334‏السنة 123-العدد2003اغسطس16‏18 جماد ثان 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

حلمي سالم في ديوانه الجديد‏:‏
شذرات شعرية تعاني الفوضي

حلمى سالم

فتحي عبدالله


حلمي سالم أحد شعراء الحلقة الثالثة في التجربة المصرية وأكثرهم إنتاجا وتنوعا في طرق الأداء فهو يجمع بين الأداء الموسيقي الصاخب‏,‏ الذي يعتمد الأوزان الموروثة واللعب بأصوات الحروف وإقامة المفارقات اللغوية الحادة والأداء النثري الذي يعتمد الجملة الطويلة والمفكوكة والتي تقوم علي السبب والمسبب في إنتاج المعني‏.‏ مما أعطي لتجربته بعض الخصوصية والحيوية الظاهرة إلا أن تجارب الآخرين كانت تشكل لديه دائما النموذج الأمثل‏,‏ فكان دائما ما يعيد إنتاج شعرية الآخرين خاصة التي تتقاطع معه في موضوع التجربة بدءا من أدونيس وعفيفي مطر ومرورا بسعدي يوسف ومحمود درويش وانتهاء بتجارب قصيدة النثر المصرية‏.‏ حتي أصبح الشعر لديه مجرد كتابة‏,‏ لا تحتاج إلي دوافع داخلية أو ذاتية وإنما هو حالة موضوعية‏,‏ خارجية لا تحتاج إلا المهارة والتركيب لخلق سياق شعري‏,‏ يملك مبررات وجوده وكذلك لينفي أثر الآخرين عليه‏.‏ وآخر دواوينه تحيات الحجر الكريم الصادر عن سلسلة كتابات جديدة بالهيئة العامة للكتاب يتمحور حول ثلاث تجارب أساسية‏:‏
الأولي‏:‏ سرد الذات الشعرية في مراحل مختلفة من حياة الشاعر‏,‏ وهذه التجربة تقوم علي فكرة الكولاج والتجميع الإرادي لنصوصه ومخلفاته الشعرية‏,‏ والسعي إلي التوثيق لخلق نوع من الإيهام والإيحاء بحقيقة هذه الأحداث الواردة في النصوص‏,‏ إن هذه الشذرات الشعرية لم تستطع أن تخلق مناخا شعريا واحدا أو مناخا شعريا مركبا وإنما خلقت حالة من الفوضي والاضطراب اللغويين‏,‏ لأن هذه الشذرات تنفي بعضها بعضا ولم تستطع أن ترسخ معني شعريا لأنها تقوم علي نفي الدلالة‏,‏ وخلق حالة من الفراغ والدوران حول الذات‏,‏ التي لا ملامح لها أو تضاريس وعندما قام ببعض التعيين كذكر الأسماء والأماكن ظلت معلقة دون دلالة وأسهمت أكثر في تشظي النص وتفككه يقول الشاعر‏:‏
هكذا دخلت الشجرة النصوص كلها‏/‏ منذ كشفت بنت الريماوي له طية وراء طية‏/‏ فلا تعجب إذا شهدته بعد عشرين فسحة‏/‏ يخط في تختة السادسة‏:/‏ في كامل عدته ذرته الريح إلي صدقات‏/‏ هي التي لقنته مسرة البوابات‏/‏ ومكنته من شرقها خلف جابر بن حيان‏..‏ ص‏8‏
أما تقنية التوثيق‏,‏ التي جاءت إلي الشعر من الرواية فلم يكن لها دور حقيقي إلا الربط بين الشذرات والمقطوعات المتناثرة أو للإيهام بحالة شعرية‏,‏ حققت بعض الوجود خارج هذا النص مثل أداء صلاح عبدالصبور راجع‏:‏ كان صاحبي مثقفا‏/‏ لا ذرب اللسان‏/‏ وعاطفا لا عاطفيا‏.‏
أما الأداء اللغوي فكان نوعا من الكولاج أيضا‏,‏ لأنه جمع بين أداءات لغوية كثيرة لشعراء ومتصوفين‏,‏ وأقوال مأثورة‏.‏ ولقد اعتمد في هذا الكولاج علي مفهوم المفارقة اللغوية فقط دون أن يكون لما هو حياتي أو معاش أو تاريخي أي أثر في تعميق الدلالة أو تحويلها إلي حالة شعرية‏,‏ مما أوقع النص في اللعب اللغوي والغواية الآثرة للإيقاعات والصوتيات سواء كانت متنافرة أم منسجمة‏.‏
أما التجربة الثانية‏:‏ في الديوان فإنها تدور حول علاقة الرجل بالمرأة‏.‏ إلا أنها عند الشاعر حلمي سالم في نص سجادة لصلاة اثنين اعتمدت علي ما هو شائع ومحاولة اختراقه عن طريق الجمع بين المقدس والمدنس‏,‏ ومحاولة سرد الوقائع اليومية للعلاقة‏,‏ دون أن يحتفي بالطقوس أو يظهر الحالات الروحية سواء الكبيرة أم الصغيرة‏,‏ وإنما اكتفي بالحس والحدس منفصلا عن التجربة‏,‏ مقلدا في ذلك بعض التجارب الجديدة التي لا تدرك من العلاقة إلا شكلها الخارجي‏.‏
إن كل ما هو أيروتيكي في الإبداع لا يمكن أن نفصله عن الطاقة الروحية التي تحكم التجربة‏.‏ وإذا حدث الفصام أصبحنا أمام هذيانات روحية لا يمكن قراءتها إلا في إطار العزلة والنفي أو التهميش الإجباري الذي يقطع علاقة المبدع بالحياة وما يحدث فيها من اضطرابات وتناقضات ولذلك فأن تجربة حلمي سالم‏,‏ في هذا النص تنتمي أكثر للتدريبات اللغوية‏,‏ التي تفرغ التجربة من طاقتها الروحية‏,‏ فلا توجد بالنصوص محبة غامرة ولا افتقاد مؤلم يورث اليأس والعدمية وإنما ألعاب باللغة الشبقية التي لا تشير إلي شيء إلا اللعب الخالي من الشعرية كأن يقول‏:‏
كانت كفه مدهونة‏/‏بخليط من دم الشهر والريق والعرق‏/‏ مسح كفه في وجهها‏/‏ مسح كفه في قبتيها المشقوقتين‏/‏ بنظرية المركز‏/‏ وتأمل الكشط فوق المائدة‏..‏ ص‏31‏
ولا أظن أن الشاعر في هذه التجربة استطاع أن يكشف جزءا من الذات سواء في توحدها أم من خلال علاقتها بالآخر‏,‏ وإنما مارس التشويش الذهني والأخلاقي والاستعلاء الذكوري‏,‏ رغم لغة التوسلات والاستعطافات لأنها حيلة لاستدراج الآخر‏,‏ للمشاركة ولو بالإثارة‏.‏
أما المحور الثالث‏:‏ في الديوان فإنه يقوم علي شعرية ما هو سياسي وواقعي وعابر من خلال تجربة الانتفاضة الثانية وهنا يواجه الشاعر مأزقا شديدا من حيث الرؤية والأداء‏,‏ فالرؤية جاءت قديمة ومستهلكة‏,‏ ليس بها اكتشاف شعري ولا محاولة خاصة لرؤية الأحداث ولا قراءة تاريخية تحمل قدرا من العواطف والانفعالات‏,‏ بحيث تعطي الحرب كفعل إنساني قدرا من الأهمية في حياة الشعوب وتطور الحضارات أم تظهر أثرها علي سلوك البشر سواء اليومي أو الحضاري‏.‏ أما الأداء فقد كان استمرارا لألعاب الشاعر اللغوية وإن اقترب أكثر من أداء المقالات النثرية القائمة علي ما هو شعاري ووقتي وأصبح في بعض النصوص أقرب إلي فن المقامة القائمة علي الصناعة والتوليف مثل قصيدة تمرين في النحو
إن هذه الأجرومية اللغوية‏,‏ لا تقدم شعرا ولا تخدم الانتفاضة‏,‏ وإنما تفسد الاثنين معا‏.‏
والحاصل إن هذا الديوان في تجربة حلمي سالم لم يقدم جديدا‏,‏ في مسيرته الشعرية‏,‏ وإنما علامة علي النكوص والارتداد ويكشف التناقضات الحادة في رؤيته‏,‏ التي يدافع عنها مستغلا المناخ السائد‏,‏ الذي يكرس ويعزز ما هو تقليدي‏,‏ ومتوافق مع البنية الحاكمة للمجتمع المصري‏!*‏