
|
حسبي الله رسالة من مجندة أمريكية |
 | |
داود الفرحان وسط انفجار القنابل وأزيز الرصاص, والجثث المتناثرة هنا وهناك, ودخان الحرائق, وتحليق طائرات الهليكوبتر الأمريكية فوق بغداد والمدن العراقية الأخري ليل نهار, ومظاهرات القوميات والطوائف والعاطلين عن العمل, وانقطاعات الكهرباء والمياه, وتصريحات قادة الأحزاب والحركات والباحثين عن الكراسي, والخطب المسجلة لزعيم أهل الكهف الذين تحسبهم أيقاظا وهم رقود, واجتماعات مجلس الحكم الذي لا يحكم, وصبر العراقيين المتعبين المهدودين الذين خرجوا من الحروب إلي الحروب ومن حصار صدام إلي احتلال بوش, وسط كل ذلك تجد مجندة أمريكية سيئة الحظ وقتا لكتابة رسالة شاعرية إلي حبيبها في الولايات المتحدة لا تتحدث فيها عن معاناتها من أهوال الحرب ومخاطر الاحتلال ولكنها تقول له من فوق مدرعتها: أخاصمك آه.. أسيبك لا. وبالمصادفة وقعت هذه الرسالة في يدي عن طريق مكتب للرسم علي الزجاج كانت المجندة قد طلبت منه خط الرسالة علي لوح من الزجاج لترسله الي حبيبها بواسطة إحدي طائرات البريد العسكري الأمريكية. تحت عنوان' شعاع الشمس' تقول المجندة شاسيتي.. وهذا هو اسمها المجرد: 'كنت أشتاق إليك طوال اليوم. ما من شئ يمنعني من التفكير فيك. أظن أن مابيننا أنا وأنت أشبه بالإحساس الجميل. لسبب ما أراك شعاع الشمس بعد المطر, ذلك الشعاع الذي يزيل الألم. 'مضي وقت طويل منذ أن أشرقت الشمس في حياتي. وأنا أشكر الله كل يوم لأنه جاء بنورك إلي. إن الدفء الذي ينبعث منك يلهب في روحي المكان الذي برد فيه الحب فزالت منه فصول الشتاء وغاب عنه الحزن.' تركت امتعتي ورائي, وخطوت خطوة للأمام لأجد نفسي في السماء السابعة مستعدة لملاقاتك والتمتع بدفء شعاع شمسك.'
شاسيتي بغداد/ العراق2003 رسالة شاعرية من الدرجة الأولي من شابة وجدت نفسها فجأة في محرقة الحرب التي لاترحم. وهي ستعود إلي وطنها أو لاتعود. حية أو ميتة. من يدري. الموت هنا مجاني. والحياة مصادفة مثل الموت. رصاصة طائشة يمكن أن تنهي كل شئ. عبوة ناسفة قد تكون النقطة التي في آخر السطر. قاتل أو مقتول. ومع ذلك فإن شاسـيتي تتمـسك بالحياة والأمل وتكـتـب لحبــيبها الـذي داخ حـتي وجد موقــع العراق علي خريطة العالم. وهي لا تقول له: ابحث لي عن وساطة لنقلي من هذه الجبهة الحارقة المحترقة مثلما يفعل كثير من الجنود في كل البلدان, ولكنها تقول له إن التفكير به يزيل عنها الألم وأنها تشكر الله علي ذلك. وهي تعترف بأنها مبهورة أو مسحورة بالمكان الذي وجدت نفسها فيه فتصفه بالسماء السابعة. أي خارج الكون. خارج المكان والزمان. خارج التاريخ والجغرافيا. ولكنها مستعدة لملاقاة حبيبها والتمتع بدفء شعاع شمسه. فهي مشتاقة إليه. لكن شاسيتي ليست صدام حسين. فهذا الطريد يبعث رسالة مسجلة للشعب العراقي يقول له فيها إنه مشتاق إليه! أي أنه مشتاق للمذابح والمشانق والمقابر الجماعية وقاعات التعذيب وأنفاق المعتقلات. ولايخجل هذا المهووس بالحروب من دعوة شعب العراق المطحون إلي المقاومة. فهو يهرب من أول إطلاقة, أول قنبلة, أول صاروخ, ويهرب معه كل أعوانه, ثم يعود ليطلب من الشعب أن يقاوم. إلي هذا الحد انحدر الحياء عند هذا القائد الذي هزم في كل الحروب التي خاضها ثم ملأ صدره حتي بطنه بالنياشين والأوسمة والأنواط والسيوف. أين رسائل صدام من رسالة شاسيتي.. تلك المجندة التي تدعو للحب والسلام وسط عواصف الكراهية والدم والثأر والجهل والاغتيالات ورسائل العار المسجلة. ولو كنت مكان القيادة العسكرية الأمريكية لأمرت بتوزيع رسالة شاسيتي علي كل الوحدات وعلي كل شوارع العراق لأنها أفضل ألف مرة من رسائل الصواريخ والدبابات والمدرعات. علي الأقل هناك أمل. فالجنود بشر من لحم ودم وعواطف وقلوب تنبض وتحب. ليس بالضرورة أن نتفاهم بدخان البنادق, هناك ألف طريقة للحوار أولها رسالة تلك المجندة, وليس بينها فحيح الثعبان الهارب من وجه العدالة. |
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|