334‏السنة 123-العدد2003اغسطس16‏18 جماد ثان 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

لعبة الست

سهام ذهني


اختلف الرجال اليوم عن زمان‏.‏ ففي الماضي القريب كان الرجل يلهث وراء المرأة التي لا تعرض نفسها عليه‏.‏ أما اليوم فقد اشتري الرجل دماغه ـ علي حد التعبير الشهير حاليا ـ وصار لا يلهث ولا يتعب نفسه‏,‏ وإنما أصبحت المرأة المفضلة لديه هي التي تعرض نفسها‏,‏ بل والتي تعرض بإلحاح كأي سلعة تعلن عن نفسها وتطارد المستهلك‏,‏ ومع تكرار الإعلان يشتري وربما يتزوج‏.‏ قد يشتريها ويحتفظ بها بدون الرغبة في بقائها‏,‏ وقد يسأل نفسه بعد فترة لماذا اشتريتها وهي ليست النوع الذي أريد‏,‏ وربما يلوم نفسه لأنه كان يحلم بأخري مختلفة‏,‏ إنما لأنها غير معروضة في الإعلانات فقد استسهل واشتري التي عرضت‏,‏ ولأنه قد دفع في المرأة التي أعلنت إذن فهو مضطر للاحتفاظ بها‏.‏
فمع اعتياد الاستسهال حاليا صار الرجل قليلا ما يتعب نفسه بالذهاب إلي المرأة بنفسه فهو يفضل الأسهل مثل الاستسهال في الحصول علي الطلبات المختلفة بالتليفون‏,‏ فهو يشتري ما يريد من المحلات التي تعلن عن التوصيل إلي المنازل‏,‏ بدلا من أن يتعب نفسه بالذهاب للشراء من الأماكن التي لا تبيع إلا للزبون الذي يأتي‏.‏
ومن هنا أصبح إعلان المرأة عن نفسها يحقق لها النتيجة التي تريدها وهي أن يدفع الرجل ويشتريها‏,‏ وهي لا تعلن فقط عن نفسها وإنما بإلحاح فقد تطرق المرأة باب الرجل أو الزبون فيصدها مرة واثنتين‏,‏ فإذا كانت متبلدة الكرامة وواصلت الدق علي الباب للمرة الثالثة والرابعة وربما أكثر فإن رجل اليوم عادة ما يفتح لها في النهاية الباب كي يشتري دماغه التي لا تحتمل استمرار تجاهل الدق إنها تدق بابه فينظر من العين السحرية للباب وينفي وجوده‏,‏ فتأتيه في وقت آخر‏.‏ يغلق تليفونه المحمول فترسل له رسائل ملتهبة بنار الشوق علي التليفون‏,‏ تتصل به في الصباح‏,‏ وفي فترة الظهيرة‏,‏ ثم من جديد تتصل حين يأتي المساء‏.‏
تذهب إليه في مكتبه‏,‏ تنتظره أمام سيارته‏,‏ توجد في الأماكن التي تعرف أنه يوجد فيها‏.‏ مع الحرص عند ذهابها إلي تلك الأماكن ألا تكون فقط في أبهي زينتها‏,‏ بل وهي في أحط عري يمكن أن تظهر به في الأماكن العامة‏.‏ أما إذا سمح لها بزيارته في مكتبه فإنها تضيف إلي ارتدائها للملابس الفاضحة أن تجلس بحيث يظهر منها أقصي ما يمكن أن يظهر من امرأة في مكتب اقتداء بمونيكا التي سبق أن صرحت بأنها كانت تحرص عند جلوسها أمام الرئيس كلينتون علي أن تظهر ملابسها الداخلية‏,‏ ولا تكتفي بتقليد مونيكا في طريقة الجلوس إنما تضيف إلي ذلك حرصها علي أن تؤجج في وجودها بكل التلميحات التي تشير له من خلالها بأنها علي استعداد بأن تسمح له أن يكون كل هذا الذي يري والذي لا يري بين يديه‏,‏ إلي أن يحاول أن يختلس منها أقصي ما يمكن اختلاسه في مكتب فتشير إلي أنها لا مانع لديها من أن يوصلها إلي بيتها بسيارته الخاصة ثم أن لا مانع لديها من أن تعرج السيارة بهما إلي شقته الخاصة‏.‏ ثم تتظاهر أمامه بأن كل ما أعطته له لم تعطه لسواه من قبل‏.‏ إنما هو وحده لأنها لم تتمكن من أن تقاوم سحره وجاذبيته ورجولته وقوته وتميزه‏,‏ وبريق عينيه وفتوة ساعديه إلي آخره‏,‏ إلي آخره
وعندما يثني هو الآخر علي ما وجده منها فإنها لا يفوتها أن توحي له بأنها مازال لديها المزيد من أجل إسعاده‏,‏ كما لا يفوتها أيضا أن توحي له بأنها لا يمكن أن تشبع من كل هذه الروعة التي ذاقتها علي يديه‏.‏ وتظل تلح وتلح استنادا إلي مقولة أن الزن علي الأذن أقوي من السحر‏.‏ وفي الغالب تنجح في الإيقاع به زوجا‏,‏ ممولا لطموحاتها‏,‏ ورافعا لمكانتها‏,‏ وخيال مآتة تهش بزواجها به من ينهش في سيرتها التي كانت والتي أصبحت والتي سوف تكون‏.‏
لقد كان الرجل الذي تستسلم له المرأة بدون زواج يتركها بعد ذلك مستخدما التعبير الشهير في الماضي بأنه قد أخذ منها ما يريد‏.‏ بينما اليوم يتزوجها‏,‏ فهو لم يأخذ منها ما يريد وإنما هي أعطته ما حددت له أن تعطيه من منطلق أن يجرب البضاعة وبعد أن يتذوق يكون هناك الوعد بالمزيد والإغراء بالكفاءة في التجديد طالما أن كل ما يحيط بالرجل والمرأة اليوم يحصر ما بينهما في استسهال العلاقة الحسية وليس علاقة الحب المتكامل‏.‏
فما الداعي لـ شحتفة القلب من أجل نظرة ثم سلام ومن بعدهما قد يأتي الموعد واللقاء أو يتأخر‏.‏ لماذا البحث عما يريد طالما من الممكن التسوق بدون تعب بطريقة اتصل الآن لتصلك السلعة المطلوبة حيثما كان تلقي بنفسها تحت قدميه‏,‏ وهي تتظاهر بأنها لا تريد منه سوي أن يسمح لها بأن تستمتع بالوجود إلي جواره‏,‏ وأنها لا تلزمه بأي ارتباط رسمي ويكفيها أن تنعم بالاقتراب من حياة أجمل من شافت وأقوي من رأت وأعظم من عرفت‏.‏ تتظاهر بالضعف الذي تمارس به كل قوتها‏,‏ وخلال نشوته بتمجيدها لعظمته وقوته وجماله ووسامته وطلعته البهية ورقته المتناهية وأناقته التي لا مثيل لها يجد فترات وجودها معه قد أصبحت أطول‏,‏ ثم فترات خروجها معه‏,‏ ثم فترات ظهورها في المجتمعات معه‏,‏ وما أن يراها الناس معه حتي تبدأ الخطوة التالية‏,‏ وهي أن تنثر أخبارا حول زواجهما الوشيك‏,‏ ولا مانع من أن تنثر أنها بالفعل قد صارت زوجته‏,‏ لو التزم الصمت تجاه الأمر أشاعت أن الصمت علامة الرضا‏,‏ أما لو أعلن النفي لما قيل فإن نفيه لا يعني نهاية الدنيا بالنسبة لها‏.‏ كما لا يعني أن تثور لكرامتها وتخبره بإنهاء علاقتهما‏,‏ بل تبتلع المهانة وتقبل الإهانة‏,‏ وبجلد سميك تقابله بابتسامة وتقسم بأنها لم تفعل وأن الرفاق هم الحريصون علي اكتشاف حبيبته من تكون‏,‏ وأنها لم تفصح لأحد‏,‏ إنما فرحة عيونه إلي جوارها هي التي فضحت ما بينهما من علاقة‏,‏ وتدير من جديد اسطوانة أنها مكتفية بحبه‏,‏ أنها لم تطلب منه شيئا‏,‏ فقط القرب منه هو مناها‏,‏ وفقط الاستمتاع بوجودها معه هو أقصي ما تحلم به‏.‏
وترتمي الممثلة تحت قدميه وتواصل إجادة أداء الدور وعندما ينحني السبع ليربت علي كتف المظلومة تتشبث به ولا يصبح أمامه مفرا من أن يحمل الضعيفة المنهارة أمامه وإذا بها تركبه وتدلدل ساقيها علي حد التعبير الذي يصف الرجل الذي تجبره امرأة علي أن يفعل ما تريد بأنها تحوله إلي دابة تركبها وتأخذه إلي طرق ما كان سيسلكها من قبل ويجد نفسه قد تزوجها‏,‏ أما ما يعقب هذا النوع من الزواج فسيناريوهاته متعددة يجمع بينها أن هذا النوع من الرجال الذي كان يريد أن يشتري دماغه إذ به يجد نفسه‏,‏ قد باع أحلامه‏.‏ استسهل من ظنها امرأة سهلة فسحبته السهول ذات الرمال المتحركة‏.‏
ومازالت أعداد النساء العارضات لأنفسهن كسلعة تتزايد‏,‏ ومازال الرجال الذين لا يريدون أن يركبوا سوي السهل في ازدياد‏.‏
أما المرأة الصعبة العزيزة العفيفة فلا يبذل الجهد من أجل الفوز بها سوي الرجل الفارس‏,‏ ذلك الرجل الذي لا يتردد تجاه اجتيازه الصحاري والجبال من أجل الوصول إلي زهرة برية ندية‏,‏ ارتوت من مياه نقية‏,‏ ولوحت للدنيا بفعل هواء نقي‏,‏ وحصلت علي زهزهة طبيعية مع الشمس والهواء والطل‏.‏
قليلة اليوم هي الزهور البرية‏.‏ وأقل منها الفارس الذي لا يستسهل الجلوس في الظل‏.‏
‏ كاتبة صحفية ـ مصر
‏sehamzohny@hotmail.com‏