا الطرفين‏,‏ بحيث يصبح النص قابلا للتأويل اللحظي‏,‏ بينما يتحول الجمهور إلي طرف مشارك عبر طرح الأسئلة المصيرية‏,‏ وهو أيضا مسئول عن البحث عن إجابات لها عبر الطقس المسرحي ببعديه البصري والفكري‏.‏
فإذا كان التطهير هو هدف التراجيديا عند أرسطو في المسرح الكلاسيكي‏,‏ والتغريب هو هدف الملحمية عند بريخت‏,‏ والعبث هو فلسفة مسرح اللا معقول‏..‏ لدي يونسكو‏,‏ فما هدف المسرح الاستفهامي؟ طرحت السؤال علي صاحب نظرية مسرح الاستفهام الفنان مصطفي سعد والذي أجابني بحماسته المعهودة قائلا‏:‏ هو شكل يطرحه العصر الذي نحيا فيه والذي يمكن أن نطلق عليه اسم عصر الاستفهام‏..‏ وهو يهدف في الأساس إلي إثارة المتفرج لكي يتساءل عبر عدة عناصر من بينها كسر الحالة الحقيقية أو الواقعية‏,‏ وكذلك تجاوز كل من عنصري الزمان والمكان‏,‏ فالمسرحية الاستفهامية لا تحاكي الحدث التام‏,‏ لكن تقدم ما هو غريب ويبعث علي الدهشة والتساؤل‏,‏ ولهذا فهي لا تعتمد علي العقدة‏,‏ لكن علي الموقف الذي ينمو ويتصاعد حتي يصل إلي الذروة‏,‏ لكنها ذروة ليست تقليدية تنتهي بالحل‏,‏ بل بالشك والقلق وإثارة المزيد من التساؤلات لدي المتفرج‏.‏
والتساؤل لدي مرحلتان‏,‏ الأولي بسيطة تحدث مباشرة بسبب ما تثيره المشاهد المدهشة داخل النص‏,‏ والثانية مركبة‏,‏ يثيرها مجمل معطيات العمل المسرحي‏,‏ وهذه المرحلة تحديدا هي بداية تغيير الأوضاع العربية المؤسفة التي نحياها الآن‏,‏ لأن التساؤل يحرك العقل العربي الذي اعتاد علي ألا يعمل إلا في حدود حاجاته التقليدية العادية‏,‏ بسبب القيود العديدة المكبل بها‏.‏
ويواصل مصطفي سعد‏:‏ إن هدفي الأساسي هو إثارة العقل الجماعي العربي في مواجهة العقل السلطوي الذي هو ضد فكرة التساؤل والاستفهام‏,‏ و سأظل أراهن علي الوعي الجماهيري‏,‏ هذا الوعي المحروم من التدريب علي المشاركة الحقيقية‏,‏ ليس علي مستوي المسرح فقط‏,‏ لكن علي مستوي المجتمع كله‏,‏ وربما عدم تأهيل المتلقي العربي مرحليا للمشاركة الإيجابية بسبب هذه القيود هو ما اضطرني إلي زرع المتفرج المتسائل وسط الصالة لإزالة أية حواجز بين مفردات وعناصر العرض والمتفرجين بعيدا عن الارتباط الجامد بالشكل المسرحي التقليدي في الذهنية العربية‏,‏ لذلك فصالات العرض هي أنسب الأشكال لعروض مسرح الاستفهام
ولأن مسرح السامر أيضا يكسر الحواجز بين المتفرجين والممثلين فقد سألت مصطفي سعد عن مرجعيته العربية والأجنبية التي استلهم منها فكرة مسرح الاستفهام‏,‏ فعاجلني سريعا‏:‏ مسرح الاستفهام فكرة مصرية عربية خالصة‏,‏ أنا أول من ابتكرها‏,‏ واعتبرها إضافة مسرحية حقيقية للتراث الفني الإنساني و التي بدأت أضع أسسها النظرية منذ ثماني سنوات والتي تعد المسرحية الحالية الحلقة التاسعة في تطبيقاتها‏.‏
عودة إلي العرض المسرحي هنا نص وهنا نص والذي يلعب بطولته أمينة سالم وسمير عمر وهشام الشربيني وشادي سرور وأحمد شمس وهناء سعيد وسحر منصور وجورج كمال ورحاب‏,‏ ووضع موسيقاه أحمد إسماعيل‏,‏ وأغنياته حسام عبدالله‏,‏ وصمم ديكوراته محمد عبدالمنعم وساعد في إخراجه باسم بهيج ومني البشير‏,‏ فهو عرض يعتمد علي الموقف عوضا عن القوالب التقليدية المسرحية البداية ـ الوسط ـ النهاية‏,‏ وهو ما يتيح له تحقيق عملية التساؤل بحرية أكبر‏,‏ وأبرز ما فيه أنه يقدم مسرحيتين منفصلتين في وقت واحد‏,‏ بمعني أن النص المكتوب يتكون من نصين متقاطعين‏..‏ الأول مجموعة من الممثلين تتبني قضية تجديد النصوص القديمة‏,‏ منها مشهد تاريخي عن عام المجاعة وفكرة إسقاط الخليفة عمر بن الخطاب لحد السرقة‏,‏ في إسقاط ذكي يشير إلي ضرورة تجديد النص والخطاب الفكري والقرار السياسي طبقا للمستجدات‏,‏ هناك أيضا مشهد يتناول قضية التفريق بين د‏.‏ نصر حامد أبو زيد وزوجته باعتباره مرتدا دينيا‏..‏ وهو إشارة موجعة إلي عجز العقل العربي السلطوي في شكله الثقافي الأكاديمي الفكري عن استيعاب فكرة التجديد‏..‏ وفي المجمل هذه المجموعة إرهاصة تطالب العقل العربي بالإيمان الحتمي بضرورة التغيير والتجديد‏.‏
أما المجموعة الثانية فهي تتمسك بالنص في صورته الكلاسيكية من خلال تقديم حواديت قديمة مستهلكة منها مثلا مشهد من مسرحية بلدي يا بلدي لرشاد رشدي‏..‏ ومن هنا فمن يصر علي تقديمها والتمسك بها يسهم في خداع المتفرجين وتغييب عقولهم‏.‏
أما الملمح الأبرز فنيا في هنا نص وهنا نص فهو السينو غرافيا التي اعتمدها النص‏..‏ حيث تبني طريقة صندوق الدنيا لكن من منظور عصري مما أتاح للمخرج مصطفي سعد توزيع الرؤية البصرية علي منطقتين جغرافيتين‏:‏ الأولي العالية وتتجسد فوق خشبة دائرية مغلقة تماما فيها مجموعة من العيون‏,‏ يشاهد من خلالها المتفرج العرض أسفل الخشبة الدائرية‏,‏ وهو ما كسر شكل المسرح التقليدي العلبة الإيطالية المعروف‏,‏ وأتاح تواصلا بصريا جديدا استكمالا لدائرة إثارة عقل المتفرج وانتزاع تساؤلاته‏*‏