
|
ملاحظات علي انتخابات نقابات الصحفيين |
 | |
د. عبدالمنعم سعيد لم يتيسر لي شرف المشاركة في انتخابات نقابة الصحفيين هذا العام حيث غادرت مصر إلي الولايات المتحدة قبل أن يستقر الأمر علي موعد جديد لانتخابات النقابة, وبالتالي أتيح فقط مراقبة العملية الانتخابية من بعيد عن طريق ما تنشره الصحافة وما يرسله الأصدقاء من أنباء. ولكن ربما كانت أكثر الوسائل فاعلية الإنترنت, ولأول مرة في تاريخ النقابة صارت هذه الوسيلة العصرية أداة للدعاية, والدعاية المضادة, وشن الحملات التي تكشف عما جري داخل نقابتنا من انقسامات فكرية وسياسية, خشنة وحادة. وربما كانت أهم معارك هذا العام هي التي دارت حول التطبيع, وعندما قال الأستاذ جلال عارف نقيب الصحفيين الجديد ـ كما نقلت الصحافة ـ أن انتصاره علي الأستاذ صلاح منتصر هو انتصار علي التطبيع, فإن قوله لم يكن فيه مبالغة كبيرة, فكما شاهدت المعركة الانتخابية من الخارج فقد كان ذلك هو الموضوع الأساسي للمنافسة. ولكن نتيجة الانتخابات تكشف بدورها عن أمر آخر وهو أن أنصار التطبيع ليسوا أقلية سياسية صغيرة, وإذا كان قول النقيب صحيحا, وأظنه صحيحا. فإن نسبة أنصار التطبيع تصل إلي حوالي45% من الصحفيين الذين قاموا بالتصويت. وقد كانت أولي المعارك الانتخابية التي تم خوضها علي أساس هذا الانقسام تلك التي خاضها الصديق أسامة الغزالي في الانتخابات الماضية, وقد فاز بعضوية النقابة رغم الحملة الهائلة عليه من بقية كل المرشحين تقريبا علي أساس أن الأمر لم يكن قد تبلور بهذه الطريقة عندما جري انتخاب الأستاذ مكرم محمد أحمد نقيبا للصحفيين. ونتيجة ذلك, ومع حسابات بسيطة, فإن أنصار التطبيع, أو أنصار الواقعية السياسية إذا جاز التعبير, لا يشغلون نسبة معتبرة من أعضاء النقابة فقط, وإنما يتزايد عددهم بشكل ملحوظ. ولعل ذلك أول التحديات التي تواجه السيد النقيب ومجلس النقابة كله, ولكن ذلك ليس آخر التحديات, بل إنه قد لا يكون أكثرها أهمية, فلا شك أن المجلس الجديد في معظمه يمثل المعارضة, فالنقيب نفسه كان فيها طوال الوقت, والمجلس جاء فيه أربعة من الإخوان, وأربعة من الناصريين, وبالإضافة إلي يساري معارض آخر, وبالتالي فإنه يمكن القول أنه حدث تداول كامل للسلطة في نقابة الصحفيين كما يجب أن يكون عليه الحال في أي نظام ديمقراطي. والسؤال الآن هو ما الذي سوف يفعله المجلس الجديد بهذه الحقيقة, وما الذي يعنيه تداول السلطة علي وجه التحديد؟ وباختصار فإن كل النخبة المصرية تطالب منذ وقت طويل بالديمقراطية وتداول السلطة, ولكن هذه النخبة لم تتداول فيما بينها حول ما الذي سوف تفعله يوم حدوث الديمقراطية ويوم أن تصل جماعة سياسية إلي السلطة. هنا يكمن التحدي الأكبر بأن يقول لنا المجلس الجديد ما الذي سوف يفعله وقد اعتلي الأغلبية الساحقة في المجلس وبلا معارضة حقيقية تقريبا؟ وربما لا توجد ضرورة أن يقول لنا المجلس إنه سوف يقلب الأمور رأسا علي عقب, فقد تكون مهمته الحفاظ علي وحدة الصحفيين التي تجلت في استقرار النقابة خلال الأعوام الماضية, خاصة بعد أن انتصرت علي الحكومة في معركة القانون93 لعام1995, وبعد أن انتصرت علي نفسها وفوتت الفرصة علي من يريد إرسالها إلي نفس المصير الذي آلت إليه نقابات أخري تمزقت ولم تقم لها قائمة. وإذا كان الأمر كذلك فربما يحسن إعادة صياغة قضية التطبيع لكي تكون قضية تحرير الأراضي العربية المحتلة وأي الأساليب أكثر نجاعة في تحقيق الهدف سواء كانت التطبيع أم عدمه, باعتباره مجرد وسيلة مثلها مثل الدبلوماسية والدعاية والحرب. وربما تكون مهمة المجلس أكبر من ذلك وهي إعادة صياغة علاقة المجلس, والصحفيين جميعا, بالحكومة, وبصراحة كاملة فإن هذه العلاقة لا يوجد لها مثيل في العالم حيث لا توجد صحافة مستقلة عن الحكومة أو معارضة لها بينما تطالبها في نفس الوقت بزيادة الرواتب, أو بمنحة إضافية في عيد الفطر, أو بأرض رخيصة أو مدعمة علي الساحل الشمالي, أو في منطقة القاهرة الجديدة, بالإضافة إلي مدافن وخطوط تليفونية مدعومة. ولم أسمع إلا في مصر عن بلد ـ غير في البلدان الشيوعية السابقة ـ أن قامت الدولة ببناء مبني لنقابة الصحفيين تكاليفه30 مليون جنيه ثم بعد ذلك حصل الصحفيون علي استقلال كامل. فلعله من المعروف أن كل هذه الامتيازات التي يقدمها دافعو الضرائب لا يحصل عليها كل أفراد الشعب, وبالتأكيد فإن فقراء الشعب المصري, خاصة من العمال والفلاحين, أكثر حاجة لهذه الأموال من الصحفيين والحقيقة أنني لم أقتنع أبدا بما كان يقوله البعض منا بأن هذه هي حقوقنا ردت إلينا, فقد كان باقيا دائما أننا نأخذ من حقوق الآخرين الموجودة في الكعكة القومية سواء تلك التي تأتي من مصادر داخلية أو خارجية. وعلي أي الأحوال نرجو أن ينجح المجلس في تحقيق الاستغلال الأمثل لمبني النقابة ويتحول إلي مكان للارتقاء بالأداء المهني وتحقيق الامتياز للصحفي المصري بحيث يمكن مقارنة أدائه بأفضل المستويات العربية والعالمية, وتحقيق حوار مثمر بين الصحفيين. هذا المجلس الجديد, ونقيبه الجديد, هو المؤهل للتعامل مع قضية الاستقلال وتفريعاتها المتعددة المتعلقة بوضع المؤسسات القومية وأوضاع الصحفيين المعتمدين اعتمادا كليا علي منح الحكومة الشهرية. وربما يكون الحل, وهذا اجتهاد شخصي, هو الخصخصة الكاملة للصحافة المصرية, خاصة بعد أن عرفنا الصحف الحزبية والمستقلة, كما عرفنا منذ وقت طويل مكاتب الصحف العربية التي تعمل تماما وفقا لقواعد القطاع الخاص, وبعد أن عرفنا الصحافة الإلكترونية والمسموعة والمرئية في الشركات والقنوات المصرية والعربية الخاصة. هذا القطاع الخاص الكبير في الصحافة المصرية هل يمكن تعميمه بحيث يستقل الصحفيون المصريون بالفعل عن الحكومة, ويصبحون مثلهم مثل الصحفيين في كل الدول الديمقراطية, أم أن ذلك مستحيل, وأن المجلس المعارض يريد للصحفيين أن يعارضوا الحكومة في الصباح ثم يناموا معها في المساء. أم أن الموضوع يختلف عن كل ذلك جذريا, وأن الأيديولوجية الحاكمة في المجلس الجديد وهي الناصرية والإسلاموية تقوم علي دولة مسيطرة ومهيمنة علي قطاعات الدولة المختلفة بما فيها الصحافة, ومن ثم فإن القضية ليست عما إذا كان الصحفيون يريدون الاستقلال عن الحكومة أو لا وإنما القضية هي ما هي الحكومة التي يخضعون ويتخلون عن حريتهم لها. وهذه قضية مختلفة تماما وأظن أنه لا يوجد لدي حل لها, لأن حلها أن تتغير الحكومة إلي الشكل الملائم, وهي مسألة لا تخص الصحفيين وحدهم وإنما تخص الوطن كله!!.
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|