334‏السنة 123-العدد2003اغسطس16‏18 جماد ثان 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

حكم العراق بالتماثيل والجداريات والصور
صدام يقود عائلته ورجاله إلي مصير مظلم

سقط تمثال صدام فى ساحة الفردوس فسقط النظام العراقى بالكامل

بغداد ـ أحمد منصور


كانت أشعة شروق الشمس تنساب من وراء السهول حينما فتحت عيني بعد أن غلبني النعاس حيث بقيت طوال الليل مستيقظا في الباص الذي كان ينقلنا من الكويت إلي الحدود العراقية الأردنية نظرت إلي ركاب الباص الذين كانت حالهم أشبه بحالي‏,‏ فوجدتهم جميعا نياما كما تركتهم قبل أن أغفو من شدة التعب والإرهاق سألت سائق الباص ونحن علي مدخل مدينة كبيرة أين نحن الآن؟ قال‏:‏ نحن علي مشارف بغداد‏..‏ قلت في نفسي هذه بغداد عاصمة الرشيد وعاصمة الخلافة لكنها في ذلك الوقت لم يكن فيها شيء من بقايا الرشيد أوالخلافة كانت كلها تماثيل وجداريات للسيد الرئيس القائد صدام حسين‏.‏
كانت المرة الأولي التي أري فيها بغداد والمرة الأولي التي أري هذا الكم الهائل من التماثيل والصور والجداريات لرئيس يحكم دولة كلما استدار الباص في شارع أو دار في ميدان أو انطلق في طريق كنت أجد تمثالا أو جدارية أو نصا مكتوبا بخط كبير يحمل توقيع‏'‏ السيد الرئيس القائد‏'‏ وكان الخاطر الذي توارد إلي ذهني في تلك اللحظة هو حجم الجهد الذي يمكن أن يستغرقه الزعيم الذي سيأتي بعده لهدم ذلك الكم الهائل من التماثيل والصور والجداريات وحجم النفقات التي أنفقت علي إعدادها والتي ستنفق علي إزالتها‏.‏
كنت وقتها في طريقي للخروج من الكويت بعد غزو العراق واحتلاله لها في الثاني من أغسطس عام‏1990‏ حيث كان حظي أن أكون أحد ركاب طائرة الخطوط الجوية البريطانية التي كانت آخر طائرة دخلت المجال الجوي الكويتي ليلة الثاني من أغسطس وأخذ ركابها الغربيون كرهائن إلي بغداد بينما خرجت مع آخرين من المطار بسلام قبيل هبوط المظليين العراقيين علي المطار واحتلاله والسيطرة علي الطائرة مع ركابها وقد دفعتني المغامرة الصحفية للبقاء في الكويت لمشاهدة ما سوف يحدث رغم أن الثاني من أغسطس كان اليوم الأول لي في العمل وقد بقيت خمسين يوما في الكويت وربما كنت من الصحفيين العرب القلائل الذين بقوا في تلك الفترة حيث كان الصحفيون هدفا للقوات العراقية لكن لكوني لم أعمل داخل الكويت من قبل فلم يتعرف علي أحد مثل الصحفيين الآخرين وكان قدري أن أخرج في العشرين من سبتمبر عبر الطريق الوحيد المفتوح آنذاك وهو طريق بغداد‏.‏
كان هذا المشهد الراسخ في ذاكرتي هو المشهد المرتبط دائما بأي حديث عن العراق أو نظام حكم صدام حسين فهذا الكم الهائل من التماثيل والذي استطعت أن أطلع عليه جيدا بعد زياراتي المتكررة للعراق بعد ذلك رسخ لدي مفهوم الصنمية الذي كان سائدا في عصر الجاهلية وكيف أن صناعة الأصنام كانت تعني تقديس الأشخاص ورفعهم فوق مرتبة الآدمية وترسيخ صورتهم في النفس وزيادة رهبتهم في الذات فكلما التفت وجدت صنما أو إلها صغيرا يرقبك في كل مكان تذهب إليه أو طريق تمشي فيه وهذا ما سعي صدام أن يرسخه في نفوس العراقيين وأن يبنيه في نفوس الذين من حوله فحولوه إلي‏'‏ صنم‏'‏ بكل معاني الصنمية وأصبح معني صدام حسين‏'‏ الرجل الصنم‏'‏ يكاد يعبد من دون الله حيث وقعت علي عدد من الأبيات الشعرية التي كانت تقرأ أمامه وفيه لترسيخ معني الصنمية لا حدود لها من أبرزها ذلك البيت الذي كان يكرره المنافقون له أمامه وفي حضوره فلا يخفي ابتسامته وهم يقولون له‏:‏
تبارك وجهك القدسي فينا كوجه الله ينضح بالجلال‏.‏
أما ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث فلم يكن في كل مرة يلتقي فيها بالرجل الصنم إلا ويضفي عليه من الصفات ما يتناسب مع كل معاني الصنمية منها جملته المشهورة‏'‏ إن صدام حسين هو هبة السماء إلي حزب البعث وهبة البعث إلي الأمة العربية‏'.‏
هذا التأليه جعل معظم النحاتين في العراق يتهافتون لعمل التماثيل والتفنن في صناعتها للرجل الصنم فلم يكن يخلو ركن من أركان العراق أو زواياه منها وكأنه يطل علي الناس من كل مكان ويوجد بينهم في كل لحظة مما جعل كثيرا من العراقيين لاسيما البسطاء إلي الآن لا يقولون صدام حسين وإنما يسبقونها دائما بالسيد الرئيس‏'‏ وبعضهم لازال يقول‏'‏ السيد ا لرئيس القائد صدام حسين‏'‏ وهذا يشير إلي الحجم الهائل من تأثير الرجل الصنم المخيف في حياة الناس‏.‏ بعض العراقيين الذين التقيت بهم في أماكن كثيرة لا يصدقون أن صدام قد زال نظامه وبعض البسطاء لازالوا يؤكدون عودته في أي لحظة‏.‏
وكنت وأنا أتأمل تلك التماثيل في ميادين بغداد قبل سقوط النظام أجد أن النحاتين يكادون يتبارون في نحت بطن الرئيس المتهدل حيث كان كل أعضاء مجلس قيادة الثورة يقتدون برئيسهم فكانوا جميعا يحملون بطونا‏'‏ كروشا‏'‏ كبيرة تقسمها الأحزمة العسكرية إلي قسمين وكان يمكن للنحاتين أن يداروا هذا الأمر لكنهم كانوا أمناء في نحت وتقديم الشخصية الصنمية للرئيس كما هي‏.‏
شخصية الرجل الصنم هذه هي التي جعلت الأمريكيين يحرصون في التاسع من إبريل الماضي علي أن يكون إسقاط التمثال أمام وسائل الإعلام العالمية هو الرمز المباشر لسقوط نظام صدام حسين فلم يكن الأمر عفويا علي الإطلاق وإنما كان مرتبا بشكل كبير حيث ظل هذا الصنم هو الذي يحكم حياة الناس في كل لحظة حتي وهم يمارسون أدق خصوصياتهم الحياتية‏,‏ وكان إسقاط التمثال في ساحة الفردوس إيذانا بإسقاط جميع التماثيل في كل أنحاء العراق وبوسائل مختلفة وبشكل أجاب ببساطة عن تساؤلي الذي لم أفصح عنه في العشرين من سبتمبر عام‏1990‏ حينما وقعت عيني عليها لأول مرة‏.‏
وكان ما شغلني أثناء دخولي الأخير للعراق هو معرفة مصير ذلك التمثال الذي كان علي مدخل النقطة الحدودية العراقية من جهة الأردن حيث كان هناك تمثال كبير لصدام علي صهوة جواد وكان علي مكان مرتفع كعادة التماثيل فوجدتهم لم يكتفوا بإسقاط التمثال من فوق الحصان فحسب بل حتي كسروا الحصان نفسه‏.‏
ومن إيحاءات سقوط التماثيل في بغداد‏,‏ بدءا من تمثال ساحة الفردوس أن أحد الزعماء العرب أصدر أمرا سريا بإنزال كل صوره المعلقة في كل مدن دولته‏,‏ وتم هذا ليلا‏,‏ حيث استيقظ الناس في الصباح‏,‏ فوجدوا صور الزعيم وقد أزيلت‏,‏ لكنه مازال في السلطة علي العكس من صدام‏.‏
مصير صدام

كنت أمشي في شارع السعدون أحد شوارع بغداد الرئيسية حينما وجدت جمعا من الناس يلتفون حول صبي فطلبت من مرافقي أن نتوقف بداعي الفضول الصحفي وطلبت منه أن ينزل ليعرف القصة فإذا بالطفل يحكي قصة من القصص العجيبة التي يتداولها الناس في كل مكان عن صدام حسين وهي أقرب إلي الخرافة منها إلي الحقيقة تماما مثل القصص التي يتداولونها عن حياته ونظام حكمه حيث قال الصبي إن صدام حسين مر من شارع السعدون قبل نصف ساعة فقط من مرورنا أي في الثالثة ظهرا أي في وضح النهار وكان يرتدي ثيابا عربية ويركب سيارة‏'‏ جيمس‏'‏ أمريكية وأنه نزل وحيا الناس كما فعل تماما قبيل انهيار نظامه ثم أهدي هذا الطفل مسدسا فسألت مرافقي وهل يحمل الطفل مسدسا قال‏:‏ نعم نظرت إلي الجهة الأخري من الشارع فوجدت سيارتين أمريكيتين مصفحتين بهما بعض الجنود يقفون علي جانب الشارع ويرقبون الموقف وبعد أيام تداولت الصحف نقلا عن ضابط مخابرات عراقي سابق أن صدام حسين قد ظهر أخيرا في حي المنصور الذي ظهر فيه قبل نهاية نظامة وأن الناس التفوا حوله كذلك وقصص أخري لا تكاد تصدق وربما ستظل تروي مثل هذه القصص حتي ربما بعد اعتقال صدام أو مقتله لأن شخصية الرجل الصنم التي صنعها من الصعب أن تزول من حياة الناس أو ثقافتهم أو خيالهم‏.‏
حاولت أن أعرف كيف يمكن لصدام أن يختفي الآن لاسيما أن معظم المقربين منه قد سقطوا في قبضة القوات الأمريكية فروي لي كثير من العراقيين أشياء لا تكاد تصدق عن شخصية الرجل وكيف أنه لم يكن يثق بأحد علي الإطلاق حتي بهؤلاء الذين كانوا يطلقون عليه‏'‏ ظل صدام‏'‏ مثل عبد حمود سكرتيره الخاص المقرب منه وأن الرجل لاشك مختف في مكان ربما لا يخطر علي بال الكثيرين ومع أن بعض المراقبين يقولون بأن الأمريكيين يهمهم أن يبقي صدام مثل بن لادن لغزا لكثير من الحسابات لاسيما أن مقتل ولديه لم يحدث الصدي الذي خطط له الأمريكيون ولم يكن نصرا كما أعلن بوش وكما أرادت إدارته‏,‏ إلا أن آخرين يؤكدون أن الأمريكيين جادين في القبض عليه أو التخلص منه علي الأغلب حتي تطوي صفحته لكن كثيرا من العراقيين لم يعد يهمهم ما سوف يحدث لصدام بقدر ما يهمهم ترتيب الأمن والطعام لهم ولأسرهم‏,‏ وإخراجهم من هذا المستنقع الذي يعيشون فيه غير أن صدام سيبقي لغزا وأسطورة حتي لو قتله الأمريكيون أو اعتقلوه‏.‏
<FONT COLOR='#0000A0'>
عائلة صدام

رغم أن التراب لم يكن قد أهيل بعد علي أخويها عدي و قصي بعد مقتلهما علي يد القوات الأمريكية لكن رغد صدام حسين ظهرت علي شاشات التلفزة وهي تحمل بقايا من جمال ورباطة جأش وحب لم يزل في قلبها لزوجها الراحل حسين كامل الذي قتل علي يد أبناء العشيرة بعد هروبه إلي الأردن في ظروف مليئة بالغموض و الملابسات كما كانت عودته كذلك بعدما ضاقت عليه الأرض بما رحبت فلاقي مصيره‏,‏ كان كلامها في مجمله يدور حول الصراع والكراهية داخل العائلة التي رهن صدام حسين مصير العراق كله بها إخوة غير أشقاء و غير متعلمين وغير متجانسين يمسكون بزمام الأمور في البلاد فيذلون العباد ويفقرون البلاد ويصنعون جمهورية الخوف لتصبح العائلة تدور بمحيطها الكبير والصغير داخل دائرة الكراهية للذات وللآخر فامتزجت المصالح الخاصة بمصير الدولة والناس وأصبحت الدولة مرهونة بالعائلة الكبيرة وبالعوائل الصغيرة من داخلها حتي اختزلت كلها في الولدين قصي وعدي اللذين نسجت حولهما الأساطير وقصص ستظل تروي لأجيال حول ما كانا يفعلانه وحول اليد المطلقة التي منحها لهما الأب ليقررا مصير الدولة والناس حتي كان ما كان‏,‏ قتل قصي وعدي ورجت أمهما المكلومة أن يدفنا بعيدا عن الناس حتي لا يتعرض قبريهما للنبش وجثتيهما للتمثيل بهما فيما طالب بعض أهل الجنوب أن يدفنا علي مشارف النجف حتي يرجما في قبريهما من الرائحين والغادين في صورة من صور الكراهية المتطرفة حتي للجثث التي صارت في التراب وقد تم مواراتهما الثري بعد أسبوعين أو أكثر من احتفاظ القوات الأمريكية بجثتيهما حيث دفنا في ظروف خاصة لم تناسب الصخب الذي صاحب حياتهما وبينما الأم مازالت مختفية مع ابنتها الصغري حلا فإن مصادر صحفية أشارت إلي أن الأردن يسعي لجمع شمل الأم مع بناتها الثلاث رغم الرد الذي قام به بعض الغاضبين العراقيين من التصرف الأردني بإيواء ابنتي صدام بنسف مقر السفارة الأردنية في بغداد بسيارة مفخخة‏.‏
الأخوة الأعداء لاسيما وطبان وبرزان كانا علي قائمة الخمسة وخمسين مطلوبا وقد سقطا في يد القوات الأمريكية أما الأخوات فمصيرهن لا يقل عن مصير باقي العائلة وسأروي هنا ما عايشته أثناء وجودي في بغداد حيث كنت أمشي في شارع الكرادة التجاري حينما تعرف علي أحد التجار وأصر علي أن يضيفني وكان متجره واسعا فأخذني إلي غرفة مكتبه الخاصة وتحدث معي في أمور كثيرة ثم قال لي‏:‏ إن هناك قصة إنسانية تمني علي أن أساعده فيها وأن معرفته بي من خلال برامجي هي التي دفعته إلي أن يثق بي وأن يتكلم معي قلت له‏:‏ ماهي قال أخوات السيد الرئيس وبناتهم وأولادهم الصغار قلت له‏:‏ صدام حسين تقصد قال‏:‏ نعم قلت له وهل أنت علي علاقة بهن قال لا تسألني كثيرا لأني لن أستطيع أن أتكلم معك إلا فيما أعرف أنه لن يضر بهن قلت له هات ما عندك قال‏:‏ أنا كنت أعرف تلك العوائل بحكم عملي كتاجر قبل أن يسقط النظام وقد هربوا من بيوتهم بعدما سقط النظام واستولي عليها الناس وقد وجدوا من يؤويهم لكنهم خائفون بسبب كراهية الناس لصدام والعائلة من أن تتعرض بناتهم للاعتداء أو الاختطاف لذا فقد تجمعوا في بيت أحد الناس الذي أعرفه ويريدون أن يخرجوا من العراق من خلال أن يؤويهم أي نظام عربي أو يستضيفهم أو يمنحهم فقط حق الحياة بأمان لاسيما أن الشقيتين مريضتان بالسرطان وبحاجة إلي العلاج حتي لا تتطور الحالة لديهن‏.‏
طلب مني الرجل أن أعود في اليوم التالي ليوافيني بمزيد من المعلومات عن حالتهم وبالفعل واعدته وفي اليوم التالي ذهبت إليه وجاءني بتقارير طبية باللغة العربية حول حالة كل منهما الأولي هي ليلي إبراهيم الحسن أخت صدام غير الشقيقة وزوجها هو رشيد طالب عبد الستار النقيب كان من ملاك الأرض ولم يكن يعمل في النظام وهي من مواليد العام‏1947‏ وهي مريضة بالسرطان وكانت تعالج لدي أحد الأطباء في الأردن أما أختها نوال إبراهيم الحسن من مواليد العام‏1957‏ وهي مريضة بورم في الغدة الدرقية وهي زوجة أرشد ياسين أحد مرافقي صدام حسين المقربين وهو من الهاربين كما حمل لي قائمة بأسماء أولاد كل منهما وأعمارهم وأنهم جميعا يعيشون في غرفة واحدة لدي أحد العراقيين بعدما كانوا يعيشون في القصور‏.‏
هذا بعض ما آل بعائلة الرجل الصنم أما رجاله فكل منهم له قصة‏.‏
مصير رجال صدام‏:‏

كان الحضور المذعور لوزير الإعلام العراقي السابق محمد سعيد الصحاف صباح التاسع من إبريل إلي فندق ميريديان بغداد حيث كان المقر الرئيسي للصحافة ووسائل الإعلام العالمية ثم اختفاؤه مسرعا دليلا علي الحالة التي آل إليها مصير رجال صدام فالكل يبحث عن مكان يختفي ويختبأ فيه بعدما سقط الصنم الكل هرب والكل هام علي وجهه يبحث عن كريم يؤوي لئيما حتي أن عبد حمود ظل صدام الذي لم يكن يفارقه والذي كان اسمه كافيا لبث الرعب في نفس أي عراقي مما جعل الأمريكيين يدرجونه الرابع قي قائمة المطلوبين بعد صدام وابنيه فقد ضاع من الرئيس وضاع الرئيس منه وأصبح كل منهما مثل قصي وعدي والجميع يبحث عمن يؤويه حتي أنه حينما قبض الأمريكيون علي عبد حمود في‏19‏ يونيو الماضي حيث كان يؤويه أحد العراقيين البسطاء الكرماء كان كما ذكرت صحيفة‏'‏ الواشنطن بوست‏'‏ الأمريكية كان مهموما ووحيدا وينام علي الأرض بعدما كان يتجول في القصور حتي أنه كان يستجدي الخدمات من السكان المحليين مثل إيوائه لليلة واحدة أو إطعامه ولم تكن لديه وسائل انتقال أو أموال أو أسلحة‏'‏ أما نائب الرئيس طه ياسين رمضان الذي لم يقبض عليه بعد فقد روي لي أحد الزملاء الصحفيين في بغداد أنه التقي مع أحد مساعديه حيث هرب معه في اليوم الأول وحينما عضهم الجوع بعد يوم كامل كانوا فيه هائمين علي وجوههم لا يعرفون أين يذهبون مالوا علي أحد الخبازين في فرن حتي يمنحهم رغيفا من الخبز وحينما تعرف عليهم الرجل رفض وطردهم مما دفع بهذا المساعد أن يترك النائب يأخذ طريقه للبحث عن مأوي فيما احتمي هذا المساعد بعشيرته بعدما وجد أن اسمه ليس مطلوبا من الأمريكيين أما الأغلبية من رجال النظام أو المطلوبين فقد آثروا الاستسلام بعدما ضاقت عليهم الأرض بما رحبت‏,‏ وكان أكثر هؤلاء إثارة في وجوده في السلطة وحتي في استسلامه طارق عزيز نائب رئيس الوزراء المسيحي الكلداني الوحيد في الحكومة الذي ولد عام‏1936‏ قرب الموصل و الذي غير اسمه الأول من ميخائيل إلي طارق وظل لصيقا بصدام ولسانه المتحدث باسمه لدي الغرب حيث كان يتقن الإنجليزية ولهذا فقد صاحب عملية استسلامه في‏25‏ إبريل الماضي قصص كثيرة حول علاقته بالغرب والعلاقة الخاصة التي يمكن أن يعامل بها حتي أن بعض التقارير أشارت إلي أن صدام كان يشك في الرجل ويخشي من أن تكون له بالغرب علاقاته السرية لكن تقريرا نشرته صحيفة‏'‏ صنداي تلجراف‏'‏ البريطانية في‏20‏ يوليو الماضي كشف النقاب عن الحياة القاسية التي يعيشها طارق عزيز الذي اشتهر مثل صدام بالسيجار الفاخر الذي كان يحب أن يظهر به دائما حيث أكدت الصحيفة أن عزيز يعيش مثل غيره من آلاف السجناء العراقيين في سجن‏'‏ معسكر كوبر‏'‏ الذي يطلق عليه العراقيون‏'‏ سجن المطار‏'‏ ووصفه أحد المعتقلين السابقين الذي أفرج عنهم قائلا‏'‏ بدا عجوزا محدوبا بعض الشيء‏..‏ شعره طويل وأشعث يصل إلي ياقته‏..‏ يسير بتثاقل ويجر وراءه رفشا ليحفر ما يسميه الجنود الأمريكيون مرحاضا‏...‏ كان مظهره مثل أي واحد فينا قذرا وجائعا‏'‏ وقد روي بعض العراقيين الذين يتابعون أخبار سجن كوبر ومن فيه أن عزيز ترك لحيته وشعره وحواجبه الكثيفة فبدا شكله مخيفا في السجن ويدعو للرثاء أما عائلة طارق عزيزالمكونة من زوجته وولديه فقد فرت إلي الأردن عندما انتهت الحرب أما بيته فقد نهب ودمر مثل باقي بيوت قادة النظام وما يلاقيه طارق عزيز يلاقيه باقي أعضاء القيادة المعتقلين معه في نفس السجن الذي سمح الأمريكيون للصحافة بدخولة أخيرا دون تصوير حيث يحشر المعتقلون ـ الذين ذكرت متحدثة أمريكية أنهم خمسة آلاف ـ في خيام تحت شمس لاهبة ومن بينهم سعدون حمادي الرئيس السابق للمجلس الوطني العراقي وامرأة واحدة كانت ضمن قائمة الخمسة والخمسين وأطلقوا عليها في الصحافة الغربية لقب‏'‏ سيدة الجمرة الخبيثة‏'‏ هي هدي صالح مهدي عماش التي اغتيل أبوها علي يد صدام حسين ومع ذلك كانت من أشد المخلصين له قد تحدث زوجها ووالدتها للصحافة ووصفوا الوضع المذري الذي تعيش فيه وقالت أمها‏'‏ قسمة عماش التي يزيد عمرها علي سبعين عاما‏'‏ إن هدي‏'49‏ عاما‏'‏ ـ والتي كانت تحمل رقم‏53‏ من قائمة الـ‏55‏ ملطوبا ـ ليست امرأة شريرة كما تدعي الصحافة الغربية إنهم يقولون إنها قاسية لكن عملها تركز علي البحث عن البكتريا في تربة العراق إنها زوجة وأم فحسب‏'.‏
رجال الحرس الجمهوري والبعث

علي الضفة المقابلة لقصر صدام حسين الرئيسي علي نهر دجلة والذي يتخذه بول بريمر الحاكم العسكري الأمريكي للعراق مقرا له توجد عشرات العمارات ذات الطوابق الثلاثة بنيت بنظام حديث وبلون موحد كانت تخص ضباط الحرس الجمهوري لكن هؤلاء كما هربوا من مواجهة القوات الأمريكية هربوا كذلك من بيوتهم التي زحف عليها الناس واستولوا عليها بوضع اليد بكل ما فيها وأصبح ضباط الحرس الجمهوري ليسوا دون نظام يدافعون عنه ودون بيوت يعيشون فيها فحسب بل ودون كل حاجات الحياة التي كانت موفورة لهم في تلك البيوت‏.‏
وحتي الآن لم يحاسب أحد الناس علي ما فعلوا حتي أن الناطق باسم حوزة مقتدي الصدر في بغداد أخبرني إنه يقيم في أحد هذه البيوت بشكل مؤقت بعدما منحه له أحد الذين استولوا عليه وهذا ما تم في كل المجمعات التي كانت تضم بيوت المسئولين العراقيين السابقين فقد كانت هناك مجمعات تضم بعض الفيلات لمسئولين سابقين أو سياسين عرب لاجئين في العراق منحهم صدام حسين هذه الفلل مثل الرئيس السوري الأسبق أمين الحافظ وقد زرت الرئيس أمين الحافظ في أحد هذه المجمعات قبل سنوات حيث كان يضم ما يزيد علي مائة فيلا كل هذا استولي عليه الناس وطردوا من فيه وأصبح الذين كانوا يعيشون في العز يعيشون في العراء حتي أن الرئيس الحافظ بقي عدة أيام علي الحدود العراقية السورية بلا مأوي ثم عاد إلي بغداد حيث آواه بعض الناس‏.‏
وقد استضافني أحد شيوخ العشائر في محافظة ديالي في أحد استراحات صدام حسين حيث استولي هو عليها وأصبحت ضمن ممتلكاته وتناولت فيها الغداء مع كثير من رجال العشيرة‏.‏
أما رجال البعث فقد اختفوا خشية الانتقام منهم ذلك الانتقام الذي بدأت وتيرته تزداد في الفترة الأخيرة وقد قتل العشرات أو المئات منهم بشكل دموي طال أسرهم وأطفالهم في بعض الأحيان‏,‏ وقد نشرت صحيفة الحياة في تقرير لها نشرته في‏3‏ أغسطس الجاري عن تصاعد عمليات التصفية للمسئولين البعثيين السابقين حتي أن أبرز الذين قتلوا خلال أسبوع واحد كان من بينهم عميد كلية الصيدلة في جامعة بغداد الدكتور مصطفي الهيتي كما لقي المصير نفسه الرئيس السابق للجامعة عميد كلية الطب الدكتور محمد الراوي الذي كان من كبار قيادات البعث في العراق كما قتل الدكتور فائز غني عزيز المدير العام لإحدي أكبرالشركات الصناعية في البلاد كما أن عمليات التصفية للمترجمين العراقيين الذين يعملون مع القوات الأمريكية وصلت إلي ثمانية في أسبوع واحد وقد روي لي المواطنون العراقيون قصصا مرعبة عن عمليات التصفية التي تقع للمسئولين البعثيين السابقين وحتي لأسرهم حيث شاهدت صورا مرعبة لتصفية عائلة أحد قيادات البعث ضمت كل أطفاله ذبحا بالسكين ومعهم عاملان كانا يقومان مصادفة بتركيب أجهزة تكييف في بيت استأجره قبل يومين ظنا منه أنه أصبح بمنأي عن طالبيه‏.‏
لم يكن سقوط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس في بغداد في التاسع من إبريل الماضي مجرد سقوط لأحد تماثيل صدام التي كانت تملأ أرجاء العراق ولكنه كان سقوطا لحكم‏'‏ الرجل الصنم‏'‏ ونظامه وعائلته ورجاله‏*‏