334‏السنة 123-العدد2003اغسطس16‏18 جماد ثان 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

الإصلاح العربي

اسامة سرايا


ليس أمامنا من معبر للاستقرار إلا بالتدخل العربي المحسوس والدقيق‏,‏ الذي يراعي الحساسيات العربية‏,‏ ويحترم الشارع العربي بكل اتجاهاته‏,‏ فأمريكا اكتشفت رغم قوة مؤسساتها العسكرية أنها غير قادرة علي فرض الأمن والسلام‏,‏ اللذين يتطلبان إرادة عراقية وروحا عربية للمساعدة‏.‏
في بادرة شجاعة جاء التحرك الأخير لقادة مصر والسعودية وسوريا‏,‏ لإصدار برنامج لإصلاح الأوضاع العربية‏,‏ والسعي لإجراء تغييرات حقيقية وصادقة وأمينة في جامعة الدول العربية‏,‏ وتقديم مشروع متكامل لعمليات الإصلاح وبناء نظام عربي جديد‏,‏ يعرض علي القمة العربية الدورية القادمة‏,‏ المقرر انعقادها في تونس‏.‏
إنها خطوة ـ لا شك ـ تستحق تأييد الشارع العربي لها‏,‏ فهذا المشروع يعني تقديم رؤية جديدة‏,‏ تترجم الإحساس بأهمية إحداث تغيير في الواقع الراهن‏,‏ وتعد اعترافا صريحا بفشل الأوضاع السابقة‏,‏ وعدم قدرتها علي تلبية طموحات الإنسان العربي‏.‏
المشروع الجديد‏,‏ يترجم موقف العرب من القضية الفلسطينية‏,‏ بصياغة وروح المبادرة العربية التي قدمت في قمة بيروت‏,‏ ولاقت إجماعا عربيا للسير في طريق حل الصراع القديم والمتفاقم بين العرب والإسرائيليين سياسيا‏,‏ وعبر التفاوض‏.‏
وفي هذه المرة يكشف العرب عن جبهة موحدة تلزم كل الأطراف بأن يحترموا قرارات جامعتهم‏,‏ ويكون تفاوضهم جماعيا‏,‏ لتحقيق السلام الشامل‏,‏ وتمنح هذه الأوضاع الجديدة كل الدعم للمفاوض الفلسطيني والسوري واللبناني‏,‏ حتي يستكمل مساره السلمي الذي ينتهي باعتراف إسرائيلي بحدود الدول المجاورة‏,‏ وبانسحاب شامل من الأراضي المحتلة في عام‏1967‏ من كل الدول العربية‏,‏ وقيام دولة فلسطينية مرتقبة يعود إليها جميع الفلسطينيين بحرية كاملة‏,‏ وأن تكون هذه الدولة قابلة للنمو‏,‏ تجمعها حدود مشتركة مع الدول العربية‏,‏ وخالية من المستوطنات الإسرائيلية‏,‏ ويحصل الفلسطينيون داخلها علي حريتهم الكاملة‏,‏ لإقامة سلطتهم الوطنية وممارسة سيادتهم الحقيقية علي أرضهم لأول مرة‏.‏
ويعكس الموقف العربي‏,‏ المحدد في ورقة التصحيح المقدمة للقمة‏,‏ حالة من وضوح الرؤية‏,‏ لدي العرب في توحيد جهودهم‏,‏ لاجتياز معركة السلام وهي من المعارك القاسية التي إذا لم تكن شبيهة بالمعارك العسكرية‏,‏ فهي لا تقل ضراوة عنها‏,‏ وتحتاج إلي تكاتف وتماسك عربي مستمر وعميق‏,‏ وقد اجتاز العرب محطات عديدة علي طريق السلام وقطعوا خطوات في العمق الفلسطيني‏,‏ وحصلوا علي تعهد عالمي من الرباعية الدولية‏(‏ أمريكا وأوروبا وروسيا والأمم المتحدة‏).‏
وهناك وعد بإقامة الدولة الفلسطينية‏,‏ وهو وعد‏,‏ له أبعاد دولية متعددة‏,‏ يفوق وعد بلفور للإسرائيليين قبل قيام دولتهم في الأربعينيات‏,‏ فهو لم يتوقف عند مجرد الوعد‏,‏ بل أصبح التزاما محاطا بخريطة للطريق أصدرتها الدولة العظمي‏,‏ ومبدأ معلنا من الرئيس الأمريكي جورج بوش‏.‏
وبذلك تحصل القضية الفلسطينية في إطار التفاوض والحل السياسي علي اعتراف عالمي ومكانة متزايدة لا يمكن لأحد التقليل من شأنها‏,‏ وبرغم اعترافنا بصعوبات السلام والتفاوض وأساليب إسرائيل في افتعال المشاكل ونقض الاتفاقيات‏,‏ ومحاولات التملص من التزاماتها الدولية‏,‏ ورفض التسليم بالحقوق المشروعة للفلسطينيين‏,‏ فإن وضوح الرؤية لدي الفلسطينيين‏,‏ ولدي العرب بشكل جماعي يجعلهم قادرين علي تجاوز عقبة السلام‏,‏ بل وفرضه علي إسرائيل‏,‏ لأن الحقوق الفلسطينية لا يمكن إنكارها‏,‏ وتمتلك حجية أخلاقية وقانونية وسياسية‏,‏ من السهل فرضها عالميا وإلزام المعتدي بالتسليم بها‏,‏ بشكل مباشر‏.‏ ولكن يستطيع الإسرائيليون أن يلتمسوا وسائل للهروب والتنصل من التزاماتهم باستغلال أخطاء سياسية‏,‏ أو أوضاع إقليمية وعالمية قد تكون غير مواتية‏,‏ كحالات العنف المتزايد‏,‏ فيبرروا أساليبهم القمعية والوحشية في التعامل مع الفلسطينيين‏,‏ ولكن في ظل الأوضاع الراهنة وبعد أن أصبح للفلسطينيين حكومة قوية‏,‏ وتناغم متزايد بين الحكومة والفصائل والشعب الفلسطيني‏,‏ وتماسك الجبهة الداخلية بصورة لا تسمح لأحد باختراقها‏,‏ أو افتعال الأزمات للمماطلة في سداد الحقوق والاعتراف بها‏.‏
وعندما يكون هناك ظهر قوي للفلسطينيين متمثلا في وضع عربي صحيح وقوي وموحد‏.‏ فإن القوة تتضاعف ويكون لها تأثير سحري علي مستقبل الدولة والشعب الفلسطيني‏.‏
أما القضية الثانية المحورية‏..‏ وهي العراق‏,‏ فإن التطورات المتلاحقة تكشف عن أن القوة مهما عظمت لا تستطيع أن تفرض أو تلغي الحقوق‏,‏ وأن الشعب العراقي مهما كان ضعيفا وبلا جيش أو حكومة‏,‏ فإنه قادر بتماسكه الداخلي‏,‏ ورفضه للاحتلال‏,‏ أن يكون مؤثرا ومالكا لإرادته ومستقبله‏.‏
فأخيرا اكتشفت أمريكا‏,‏ أن قوتها لن ترسم المستقبل في العراق‏,‏ وأن الديمقراطية فعل وطني خالص لا تملكه قوة الاحتلال‏,‏ وهنا فإن المحتل هو الذي يطلب التدخل العربي للإنقاذ‏,‏ وحماية العراق ومنطقة الشرق الأوسط‏,‏ من الفوضي‏,‏ ولكي يحدث ذلك ـ كما تشير ورقة الإنقاذ العربي ـ يجب أن يكون عبر الشرعية الدولية‏,‏ أي بصدور قرارات من الأمم المتحدة ودخول العرب إلي العراق لإعماره والحفاظ علي أمنه‏,‏ فهذا حق للعراقيين‏,‏ والعرب يمثلون ظهيرا لهم‏,‏ ونحن في حاجة إلي عراق محرر وقوي‏,‏ يملك إرادته وسيادته‏,‏ ويجب مساعدته علي تحقيق هذا الهدف‏,‏ عبر الشرعية الدولية بتنفيذ خريطة طريق أخري‏..‏ واعتراف أمريكي حاسم بتحديد موعد لإنهاء الاحتلال‏,‏ ومنح الشعب العراقي حقوقه كاملة‏,‏ وسيادته علي أرضه‏.‏
وليس أمامنا من معبر للاستقرار إلا بالتدخل العربي المحسوس والدقيق‏,‏ الذي يراعي الحساسيات العربية‏,‏ ويحترم الشارع العربي بكل اتجاهاته‏,‏ فأمريكا اكتشفت رغم قوة مؤسساتها العسكرية أنها غير قادرة علي فرض الأمن والسلام‏,‏ اللذين يتطلبان إرادة عراقية وروحا عربية للمساعدة‏.‏
وبحل الأزمتين العراقية والفلسطينية‏,‏ تخطو منطقة الشرق الأوسط إلي واقع أفضل‏,‏ ورؤية مختلفة‏,‏ ومستقبل آمن‏,‏ ولكن يجب أن نعترف جميعا بأن هذا ليس معيارا للقوة العربية‏,‏ فالقوة لها معايير مختلفة وأهمها التعاون العسكري والأمني والاقتصادي‏,‏ ولا يتحقق هذا إلا بفتح الأسواق العربية للأموال والسلع والخدمات‏,‏ وتيسير حركة الناس في المنطقة‏,‏ لإقامة بناء اقتصادي عربي موحد‏,‏ وهذا لن يتحقق بدون أموال ودخول بنوك عربية ودولية‏,‏ لتشييد بنية أساسية من الطرق والكهرباء والمياه وشبكات السكك الحديدية والطيران فهذا وحده سيفتح المجال واسعا أمام الحرية الاقتصادية للعرب ليعملوا بشكل مشترك وجماعي‏.‏
ولن تتحقق الحرية الاقتصادية بدون الحرية السياسية‏,‏ لإقامة نظام سياسي ديمقراطي حر في جميع البلدان العربية‏,‏ لينتهي عصر العسكريين‏,‏ والقوي التقليدية‏,‏ ويعلو شأن المجتمع المدني العربي ببنيته السياسية والقانونية القوية والفعالة‏,‏ فيحصل كل مواطن علي حقه مهما صغر شأنه‏,‏
ويد فع كل مواطن حقوقه والتزاماته مهما علا شأنه‏.‏
إن الإصلاحات الداخلية لكل قطر عربي في الشأنين الاقتصادي والسياسي هي طريق مفتوح للإصلاحات العربية الشاملة‏.‏
ويبدو لي أن لحظات الصدق العربي مع النفس قادمة للإصلاح والانتقال من حال إلي حال‏,‏ وتحية لورقة الإصلاح‏,‏ وتحية أكبر للعقول والنفوس التي تملك رؤية وقدرة علي التنفيذ‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا