
|
الكل حاول تمثيله وعند الضرورة خانه الجميع الفلسطيني في المنفي.. رصيـد إجباري في حســابات الأنظمة |
 | | فلسطينية تشرب الماء بمحاذاة الدبابات والإرهاب الأمريكى |
محمد الأسعد لم يكتب أحد قصتهم بالتأكيد, إلا أن الكل حاول' تمثيلهم' بصورة أو بأخري, حاول إنتاجهم كما تفعل الآن الفضائيات والصحف العربية. إنهم اللاجئون الفلسطينيون في العراق منذ أن نقلتهم شاحنات الجيش العراقي المنسحب من جنين في العام1948, وألقت بهم في مدارس يهودية محصورة بين' الشورجة' و' السنك' في بغداد, وألقت بعضهم في الموصل شمالا, والبعض الآخر في معسكر بريطاني مهجورفي قلب صحراء البصرة جنوبا. إنهم مجرد صور تمثيلية دائما. تقوم بإنتاجها مخيلات ومصالح وقوالب نمطية. أول تمثيل لهم جاء علي لسان عاشق المقام رئيس وزراء العراق المؤبد نوري السعيد في عهده الملكي, فكانوا' خطرا مدمرا في الشرق الأوسط', ومثلهم الشرطي ورجل الأمن هناك كعناصر أرسلتها قوي أجنبية لتخريب العراق, ومثلهم المواطن في صورة مزاحمين نشطين في حارة ضيقة, سواء أكانوا باعة متجولين أم عمالا, ورأي فيهم تلميذ المدرسة أفذاذا يستثيرون فيه غريزة الغيرة والمقت بقدراتهم التي لم يكن أبرزها إجادة التمييز بين الضاد والظاء سليقة بل أكثرها إهانة للعراقي الذي يخلط بين نطق هذين الحرفين حتي الآن. وتنوعت التمثيلات باختلاف السلطات الحاكمة,واختلاف القوالب النمطية الخاصة بكل فئة من فئات الشعب العراقي طيلة أكثر من نصف قرن. فهم في عهد الجمهورية أعداء محتملون في أي لحظة بحكم مشاعرهم القومية, وكانت يومها تصب في إطار الدعوة الناصرية لأولوية الوحدة علي الكيانات الإقليمية, وهو مادفع الحكم العسكري آنذاك إلي وضع الدبابات أمام مجمعات اللاجئين ربما لحمايتهم من الغوغاء أو لإرهابهم, إلا أن هذا لم يمنع اللاجئين الواعين بصورتهم هذه من اللجوء إلي بيوتهم ليلة محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم خائفين مرعوبين; فمن سيصدق أن الذين هاجموه ليسوا فلسطينيين ؟ مع انقلاب البعثيين بدأت تبرز للفلسطينيين صورة ممثلة أخري: إنهم الآن قوميون أو بعثيون بالبداهة ما داموا ضد أعداء عبد الناصر. ومثلتهم هذه الصورة جملة إلي درجة أن الفلسطيني الذي يتجنب نشاطا بعثيا أو قوميا كان يثير الاستغراب. تمثيلات متوالية. لم يستنطق أحد اللاجئ, ولم يهتم أحد باستنطاقه. وتم' تمثيله' دائما من الخارج في الخطاب العراقي الرسمي والشعبي علي حد سواء. وارتضي الفلسطيني صورته مكرها أو لامباليا كما حدث في أكثر من منطقة عربية. فهو لاحول له, ولا قوة سياسية تمثله ولاصحفيون يبحثون عنه. لامساحة له غير هذه المساحة العضوية الضيقة: أن يعيش علي معونة الدولة يوما بيوم; ثلاثة دنانير للفرد البالغ وللطفل نصفها شهريا, أي ما يعادل100 فلس يوميا يواصل بها حياته. كان بعض اللاجئين يقول إن الأمم المتحدة خصصت للاجئ250 فلسا يوميا, ولكن الحكومة العراقية تستأثر بـ150 من غير وجه حق. هل هي حقيقة أم إشاعة ؟ لا أحد يدري حتي الآن, ولن يدري, فقد قذف اللاجئ في الظلام ولم يخرج منه حتي الآن. وسيظل هذا هو حاله في العراق حتي أوائل الستينات. فمع هذه السنوات بدأت تصل الفلسطيني تمثيلات أخري له مصدرها هذه المرة المنظمات الفلسطينية. بدأ كل شيء حين لمح' صورته في تعاليم' جبهة التحرير الفلسطينية' وهي غير المنظمة التي ورثت الاسم نفسه في السنوات اللاحقة. هذه الجبهة أنشأها صالح سرية مع مجموعة من الشبان غالبيتهم من العمال بالتعاون مع الحاج أمين الحسيني ومكتبه في بغداد. وجاءت الصورة الثانية من فكرة إنشاء جيش التحرير الفلسطيني التي أطلقها عبد الكريم قاسم لأول مرة, وعلي إثرها بدأت الكلية العسكرية في بغداد تستقبل الشبان الفلسطينيين. ومع ظهور منظمة التحرير الفلسطينية في العام1964 بدأ الفلسطيني في العراق كما في أماكن أخري يشاهد صورة ممثلة جديدة, يرافقها إلحاح بأن عليه الآن تمثيل نفسه, والتخلي عن كل الصور التي صنعتها الأحزاب العربية والحكومات علي حد سواء. هنا بدأت مرحلة جديدة كليا. بين الميراث الذي راكمته الحكومات العراقية, واشتغلت عليه أحزاب, وبخاصة حزب البعث, وطبع بطوابعه صورة الفلسطيني, وبين النزعة الاستقلالية الجديدة القادمة مع إنشاء المنظمات الفلسطينية, حدث نزاع خفي تارة وعلني تارة أخري هدفه الاستحواذ علي اللاجيء. من هو الأقدر علي تمثيل صورته ؟ من هو القادر علي إعطاء حياته معني؟ أو من هو القادر علي السيطرة علي مصيره في نهاية المطاف؟ في الستينيات شهدنا البعثيين يرفعون شعارا عجيبا' فلسطين عربية.. فلتسقط الشيوعية' في مواجهة الشيوعيين. كان الفلسطيني سلما ثمينا للبعثيين, ولكن في هذه الفترة بالذات كان الفلسطيني قد بدأ يستدير عن الأحزاب العربية جملة, فلاحقته إلي قلب منظماته. وسمعنا لأول مرة فلسطينيا جامعيا يعلق وهو يمر بجانب شجار سياسي بين طلبة عراقيين:' فخار يكسر بعضه'. ومع ذلك ظل هذا الفخار يبحث عن مخزون إضافي في تجمعات اللاجئين. وهكذا, وما أن بدأت التنظيمات الفلسطينية بالتوافد علي بغداد بعد العام1967 حتي سارعت حكومة البعث الصاعدة إلي إقامة الحواجز والسدود أمام هذا التدفق, فحظرت علي المنظمات الاتصال المباشر بالفلسطيني والعراقي علي حد سواء إلا عبر أجهزتها' الأمنية', بل ووصل الأمر إلي حد منعها من تعليق ملصقاتها علي جدران المدن العراقية. وأخيرا اخترعت صورة تمثيلية للفلسطيني خاصة بها, أعني' جبهة التحرير العربية' مثلما فعلت أنظمة مشابهة تحت عناوين أخري. كان المناخ العربي الرسمي يصر علي أنه, بفضل سطوته علي اللاجئ المرتهن لديه, هو من يملك الحق في' تمثيل' اللاجئ, ومارست الأحزاب العربية الإصرار نفسه, ولكن بسطوة من نوع آخر: الشعارات المغرية والبرامج النضالية. كل هذه التمثيلات لم تكن مقنعة, لأنها لم تعمل علي تخليص اللاجئ من أوضاعه البائسة التي يعيشها فعلا بقدر ماعلقته بالوعود بتحرير قادم لايلوح في الأفق, بل وبدا سرابا بعد كارثة العام1967. هذه الحالة العقلية هي التي كانت وراء النجاح الباهر والسريع الذي حققته المنظمات الفلسطينية في احتواء أعداد هائلة من اللاجئين في وقت وقفت فيه الحكومات والأحزاب العربية عاجزة عن صدهـا. لقد قدمت هذه التنظيمات دعوة إلي اللاجئ ليقوم بتمثيل نفسه لأول مرة منذ عقود, أو هكذا بدا الأمر علي الأقل, قبل أن تأخذه ليحارب في عمان وبيروت والصحراء الليبية وكمبالا. ولتكتسب هذه الصورة التمثيلية مصداقية كان لابد من إطلاق الرصاص في فلسطين المحتلة, وهو شعار رفعته عدة تنظيمات في وقت واحد معا, وتنافست علي وضعه موضع التطبيق بكل الوسائل بما فيها إصدار بيانات كاذبة وملفقة حسب شهادات منشورة أحدثها' دروب المنفي' لفيصل حوراني. لم ينخرط الفلسطيني اللاجئ في العراق في السياسة العراقية علي نطاق واسع خلال العهد الجمهوري. هناك انخراط فردي اتجه إليه أفراد لأسباب مختلفة أبرزها الضواغط نفسها التي وقع ضحيتها العراقي للانخراط في صفوف الحزب الحاكم الترغيب والترهيب, ولا يمكن أن يعد هذا انخراطا اجتماعيا. وحتي الأفراد المنخرطين من الفلسطينيين ظلوا هامشيين بعيدين عن دوائر التأثير. كان الشك في ولاء الفلسطيني قائما, وتواصل مع تفتت هذا الحزب وتساقطه, وأخيرا مع اختفائه من الحياة السياسية فعليا في أواخر السبعينات, وحلول حزب العائلة الواحدة محله. ومع ذلك ظلت الجهات الرسمية العراقية تعتقد أن' تمثيل' الفلسطيني اللاجئ في العراق حق مطلق لها لاشك فيه. ويعبر عن هذه العقلية أفضل تعبير أحد قياديي البعث المدعو' نعيم حداد'. فقبل أن يطرد من الحزب, تصدي لطلب من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بالسماح لها بتنظيم فلسطيني العراق بالقول' لا يا رفاق.. اسمحوا لنا بالفلسطينيين هنا.. إنهم حقنا.. وسنعيد تربيتهم قوميا'! ولكن أي نوع من التربية كانت هذه ؟ لقد كانت باختصار' تمثيل' الفلسطيني بعثيا رغم أنفه, فقد استخدم البعث كل وسائل الضغط بما فيها الاعتقال والطرد من الوظيفة والتجويع لزج المواطن الفلسطيني في مدارس تربيته هذه. ولم يكن الفلسطيني أو أي عربي يعيش في العراق مستثني من هذا. إن' الفرقة', أي فرقة الحزب, لم تكن كما علمت, فرقة مسرحية أو غنائية, بل منظمة في كل حي لايستطيع رفض الالتحاق بها أحد دون المخاطرة بوضعه علي قائمة الأعداء. وكذلك كانت وظيفة ما يدعي' القلم السري' في كل وزارة أو دائرة حكومية: مراقبة الموظفين والضغط عليهم للعمل في صفوف الحزب. ومن يلتحق بـ' الفرقة أو بأي مستوي حزبي لايستطيع مغادرته, فأدني عقوبة تنتظره الإعدام بكل بساطة. وقد عرفت شخصيا حالات مشبوهين حكم عليهم بالسجن لسنوات' لعدم توفر أدلة تدينهم'! إذن, لا يستطيع أحد الزعم بأن عددا من مسلحي' جبهة التحرير العربية التي تمولها المخابرات العراقية تعبير عن انخراط مجتمع اللاجئين في نظام البعث. . كانت هذه الصورة التمثيلية زائفة اخترعها النظام الحاكم وصدرها إلي عدة أماكن فلسطينية, شأنها في ذلك شأن صور تمثيلية أخري اخترعتها حكومات عربية أخري بدأت' تشارك' في العمل الفلسطيني حين يكون بعيدا عن' عاصمتها, أما طموحها الأصلي فهو أن تفرض صورتها الوحيدة كما تجلي هذا في العاصمة العراقية بكامل سطوته علي لسان نعيم حداد, وكما يتجلي أيضا في فرض تابع لها علي مكتب منظمة التحرير لديها. هؤلاء هم اللاجئون الفلسطينيون الذين بدأت تظهرهم الفضائيات العربية علي شاشاتها في مخيمات علي حدود الأردن ويتوافد لزيارتهم عدد من الموظفين الدوليين, زاعمة أنهم يدفعون ثمن مساندتهم لنظام صدام حسين, وكراهية العراقيين لهم. وهؤلاء هم أنفسهم الذين نصبت لهم خيام في ناد رياضي في منطقة البلديات بالقرب من مساكن اللاجئين الحكومية هناك, بعد أن أخرجهم مالكو البيوت العراقيون عنوة من بيوت استأجروها. لفهم هذا الاضطهاد الذي لايحمل طابعا سياسيا علي الإطلاق, من المفيد أن نعرف أن غالبية اللاجئين المسجلين في العراق بصفتهم هذه يقيمون في مساكن بائسة مقدمة من الدولة. وقد انتقلت قلة منهم تحسنت أوضاعها المعيشية إلي مساكن مستأجرة, وهذه الفئة هي التي تعرض بعضها للطرد عنوة بعد أن أصبح أصحاب البيوت يطالبون بإيجارات خيالية, وبدأت حمي شراء البيوت أو تأجيرها بأسعار مغرية تدير رؤوس البشر وتحولهم إلي كائنات مفترسة. إضافة إلي هذا, بدأت الصورة النمطية للفلسطيني الصورة التي غذاها البعث وحكومتهبطرح ثمارها. فلسنوات طويلة ظلت حكومة البعث تلعب بورقة فلسطين والفلسطينيين حتي بات المواطن العراقي يشعر بأن فلسطين هي سبب شقائه والتدمير الذي لحق باقتصاده ومجتمعه. ومثلما حدث في بلاد عربية أخري حولت هذه الحكومة فلسطين إلي سوط تجلد به العراقي إن تذمر أو اشتكي من الاستبداد والظلم اللذين أحاطا به. فكان من المتوقع علي صعيد شعبي أن يبحث العراقي الآن عن ضحية يلقي عليها حتي مسئولية المجيء بنظام من هذا النوع ومسئولية بقائه. وإنه لمن المفارقات العجيبة أن يعلق عدد من السياسيين العراقيين المتقاطرين علي العراق, ابتذالا ونزقا, ماحل بالعراق من استبداد وتدمير, علي مجموعة صغيرة من اللاجئين الفقراء الذين لم يمتلكوا سلطة ولا نفوذا لا في العراق الملكي ولا الجمهوري, بل كانوا موضع نبذ وعزل دائما. صحيح إن صدام وحزبه جلد العراق كله بسوط' فلسطين' و'العروبة' وما إلي ذلك مثلما فعلت أنظمة عربية لتبرير مباذلها واستبدادها, ولكن هل نجا الفلسطيني من هذا السوط؟ وهل هو مسئول عن هذه الصور التمثيلية التي اخترعوها له؟ إن الصور التمثيلية التي اخترعتها منظمات فلسطينية لتبرير مباذلها لاتقل عن ذلك عسفا, وكان الفلسطيني اللاجئ ضحية أيضا مثلما هو العراقي أو غيره. إن صورة الفلسطيني المتعاون مع أنظمة الاستبداد لهي أشد الصور التي خلقت في السنوات الأخيرة تضليلا, ويبدو أنها جزء من مسلسل عجيب لم ينتبه له أحد حتي الآن. ففي الخمسينيات والستينيات كانت صورة الفلسطيني النمطية هي صورة المتمرد المشاغب الخارج علي القانون أو' كمين الاغتيال المتحرك' للملوك والزعماء, ثم أصبحت صورة مهدد الاستقرار وحامل بذرة تخريب القيم, وها هي أخيرا, وبعد غزو الكويت تحديدا, تتحول إلي صورة نصير الطغاة والمستبدين وعدو الشعوب. القليلون بالطبع يتذكرون الصورة النمطية الأولي التي نشرتها أصابع الصهيونية المتغلغلة في كل العواصم العربية: الفلسطيني الذي خان وطنه وباع أرضه لليهود. أعتقد أن الصورة النمطية للفلسطيني, رغم تضاربها بين فترة وأخري, تتجه نحو هدف واحد لاتحيد عنه بمختلف ألوانها: جعله المنبوذ والمطرود من الخارطة العربية, أو محو قداسة فلسطين في العقلية العربية. ولهذا ليس غريبا أن نجد وراء كل هذا غاية واحدة أيضا: أن يختفي عن وجه الأرض عدو الصهيونية ونقيضها الحقيقي*
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|