
|
الإصلاح العربي |
 | |
اسامة سرايا ليس أمامنا من معبر للاستقرار إلا بالتدخل العربي المحسوس والدقيق, الذي يراعي الحساسيات العربية, ويحترم الشارع العربي بكل اتجاهاته, فأمريكا اكتشفت رغم قوة مؤسساتها العسكرية أنها غير قادرة علي فرض الأمن والسلام, اللذين يتطلبان إرادة عراقية وروحا عربية للمساعدة. في بادرة شجاعة جاء التحرك الأخير لقادة مصر والسعودية وسوريا, لإصدار برنامج لإصلاح الأوضاع العربية, والسعي لإجراء تغييرات حقيقية وصادقة وأمينة في جامعة الدول العربية, وتقديم مشروع متكامل لعمليات الإصلاح وبناء نظام عربي جديد, يعرض علي القمة العربية الدورية القادمة, المقرر انعقادها في تونس. إنها خطوة ـ لا شك ـ تستحق تأييد الشارع العربي لها, فهذا المشروع يعني تقديم رؤية جديدة, تترجم الإحساس بأهمية إحداث تغيير في الواقع الراهن, وتعد اعترافا صريحا بفشل الأوضاع السابقة, وعدم قدرتها علي تلبية طموحات الإنسان العربي. المشروع الجديد, يترجم موقف العرب من القضية الفلسطينية, بصياغة وروح المبادرة العربية التي قدمت في قمة بيروت, ولاقت إجماعا عربيا للسير في طريق حل الصراع القديم والمتفاقم بين العرب والإسرائيليين سياسيا, وعبر التفاوض. وفي هذه المرة يكشف العرب عن جبهة موحدة تلزم كل الأطراف بأن يحترموا قرارات جامعتهم, ويكون تفاوضهم جماعيا, لتحقيق السلام الشامل, وتمنح هذه الأوضاع الجديدة كل الدعم للمفاوض الفلسطيني والسوري واللبناني, حتي يستكمل مساره السلمي الذي ينتهي باعتراف إسرائيلي بحدود الدول المجاورة, وبانسحاب شامل من الأراضي المحتلة في عام1967 من كل الدول العربية, وقيام دولة فلسطينية مرتقبة يعود إليها جميع الفلسطينيين بحرية كاملة, وأن تكون هذه الدولة قابلة للنمو, تجمعها حدود مشتركة مع الدول العربية, وخالية من المستوطنات الإسرائيلية, ويحصل الفلسطينيون داخلها علي حريتهم الكاملة, لإقامة سلطتهم الوطنية وممارسة سيادتهم الحقيقية علي أرضهم لأول مرة. ويعكس الموقف العربي, المحدد في ورقة التصحيح المقدمة للقمة, حالة من وضوح الرؤية, لدي العرب في توحيد جهودهم, لاجتياز معركة السلام وهي من المعارك القاسية التي إذا لم تكن شبيهة بالمعارك العسكرية, فهي لا تقل ضراوة عنها, وتحتاج إلي تكاتف وتماسك عربي مستمر وعميق, وقد اجتاز العرب محطات عديدة علي طريق السلام وقطعوا خطوات في العمق الفلسطيني, وحصلوا علي تعهد عالمي من الرباعية الدولية( أمريكا وأوروبا وروسيا والأمم المتحدة). وهناك وعد بإقامة الدولة الفلسطينية, وهو وعد, له أبعاد دولية متعددة, يفوق وعد بلفور للإسرائيليين قبل قيام دولتهم في الأربعينيات, فهو لم يتوقف عند مجرد الوعد, بل أصبح التزاما محاطا بخريطة للطريق أصدرتها الدولة العظمي, ومبدأ معلنا من الرئيس الأمريكي جورج بوش. وبذلك تحصل القضية الفلسطينية في إطار التفاوض والحل السياسي علي اعتراف عالمي ومكانة متزايدة لا يمكن لأحد التقليل من شأنها, وبرغم اعترافنا بصعوبات السلام والتفاوض وأساليب إسرائيل في افتعال المشاكل ونقض الاتفاقيات, ومحاولات التملص من التزاماتها الدولية, ورفض التسليم بالحقوق المشروعة للفلسطينيين, فإن وضوح الرؤية لدي الفلسطينيين, ولدي العرب بشكل جماعي يجعلهم قادرين علي تجاوز عقبة السلام, بل وفرضه علي إسرائيل, لأن الحقوق الفلسطينية لا يمكن إنكارها, وتمتلك حجية أخلاقية وقانونية وسياسية, من السهل فرضها عالميا وإلزام المعتدي بالتسليم بها, بشكل مباشر. ولكن يستطيع الإسرائيليون أن يلتمسوا وسائل للهروب والتنصل من التزاماتهم باستغلال أخطاء سياسية, أو أوضاع إقليمية وعالمية قد تكون غير مواتية, كحالات العنف المتزايد, فيبرروا أساليبهم القمعية والوحشية في التعامل مع الفلسطينيين, ولكن في ظل الأوضاع الراهنة وبعد أن أصبح للفلسطينيين حكومة قوية, وتناغم متزايد بين الحكومة والفصائل والشعب الفلسطيني, وتماسك الجبهة الداخلية بصورة لا تسمح لأحد باختراقها, أو افتعال الأزمات للمماطلة في سداد الحقوق والاعتراف بها. وعندما يكون هناك ظهر قوي للفلسطينيين متمثلا في وضع عربي صحيح وقوي وموحد. فإن القوة تتضاعف ويكون لها تأثير سحري علي مستقبل الدولة والشعب الفلسطيني. أما القضية الثانية المحورية.. وهي العراق, فإن التطورات المتلاحقة تكشف عن أن القوة مهما عظمت لا تستطيع أن تفرض أو تلغي الحقوق, وأن الشعب العراقي مهما كان ضعيفا وبلا جيش أو حكومة, فإنه قادر بتماسكه الداخلي, ورفضه للاحتلال, أن يكون مؤثرا ومالكا لإرادته ومستقبله. فأخيرا اكتشفت أمريكا, أن قوتها لن ترسم المستقبل في العراق, وأن الديمقراطية فعل وطني خالص لا تملكه قوة الاحتلال, وهنا فإن المحتل هو الذي يطلب التدخل العربي للإنقاذ, وحماية العراق ومنطقة الشرق الأوسط, من الفوضي, ولكي يحدث ذلك ـ كما تشير ورقة الإنقاذ العربي ـ يجب أن يكون عبر الشرعية الدولية, أي بصدور قرارات من الأمم المتحدة ودخول العرب إلي العراق لإعماره والحفاظ علي أمنه, فهذا حق للعراقيين, والعرب يمثلون ظهيرا لهم, ونحن في حاجة إلي عراق محرر وقوي, يملك إرادته وسيادته, ويجب مساعدته علي تحقيق هذا الهدف, عبر الشرعية الدولية بتنفيذ خريطة طريق أخري.. واعتراف أمريكي حاسم بتحديد موعد لإنهاء الاحتلال, ومنح الشعب العراقي حقوقه كاملة, وسيادته علي أرضه. وليس أمامنا من معبر للاستقرار إلا بالتدخل العربي المحسوس والدقيق, الذي يراعي الحساسيات العربية, ويحترم الشارع العربي بكل اتجاهاته, فأمريكا اكتشفت رغم قوة مؤسساتها العسكرية أنها غير قادرة علي فرض الأمن والسلام, اللذين يتطلبان إرادة عراقية وروحا عربية للمساعدة. وبحل الأزمتين العراقية والفلسطينية, تخطو منطقة الشرق الأوسط إلي واقع أفضل, ورؤية مختلفة, ومستقبل آمن, ولكن يجب أن نعترف جميعا بأن هذا ليس معيارا للقوة العربية, فالقوة لها معايير مختلفة وأهمها التعاون العسكري والأمني والاقتصادي, ولا يتحقق هذا إلا بفتح الأسواق العربية للأموال والسلع والخدمات, وتيسير حركة الناس في المنطقة, لإقامة بناء اقتصادي عربي موحد, وهذا لن يتحقق بدون أموال ودخول بنوك عربية ودولية, لتشييد بنية أساسية من الطرق والكهرباء والمياه وشبكات السكك الحديدية والطيران فهذا وحده سيفتح المجال واسعا أمام الحرية الاقتصادية للعرب ليعملوا بشكل مشترك وجماعي. ولن تتحقق الحرية الاقتصادية بدون الحرية السياسية, لإقامة نظام سياسي ديمقراطي حر في جميع البلدان العربية, لينتهي عصر العسكريين, والقوي التقليدية, ويعلو شأن المجتمع المدني العربي ببنيته السياسية والقانونية القوية والفعالة, فيحصل كل مواطن علي حقه مهما صغر شأنه, ويد فع كل مواطن حقوقه والتزاماته مهما علا شأنه. إن الإصلاحات الداخلية لكل قطر عربي في الشأنين الاقتصادي والسياسي هي طريق مفتوح للإصلاحات العربية الشاملة. ويبدو لي أن لحظات الصدق العربي مع النفس قادمة للإصلاح والانتقال من حال إلي حال, وتحية لورقة الإصلاح, وتحية أكبر للعقول والنفوس التي تملك رؤية وقدرة علي التنفيذ.
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|