
|
الفتاوي المسلحة لا تزال مستمرة تفسيرات دينية حسب الطلب في زنازين الجماعة الإسلامية |
 | |
خالد صلاح كانت الأرض تشتعل من تحت أقدام الخارجين عن السمع والطاعة بين صفوف تنظيم الجماعة الإسلامية المصرية فلا أحد ينظر في وجه من يشق عصا الطاعة, ولا أحد يلقي السلام علي هؤلاء الذين يخالفون التكليفات والأوامر التي يصدرها القادة الميدانيون, أو أعضاء مجلس الشوري, لا أحد يعلو علي الجماعة, ولا رأي لأحد سوي ما يراه قادتها وأمراؤها سواء من هم داخل السجون من أعضاء مجلس الشوري العام أو من القيادات الإقليمية التي تولت تسيير دفة أعمال العنف المسلح في المحافظات والقري والنجوع, وربما لم تتمتع جماعة مسلحة بيقين وإجماع وصلابة كما تمتعت هذه الجماعة التي تتحمل مسئولية الغالبية العظمي من عمليات العنف في مصر طوال سنوات التسعينات, كما أنها الشريك الأول والطرف الرئيسي في عملية اغتيال الرئيس السادات, ومذبحة أسيوط في نهاية عام1981. وبنفس الصلابة والتشدد والهيراركية التنظيمية أرادت الجماعة حين أعلنت توبتها, وأصدر قادتها التاريخيون سلسلة المراجعات الفكرية الشهيرة, وأعلنت مبادرتها للتبرؤ من العنف أرادت أن تكون كلمتها هي الكلمة العليا, وأفكارها هي التجسيد الطبيعي والتلقائي للعدل والحق, وكأنما الدين يتولي, حيث تتولي الجماعة الإسلامية, وكأنما الصواب والخطأ يتحددان بالمواقف السياسية التي تتخذها الجماعة الإسلامية وقادتها السجناء من أمثال كرم زهدي, وناجح إبراهيم, وعصام دربالة وغيرهم من منظري العنف. ثم من فلاسفة البراءة من العنف هؤلاء التاريخيون السجناء أرادوا أن يكونوا أمراء وهم يمسكون بالأسلحة النارية وأرادوا أيضا أن يحتفظوا بنفس مواقع الإمارة والمكانة التاريخية وهم يقولون لنا إنهم يقبضون علي أغصان الزيتون. فالجماعة الإسلامية كانت قد أعلنت مبادرتها لوقف العنف في5 يوليو1997 بقرار أحادي الجانب أطلقه شيوخ الجماعة السجناء بعد دراسة عميقة استمرت لأكثر من20 عاما داخل السجون حيث توافر لهم الوقت وأدوات البحث لمراجعة مسيرة العنف بعد أن احتدم الصراع الدائر بين الجماعة والحكومة وسقط خلال هذا الصراع عشرات القتلي وإلحاق أضرار كبيرة بالمصالح الإقتصادية المصرية بعد أن تطورت الهجمات ضد السياحة والقطاعات المالية والمصرفية ومنذ تاريخ إعلان المبادرة وما أعقبها من صدور كتب المراجعات الشهيرة من السجون المصرية أن الجماعة الإسلامية لا تقدم كل ما سبق بإعتباره إعتذارا سياسيا ووطنيا لأخطاء تم ارتكابها في حق مصر لكن السجناء التاريخيين الذين قادوا التنظيم طوال هذه السنوات أرادوا أن يجعلوا من مبادراتهم ومراجعتهم مقدمة لحركة إصلاحية جديدة يقودون من خلالها سائر التنظيمات ذات التوجه الأصولي الإسلامي في مصر وخارجها فالجماعة الإسلامية كعادتها التي لم تنقطع رغم التوبة سعت لأن تقول إن ما هي عليه يمثل الصواب بعينه وأن ما ينتهجه الآخرون ليس سوي الضلال والباطل متجاهلين أنهم ينتمون إلي جيل الآباء المؤسسين لحركة العنف منذ منتصف السبعينيات وحتي اليوم وأن ما تقوم به بعض الجماعات الأصولية اليوم سواء في الداخل أو في الخارج ليس سوي نتاج لاجتهادات فكرية قدمها قادة هذه الجماعة أنفسهم مثل ميثاق العمل الإسلامي لكرم زهدي وناجح إبراهيم وكلمة حق لعمر عبد الرحمن وهو الكتاب الشهير الذي تحول بعد ذلك إلي اسم مجلة تصدرها الجماعة وتضمنت كل الاجتهادات الفقهية التي حثت علي القتل والسرقة والاعتداءات علي السائحين الأجانب ورجال الشرطة المصريين في مختلف المحافظات. اليوم يرفض السجناء التاريخيون للجماعة أن يتخلوا عن مواقعهم القيادية أو عن مكانتهم في التنظير والفلسفية الإصلاحية الجديدة ولذلك لا تتوقف مطبوعاتهم التي تخرج من السجون ليتم نشرها في كتب واسعة الانتشار أو عبر حلقات في بعض الصحف العربية والأجنبية والمصرية, والتي كان آخرها كتاب عصام دربالة أحد السجناء التاريخيين الذي حمل فيه بشدة علي تنظيم القاعدة, وقدم اجتهادات فقهية تدمر البنية النظرية لهذا التنظيم من الداخل وتحكم علي سلوكه السياسي وعملياته المسلحة بالخروج عن قواعد الإسلام, وصحيح الدين الحنيف والمصلحة المرسلة للمسلمين قاطبة من جاكرتا إلي كازابلانكا. وإذا كان الوعي الجماهيري العام يسبق عصام دربالة في هذا الحكم علي القاعدة وسلوكها وإذا كانت النخب الدينية في العالم العربي قد سبقت السجناء التاريخيين نحو هذا الحكم فقد يكون المشهد لا ينطوي علي أي نوع من الخلافات بين الجماعة الإسلامية وسائر القطاعات الدينية والثقافية فضلا عن الرأي العام في العالم الإسلامي لكن قضية الخلاف الوحيدة هنا أن عصام دربالة والآخرين من زملائه التاريخيينلم يتوقفوا عن استخدام المصطلحات ذات الدلالات والمعاني القطعية الإطلاقية وكأنهم لا يزالون جالسين علي عرش الفقه الإسلامي, وكما كانوا يحكمون علي العالم بأسره بالخروج عن تعاليم الله, ويقضون بجاهلية الحكومات العربية ووجوب قتال الأنظمة التي لا تطبق الشريعة الغراء حسب زعمهم فإن هذا النوع من الأحكام المطلقة يتواصل في الخطاب السياسي الحالي للجماعة وقادتها وتستمر هذه الأحكام القطعية التي تميز بين الخطأ والصواب بصورة حادة وجافة لا تحتمل التأويل أو المناقشة ولا يحتاج من يقرأ نقد عصام دربالة في تنظيم القاعدة إلي أن يعرف كيف يتمسك هؤلاء السجناء التاريخيون بنفس الخطاب السياسي الذي لا يقبل الآخر, وكيف تحافظ الجماعة علي اللغة الحادة الحاسمة وعلي احتكار المعرفة والجدارة في النظر إلي الفقه الإسلامي والقدرة علي استبصار الحلال والحرام وكأنهم يرون ما لا نري ويعرفون ما لانعرف ويشعرون بما لانشعر وجديرون بما لا يصل الآخرون إليه!! وربما يتلاءم هذا الخطاب من كرم وناجح وعاصم والآخرين مع الغايات الأساسية للأجهزة الأمنية المصرية اليوم إذ أن هذا النوع من الهجوم المضاد الذي يشنه السجناء التاريخيون علي أفكار القتل والإرهاب السابقة يمثل بلا جدال انتصارا أساسيا للأجهزة الأمنية المصرية التي أثبتت أن حربها علي هذا التيار لم تقتصر علي البعد البوليسي فقط لكنه امتد إلي الجوانب الفكرية والفقهية أيضا غير أن هذا التوافق في الغايات وملاءمة خطاب القادة التاريخيين ومراجعاتهم للمصلحة المصرية حاليا لا ينبغي أن تدفعنا إلي إغفال مكامن الخطورة في استمرار هؤلاء القادة في استخدام المصطلحات المطلقة نفسها ومواصلة اللغة الاحتكارية بنفس مفرداتها تقريبا دون تردد وبنفس الروح الاستعلائية التي سادت أدبيات الجماعة الإسلامية من قبل حين كانت تجعل من أعضائها فقط هم العصبة المؤمنة المكلفة بتحقيق كلمة الله علي الأرض وما دونهم هم أهل الجاهلية الذين ينبغي علي الجماعة إنقاذهم من الضياع ومن يعرف الجماعة الإسلامية جيدا يدرك أن هذه الروح لم تكن تحكم علاقة الجماعة مع العامة من المواطنين فقط لكنها سيطرت علي علاقة الجماعة مع شركائها في طريق الكفاح المسلح مثل جماعة الجهاد صاحبة الانشقاق الشهير عن التنظيم بعد اغتيال الرئيس السادات وفصائل الجهاد الأخري الأكثر تشددا فقهيا وسياسيا مثل التوقف والتبين والتكفير والهجرة والفصائل الفردية التي أسسها أشخاص مثل عبد الرؤوف أمير الجيوش وطه السماوي وغيرهما من الأسماء الشهيرة في عالم حرائق نوادي الفيديو والاعتداء علي الممتلكات الخاصة للمواطنين. القضية هنا إذن لا تتعلق بمدي صدق الجماعة الإسلامية في مبادرتها أو مراجعاتها خاصة أن قطاعات عديدة من النخبة المصرية ومجتمع رجال الدين المعتدلين في مصر يقترب من تصديق هذه المراجعات ويعتبرها جاءت نتيجة قناعات شرعية وأن المراجعات الفكرية التي صدرت هي بمثابة عقد أمان بين المجتمع والجماعة علي حد تعبير منتصر الزيات محامي الاصوليين المصريين لكن القضية تتجه إلي ما هو أبعد من الصدق والكذب, وما وراء البحث في وجود صفقة مع الأمن لإطلاق سراح السجناء التاريخيين من عدمه, لكن القضية تتعلق بهذا الخطاب الاحتكاري لجماعة تظن أن بإمكانها أن تواصل العمل السياسي والدعوي في مرحلة لاحقة بعد الإفراج عن سجنائها وإطلاق سراح قادتها بعد ما يقرب من ربع قرن في السجون. الأدلة علي هذا النوع من الخطاب وخطورته في مراحل لاحقة واحتمال تحوله إلي موجة أكثر عنفا في المستقبل تتجسد في كتب المراجعات بذاتها ثم في كتابات النقد السياسي من نوعية كتاب عصام دربالة الأخير فلاحظ مثلا أن الجماعة الإسلامية لا تزال تستخدم المصطلحات المطلقة من عينة: أن جميع الإخوة في الجماعة قد اتفقوا علي هذا في حين أن عبد الآخر حماد أحد أبرز قادة الجماعة الإسلامية ومفتيها البديل بعد غياب عمر عبد الرحمن كان أول من وجه الانتقادات إلي المراجعات وصياغاتها وبعض الأخطاء الفقهية التي وردت فيها من وجهة نظره ووصل الأمر بعبد الآخر حماد إلي وصف بعض فقرات المراجعات بأنها تستند إلي قول باطل لا سند له من كتاب أو سنة أو إجماع. وبنفس الحماسة والقطعية التي تعتبر فيها الجماعة الإسلامية في أدبياتها السابقة أن فتاوي الجهاد واجبة التطبيق إذ أن هذه الفريضة الغائبة ذروة سنام الإسلام فإن الجماعة استخدمت الحماس نفسه واللغة القطعية نفسها في الإغراق في مسألة تنزيل الفتوي علي الواقع ومحاولة رد كثير من الفتاوي الشرعية الصادرة من أهل العلم بدعوي أنها قد صدرت في زمن غير زماننا وظروف غير ظروفنا. وإذا كنا من جانبنا نري أنه من البداهة أن الفتوي تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد كما قال ابن القيم رحمه الله فإن ما نحذر منه هو هذا الإفراط في استخدام النصوص الدينية من قرآن وسنة في نفي ما كان محل إثبات من قبل أي أن النصوص التي استخدمت لإثبات وجوب الجهاد في كل زمان ومكان هي نفسها التي تعود الجماعة لاستخدامها مرة أخري لإثبات العكس تماما من ناحية الرجوع إلي الواقع وتقديم المصالح المرسلة للمسلمين وهنا يتبدي إلي أي حد يمكن لاستمرار الاعتماد علي هذه التفسيرات وعكسها أن يصبح لغما جاهزا يمكن استخدامه في المستقبل إذا شاءت هذه الجماعة نفسها أو شاء غيرها من الجماعات أن تدخل نحو حركة تحول جديدة ومراجعات من نوع مختلف. إن أحد القيادات التاريخية للجماعة كان يقول قبل عام1997 حين أعلنت المبادرة أنه لا يجوز تقديم مصلحة الناس علي النص الشرعي أيا كان الثمن بل ويذهب إلي القول بالنص إن تقديم المصلحة علي النص قول باطل لم يسبق إليه إلا نجم الدين الطوفي من الحنابلة المتأخرين وقد قام عليه العلماء في عصره ومن بعده حتي كفره بعضهم وما ذاك إلا لأن النص هو كلام الله أو كلام رسوله صلي الله عليه وسلم ولا يجوز لنا أن نقدم ما نعتقده مصلحة وسياسة علي كلام الله ورسوله كما قال الله تعالي: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله وقال تعالي: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضي الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. ورغم هذا التفسير القطعي والقراءة الحاسمة التي لا تقبل الجدل من جانب الجماعة, فإن تلك القيادات جاءت بعد ذلك لتستخدم الخطاب الديني نفسه لتقول لنا في كتب المراجعات الشهيرة وبالنص أيضا إن الخطأ الذي وقعنا فيه أننا كنا في الماضي نقدم النص علي المصلحة الشرعية ونجعل النص يتحكم في المصلحة فكنا نجاهد دون أن نحسب حساب المصلحة والمفسدة التي سوف تترتب علي هذا الجهاد وهذا خطأ لأن المصلحة في فقه الواقع تتقدم علي النص وهي التي تحكم علي صوابه. ولا تتوقف هذه القراءات المتعسفة والقطعية بما تحمله من خطورة علي هذه النصوص وحدها لكنها تمتد إلي ميدان السلوك وإصدار الأحكام المسبقة علي البشر وتصنيفهم كأن الإطار النظري الذي يعمل به التنظيم لا يزال قائما كما هو لم يتبدل فيما تبدلت فقط المصطلحات وتغيرت الإحداثيات التي تتوجه من خلالها الرصاصات للصدور فبعد أن كانت هذه الرصاصات تتوجه إلي رجال الشرطة وقطاعات المجتمع باتت تتجه نحو صدور أخري وأماكن جديدة وفق نفس البناء المتشدد ونفس الروح الاستعلائية والتي ظهرت في قول أحد قيادات الجماعة حين قال بالحرف.. إنه سيقوم بإبلاغ الشرطة عن من لا يفلح في إقناعه بفكر الجماعة الجديد وتحولاتها وإذا كانت فكرة إبلاغ الشرطة في حد ذاتها عن أي نوع من الإرهاب والعنف هي مسألة لا خلاف عليها إلا أنها لدي الجماعة تحمل معاني أخري مختلفة إذ أن عقاب الخارجين عن فكر الجماعة في الماضي كان بالحديد والنار ولم يتغير شيء في ذلك إذ سيبقي العقاب كما هو بالحديد والنار وإبلاغ الأجهزة الأمنية ولاحظ هنا كيف سقطت مصطلحات الإقناع والدعوة إلي الفكر الإصلاحي الجديد وكيف يتعامل قادة الجماعة ولا يزالون باعتبارهم كيانا سياسيا متماسكا كان ينتهج العنف ثم يتحرك نفس الكيان بنفس التماسك لينتهج الإصلاح وفي كل مرة تريد الجماعة الإسلامية أن تقول إنها هي وحدها علي صواب وأن الآخرين علي خطأ. الجماعة الإسلامية لا تريد أن تعترف بالخطأ لكنها تريد أن توظف خطأها في الإنتفاع به بحثا عن دور سياسي جديد يمكنها من تقديم نفسها كتيار إصلاحي وجماعة يمكنها التعايش مع المجتمع في إطار من الشرعية والقانون وهي في ذلك تريد أن تسوق أفكارها الجديدة عبر الهجوم علي الأفكار الأخري التي كانت الجماعة وقادتها شركاء في تأسيسها والدعوة إليها طوال ربع القرن الماضي. والجماعة الإسلامية لا تريد أن تسلك هنا طريق الدعوة الأكثر اتزانا عبر صياغة خطاب يقبله المختلفون عنها اليوم من الذين كانوا حلفاءها بالأمس مثل تنظيم القاعدة أو جماعة الجهاد أو غيرها من الجماعات لكن الهجوم السياسي المباشر الذي ينتهجه السجناء التاريخيون يستفز الآخرين ولا يقدم خدمة حقيقية للمجتمع الذي يريد أن يعيش في سلام أكثر ولا يريد أن تكون التفسيرات الدينية سلاحا جاهزا وأحكاما سابقة التجهيز في أي وقت كلما أرادت الجماعة الإسلامية أن تتجه يسارا استخدمت الدين وتفسيراته ونصوصه, وكلما أرادت أن تتجه يمينا استخدمت الدين نفسه والتفسيرات نفسها والنصوص ذاتها, وإذا كانت الجماعة تريد الإصلاح وتريد الاعتذار للمجتمع فإن قادتها مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضي بأن يتوقفوا عن تقديم الاجتهادات الدينية ولا يتحدثوا إلي الناس باعتبارهم جماعة قائمة وتنظيما له الكلمة العليا*
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|