334‏السنة 123-العدد2003اغسطس16‏18 جماد ثان 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

رسالة إلي أنغام

عاطف حزين


فور ولادتها في الركن البعيد الهاديء أصبحت حتة من قلبنا‏..‏ أصبحت أختنا‏..‏ بنتنا‏..‏ حبيبتنا ورهاننا الذي لا يخسر هي حاجة تانية خالص‏,‏ تجعلنا نضعها وحدها في طريق طويل عريض نرفض أن يقترب‏-‏ أو تقترب‏-‏ منه صوت آخر مع احترامنا لكل الأصوات‏.‏
فهل هذا الحب يجعل شهادتنا فيها مجروحة؟ وهل هذا الخوف عليها يجعلنا نري أي عمل لها لا يحصل علي الدرجة النهائية نوعا من التقصير؟ وهل هذا الحرص علي مستقبلها هو الذي يجعلنا نتعامل بحساسية مفرطة مع الوافدات الجميلات البديعات الراقصات اللاتي يحملن‏-‏ وهذه هي الغرابة‏-‏ لقب مطربات؟
نعم نحن نحب ابنتنا أنغام‏,‏ لكن شهادتنا في حقها لن تكون مجروحة‏,‏ لأننا نعلم أنها لن تصبح عظيمة إلا إذا أخذت بالأسباب‏,‏ ونعلم أيضا أن العمل الفني لا يمكن أن يفوز بالإجماع طالما أنه يخاطب الأذواق المتعددة بطبيعتها‏.‏
وعندما نخاطب قطعة من قلوبنا بقسوة‏,‏ يشفع لنا‏-‏ دائما‏-‏ أنها قسوة المحب العاشق الخائف الذي ينشد الكمال‏,‏ رغم إيمانه بأنه سبحانه صاحب الكمال‏.‏
هذه الأحاسيس خالجتني وأنا أستمع إلي ألبومها الأخير عمري معاك‏.‏ أكثر من خمس مرات أستمع إليه‏,‏ أبحث عن شيء يعوض شوقا عارما استمر لمدة عامين بعد هديتها الأخيرة سيدي وصالك‏.‏ فهل وجدت ما يروي ظمئي لحبيبتي أنغام؟ وهل وجدت أغنية واحدة تعلق في أذني وآذان المستمعين؟ وهل لمست معني جديدا في دستة الأغاني التي ضمها الألبوم؟
من الأفضل ألا أجيب‏,‏ فأنا أعلم أن الشريط عاجب ناس كتير‏,‏ لأنه مختلف عن الأغاني السائدة من ناحية الكلمات والألحان والتوزيع‏.‏ لكنني هنا‏-‏ وهذا هو الاختلاف‏-‏ لا أقارن بين ما تقدمه أنغام وما يقدمه الآخرون‏,‏ فأنا أرفض‏-‏ أساسا‏-‏ مبدأ مقارنة أنغامنا بغيرها‏.‏ أنا أقارنها بها‏..‏ أقارن بين أغنيتها رقم مائة وأغنيتها رقم‏.99‏
استمعت اليها وازداديقيني بأن هناك من يرزقهم الله بموهبة فذة‏,‏ لكنهم يفشلون علي المدي الطويل لأنهم لم يدركوا أن أي موهبة تحتاج إلي مجلس ادارة لها‏.‏ من قبل لم يدرك الصوت الفذ علي الحجار هذه البديهية فلم نعد نراه إلا في الجريون‏.‏ وأخشي أن تتجاهل أنغام هذه الحقيقة فتلحق بالحجار‏,‏ لكن المستمع المصري لا يستطيع تحمل ضربتين بهذه القوة‏.‏
ولعلك يا أنغام تعلمين‏-‏ مثلما يعلم أهل الغناء‏-‏ أن عبدالحليم لم يسيطر علي سوق الغناء طوال عشرين عاما متصلة‏,‏ لأن صوته محصلش‏,‏ ولأن إحساسه لا يضاهيه أي إحساس‏.‏ كلنا يعلم أن هناك مطربين سبقوه وعاصروه تمتعوا بأصوات أجمل‏,‏ لكنهم لم يحققوا ربع نجاحه‏.‏
كان سر نجاح عبدالحليم‏-‏ وفشل علي الحجار‏-‏ أنه كان يجيد اختيار هيئة مستشاريه‏,‏ فهذا يفهم في الكلمة‏,‏ وهذا يعرف أيهم أنسب لتلحين هذه الأغنية‏,‏ وهذا يعرف توقيت إجراء الحوارات الصحفية‏,‏ وهذا يعرف من هم الكتاب المؤثرون في الناس ومن توطد العلاقات معهم‏,‏ وهذا يختار له الكتب التي يقرأها حتي يكون مطربا مثقفا‏,‏ و‏...‏ و‏...‏و‏.....‏
كان سر نجاح عبدالحليم وسر نجاح كل الناجحين أنهم لم يضعوا كل بيضهم في سلة واحدة‏.‏ لم يسلموا رقابهم لأنصاف مثقفين أو لأنصاف متذوقين أو لأي أنصاف من أي نوع‏.‏
و حين تحررت أنغام من موسيقي والدها رافعة شعار التنوع كانت محقة بعض الشيء بالنسبة لمطربة تبحث عن المستقبل‏,‏ لكنني مندهش لأنها أصبحت‏-‏ بالنتيجة‏-‏ كالمستجير من الرمضاء بالنار‏,‏ فقد تركت محمد علي سليمان إلي شريف تاج وعزت الجندي‏,‏ وفهد وتامر فكانت النتيجة الطبيعية أن عمري معاك مجرد استنساخ من سيدي وصالك‏,‏ وإن اختلف شكل الكلام‏.‏ عدا ذلك الألحان‏:‏ نفس التيمة‏,‏ الحالة‏:‏ نفس الإيقاع‏.‏ أما التوزيع فقد بذل فهد جهدا خارقا كان من الممكن أن يفيد مطربة أخري‏,‏ لأن صوت أنغام لا يحتاج إلي كل هذه الآلات والتنويعات‏.‏ صوتها يحمل توزيع رباني أعظم من كل الآلات الموسيقية‏.‏ كان التوزيع الموسيقي في الألبوم مبالغا فيه جدا‏,‏ وكأنه استعراض للعضلات في بطولة العالم لكمال الأجسام‏!‏
ربما يختلف معي البعض في هذا الرأي‏,‏ لكنني أثق في أن القريبين من صوت أنغام سيحلمون مثلي باليوم الذي تنجح فيه حبيبتنا جميعا في التفرغ للغناء بعد أن تختار حولها ناس فاهمه‏..‏ فاهمه بجد وليس من فئة المستشار الذي يحملك خمس خطوات فقط‏,‏ في حين أن الطريق طوله‏50‏ مليون خطوة‏.‏ فمتي تعرف أنغام أن المحرر الفني الشاطر ليس بالضرورة يكون فاهما في الغناء والكلمات والموسيقي والتوزيع؟ ومتي تعرف أنها تجاوزت مرحلة التجريب إلي مرحلة التركيز والتدقيق؟
أنغام‏..‏ المسئولية التي تتحملينها كبيرة‏,‏ فنحن لا نملك إلا صوتك‏,‏ ونحن لن نسامحك إذا كانت خطوتك القادمة أقل اتساعا من خطوتك السابقة‏,‏ لقد منحك الله أعظم موهبة‏:‏ صوتك‏.‏ ومنحك جمهورك أغلي ما يملك‏:‏ حبه‏.‏ فهل من المنطقي بعد ذلك ان يكون البوم سيدي وصالك افضل من البومك الاخير؟
والآن اقرئي هذه السطور مرة أخري‏,‏ لكن بدون غضب‏.‏ ألم أقل لك إنها قسوة العشاق؟