380‏السنة 123-العدد2004يوليو3‏14 جمادى أول 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

‏..‏ وكاتب قبطي يشيد بقرار عرض الفيلم‏:‏

نعم يوجد هنا مسيحيون فعلا

‏ نبيل نجيب سلامة
الهيئة القبطية الإنجيلية


لست أعلم سببا لخوف بعض أصحاب السلطة من اتخاذ قرار في موضوع ما‏,‏ قد يشعر أنه يمس من قريب أو بعيد شريحة بعينها من شرائح المجتمع‏!‏
أقول ذلك بمناسبة الجدل الذي أثير أخيرا حول الفيلم السينمائي بحب السيما بسبب أن قصته تدور أحداثها داخل أسرة مصرية مسيحية‏,‏ كذلك كل الشخصيات المحورية في الفيلم مسيحية‏,‏ وأيضا كاتب الفيلم‏,‏ ومخرجه كلاهما مسيحيان‏!!‏الفيلم شأنه‏,‏ شأن أي فيلم به العديد من الإيجابيات‏,‏ وكذلك السلبيات‏,‏ ظل حبيس المخازن أكثر من ثلاث سنوات‏,‏ بعد أن تعثر إنتاجه أيضا لعدة سنوات‏,‏ إلي أن بدأ يأخذ أولي خطواته للنور‏,‏ حيث اصطدم بالرقيب الذي رفض التصريح بعرض الفيلم بدعوي أنه يتعرض لحياة المسيحيين الشخصية‏,‏ ويجب أولا عرضه علي رجال الكنيسة لأخذ رأيها بشأن التصريح بعرضه أو لا‏,‏ فما كان من المنتج إسعاد يونس‏,‏ والمخرج أسامة فوزي‏,‏ إلا التظلم من القرار أمام لجنة التظلمات‏,‏ ليتم الاتفاق علي عرض الفيلم أمام مجموعة من المفكرين والإعلاميين والسينمائيين المسلمين والمسيحيين‏,‏ كان ردهم‏:‏ أهلا بحرية الإبداع‏,‏ لا لكل من يحاول أن يكبل رأيا أو فكرا بقيود يدعي أنها لصالح الدين أي دين‏.‏
وأخيرا خرج الفيلم إلي النور بعد وضع جملة هلامية تقول للكبار فقط ويقول المجتمع كلنا بنحب السيما‏,‏ ويبدأ عرض الفيلم داخل العشرات من دور العرض في مصر وخارجها‏,‏ وليحقق في أسبوع عرضه الأول في مصر أكثر من نصف مليون جنيه‏.‏
بحب السيما دراما اجتماعية‏,‏ حاول كاتبها الاقتراب من بعض الأفكار الحساسة كما يدعي البعض‏,‏ مثل الصراع الداخلي الذي يعيشه البعض بين الحرية والتزمت‏,‏ الحرام والحلال‏,‏ يريد أن يوجه من خلالها صرخة لكل إنسان يدعي أنه صاحب الحقيقة المطلقة في أمور عامة‏,‏ أو خاصة‏,‏ تقول‏:‏ نحن أدري بمصلحتنا‏.‏
تدور قصة الفيلم عام‏1966,‏ كما سبق أن أشرنا حول أسرة مصرية مسيحية تعيش في حي شبرا‏,‏ أحد أكبر أحياء القاهرة التي يسكنها مسيحيون‏,‏ وتستغرق أحداثه عاما كاملا‏,‏ تنتهي مع وقوع هزيمة‏5‏ يونيو‏1967,‏ وإعلان الرئيس عبدالناصر تنحيه عن الحكم‏.‏
رب الأسرة‏,‏ عدلي محمود حميدة يعمل أخصائيا اجتماعي بإحدي المدارس‏,‏ شديد الطيبة‏,‏ يخشي بحكم نشأته الدينيةمن عقاب الآخرة إلي حد الهوس‏,‏ نراه يقع ضحية لطلبة المدرسة الذين يستغلون طيبته للنصب عليه والحصول منه علي الأموال سواء الشخصية‏,‏ أم التي تخص بعض أنشطة المدرسة‏,‏ عدلي شخصية متزمتة في كل جوانب الحياة‏,‏ يشعر بالقهر من جانب المحيطين به‏,‏ خاصةمن رئيسه المباشر ناظر المدرسة الحرامي‏,‏ ورغم ذلك هو يمارس نفس أسلوب القهر الذي يتعرض له‏,‏ علي زوجته عنايات ليلي علوي‏,‏ وطفله نعيم الطفل يوسف عثمان وابنته نعيمة الطفلة ياسمين عاطف معتبرا أن العديد من مباهج الحياة حرام‏,‏ كالعلاقة الزوجية بعد أن تكون قد أدت رسالتها‏,‏ وأنجبت الأطفال‏,‏ كذلك مشاهدة التليفزيون‏,‏ والأفلام السينمائية وغيرها‏.‏
تستمر الأحداث‏,‏ ويستمر معها مسلسل القهر داخل الأسرة وخارجها فتري الطفل نعيم‏,‏ أيضا الذي يحب السيما‏,‏ يمارس القهر علي خالته نوسة منة شلبي التي رآها مع خطيبها لمعي‏,‏ وهما يتبادلان القبلات‏,‏ وعلي جدته المريضة‏,‏ وعلي الأطفال في المدرسة التي تعمل بها والدته ناظرة‏.‏
عنايات‏,‏ الزوجة أيضا مقهورة‏,‏ من جميع الأطراف رغم أنها فنانة تشكيلية‏,‏ من المفروض أنها ذات حس مرهف‏,‏ إلا أنها اضطرت إلي ممارسة القمع علي زوجها أيضا وكبتت رغباتها وأحلامها حتي أصبح من السهل عليها الوقوع في الخطيئة‏,‏ خاصة مع ظهور زميلها الفنان التشكيلي ممدوح زكي فطين عبدالوهاب الذي يروي لها أزمته مع الزواج‏,‏ وكيف تخلت عنه خطيبته فور القبض عليه ودخوله المعتقل‏,‏ وتبدأ بينهما قصة حب جديدة من خلال مشاكلهما الأسرية‏,‏ لكن ما لبثت أن انتهت حيث تشعر الزوجة بالخطأ الكبير الذي كان من الممكن أن تقع فيه مع زميلها‏,‏ وسرعان ما تعود إلي رشدها‏,‏ وتطلب من الله أن يصفح عنها هذا الخطأ‏.‏
مع مرور الوقت يكتشف عدلي أن أقرب الناس إليه سواء من داخل الأسرة الصغيرة‏,‏ أم من خارجها ـ لا يستمعون إلي النصائح والإرشادات التي يقدمها لهم‏,‏ ويفعلون المحرمات‏,‏ فيشعر في داخله بالهزيمة‏,‏ ويبدأ في استرجاع شريط حياته‏,‏ فيكتشف أن علاقته بالله طوال السنين الماضية كانت علاقة خوف‏,‏ وليس حبا فينجرف هو أيضا إلي المحرمات‏,‏ فيدخل السيما مع ابنه نعيم‏,‏ ويشاهد التليفزيون‏,‏ ويظل علي هذا الحال حتي تنتهي حياته مع غروب شمس نفس اليوم الذي أعلن فيه جمال عبدالناصر تنحيه عن الحكم باعتباره المسئول عن هزيمة يونيو‏.1967‏
الفيلم يدخل في أعماق شريحة قليلة من المسيحيين‏,‏ تمثلها هذه الأسرة‏,‏ بمعتقداتها وخلافاتها المستمرة التي تمتد حتي إلي داخل الكنيسة‏,‏ وهو نقلة جديدة في تاريخ السينما المصرية‏,‏ تميز كاتبه هاني فوزي‏,‏ بالجرأة‏,‏ وجاء بسيناريو سلس وواقعي‏,‏ علي الرغم من اعتراض البعض‏,‏ وبخاصة من المسيحيين علي قصة الفيلم‏,‏ فعلي الرغم من كونه في الأساس فنانا تشكيليا‏,‏ إلا أنه درس السينما‏,‏ والنقد السينمائي‏,‏ فجاءت أعماله الثلاثة التي قدمها للسينما حتي الآن أرض الأحلام ـ فيلم هندي ـ بحب السيما أعمالا متميزة تمثل سينما واقعية راقية‏,‏ لذلك كان من الطبيعي أن يتم ترشيح هذا الفيلم ليمثل مصر في العديد من المهرجانات الدولية‏.‏
كما تميز المخرج الشاب أسامة فوزي‏,‏ في ثالث عمل أيضا له بعد عفاريت الأسفلت ـ وجنة الشياطين بأنه استطاع أن يضع الفيلم داخل كوكتيل من البهجة والمتعة التي لا تخلو من العمق علي مستوي الفكر والصورة‏,‏ خاصة في مشهد النهاية الذي جمع فيه بين لحظة الغروب‏,‏ وخبر تنحي عبدالناصر‏,‏ ووفاة عدلي‏,‏ كأن لسان حاله يقول هكذا انتهت مرحلة من الزمن بحلوها ومرها‏,‏ وهيا بنا نبدأ معا مرحلة جديدة‏,‏ علي الرغم من أن الفترة التي واكبت أحداث الفيلم‏,‏ وهي فترة الستينيات قد شهدت العديد من الأحداث السياسية‏,‏ التي فرضت علي المجتمع العديد من القيود‏.‏
كما نجح أسامة فوزي في تقديم وجه جديد للسينما المصرية‏,‏ قد يعيد إليها أفلام أنور وجدي وفيروز‏,‏ عمره اليوم عشر سنوات‏,‏ كما هو محور أحداث الفيلم علي الرغم من أنه لم يكن قد تجاوز السادسة وقت التصوير‏,‏ وهو الطفل يوسف عثمان‏.‏
أبطال الفيلم‏,‏ الفنانة ليلي علوي‏,‏ وعلي الرغم من حساسية العمل‏,‏ إلا أنها نجحت في تقديم الدور بتلقائية شديدة‏,‏ وكان لبساطتها في الأداء‏,‏ إلي جانب عدسة طارق التلمساني مدير التصوير‏,‏ دور كبير في أن يشعر المشاهد بأنه يعيش مع هذه الأسرة‏.‏
الفنان محمود حميدة‏,‏ يبحث دائما عن الجديد والصعب غير المألوف في الشخصيات التي يلعبها‏,‏ كما أنه استطاع أن يقرأ رؤية المخرج‏,‏ فنجح في تقديم الشخصية بصدق وأمانة‏,‏ أيضا في ثالث عمل له مع نفس المخرج‏,‏ منة شلبي اهتمت بجسدها أكثر من اهتمامها بالشخصية‏,‏ علي الرغم من أن تصوير هذا العمل كان في بداية حياتها الفنية‏,‏ كما أسهم المونتاج والملابس والديكور في تكثيف الحالة الشعورية للفيلم‏.‏
بحب السيما بالرغم من الحديث عن إيجابياته‏,‏ إلا أن هناك بعض السلبيات‏,‏ مثل الطفل نعيم الذي كان يتحدث بطلاقة‏,‏ علي الرغم من أنه لم يتجاوز السادسة من عمره‏,‏ وخاصة في حديثه عن الجنس‏,‏ كذلك إصرار الزوجة عنايات الفنانة التشكيلية علي أن معظم أعمالها الفنية صور لسيدات عاريات‏,‏ أيضا من الأخطاء التي تناولها الفيلم الألفاظ التي تفوهت بها الخالة عايدة عبدالعزيز‏,‏ في حفل زفاف ابنتها منة شلبي داخل الكنيسة‏,‏ والطفل الصغير وهو يتبول علي المعزين‏,‏ كذلك منة شلبي وهي تمارس الحب بالقبلات مع خطيبها أثناء الصلاة‏,‏ هناك أيضا بعض المبالغات في السياق الدرامي للعمل‏,‏ والتي توحي للمشاهد العادي‏,‏ أن حال هذه الأسرة هو نفسه حال شريحة كبيرة من المجتمع المصري المسيحي‏,‏ وهذا بالتأكيد خطأ‏.‏
في النهاية يجب أن نشيد بالدور الذي قام به الدكتور جابر عصفور‏,‏ الأمين العام للمجلس الأعلي للثقافة‏,‏ رئيس لجنة التظلمات‏,‏ كذلك الدكتور مدكور ثابت‏,‏ مدير عام الرقابة علي المصنفات الفنية‏,‏ في التأكيد علي أهمية إطلاق العنان أمام المبدعين في كل المجالات‏,‏ كي يعبروا عن رؤيتهم من خلال العديد من الأعمال الإبداعية سواء أكانت مقروءة أم مسموعة أم مرئية‏*‏