380‏السنة 123-العدد2004يوليو3‏14 جمادى أول 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

تأملات عالم أزهري أحب الفيلم والسينما معا‏:

تاريخ علي بيـاض تكتبه أسرة مصرية علي الشاشة

‏ د‏.‏ مبروك عطية
رئيس قسم اللغويات ـ جامعة الأزهر


مشيت وفي رأسي مشهد الغروب الذي أذن بالنهاية‏,‏ غروب الشمس التي لا تعرف الخلل‏,‏ فهي آية‏,‏ سحبت علي وجه البحر الذي لا يعرف الملل‏,‏ فلحركته غاية‏,‏ وعلي امتداد الرمل الذي لون حلل‏,‏ تحركت الدراجة علي بطء‏,‏ وعلي ظهرها رجل دنا منه الأجل‏,‏ وأمامه طفله الذي فرد ذراعيه‏,‏ فقص القدر جناحيه‏,‏ بموت أبيه الذي كان الأمل‏,‏ ذلك الطفل الذي ابتسم في وجه المحن‏,‏وأحب السينما رغم التعصب والنكسة وانكسار البطل‏,‏ ومازال في الليل نبض وإن غابت الشمس واختفي القمر‏.‏خرجت من الأهرام العربي وأنا أفكر متي أشاهد فيلم‏(‏ بحب السيما‏)‏ لأري ما رآه غيري وكتب عنه‏,‏ وأثار في ضوء مشاهدته ما أثار‏,‏ من قضايا متصلة بالدين والإبداع‏,‏ والفن‏,‏ والرقابة‏,‏ والأزهر‏,‏ والكنيسة‏,‏ إذن فالكلام كثير والقضية خطيرة‏,‏ وكان القرار في لحظة واحدة أن أتجه الآن إلي إحدي دور العرض القريبة من مبني الأهرام العملاق‏,‏ وذلك لأنني نشأت نشأة لا تعرف التلكؤ ولا اللكاعة تلك النشأة الجادة جدا من أول كتاب سيدنا إلي لحظة هذا القرار‏,‏ وقبل المشاهدة دار في رأسي ما يمكن أن يقوله الناس وهم يشاهدون رجلا‏,‏ هو أستاذ في جامعة الأزهر‏,‏ ومن الذين يشتغلون في حقل الدعوة الإسلامية ويعرفونه‏,‏ فكل صباح يطالعهم بدرس جديد عبر شاشة القناة الأولي‏,‏ وتذكرت السينما التي دخلناها صغارا ونحن تلاميذ نكتب الشعر والقصة ونعد أنفسنا من أهل الأدب والثقافة‏,‏ وقد درسنا في الأزهر الأدب القديم والحديث بمدارسه وفنونه‏,‏ ولم يقل أحد من شيوخنا إن دراسة الرومانسية والواقعية والرمزية والبرناسية وجميع الـ إية حرام‏,‏ بل إن كتب التفسير تفيض بأبيات الشعر التي جيء بها لتفسير بعض ألفاظ القرآن الكريم ومعانيها فيها من المجون ما فيها‏,‏ لكن موضع الشاهد هو المراد‏,‏ وليس الغرض إشاعة ما فيها في حياة المسلمين‏,‏ وقررت أن أقول أنا فلان‏,‏ وقد جئت لأشاهد الموضوع‏,‏ حتي أكتب فيه‏,‏ أمنا للبس‏,‏ ودفعا لأية شبهة‏,‏ وقد كفاني القدر ذلك حيث تلقفني مدير دار العرض‏,‏ ورحب بي‏,‏ وأجلسني في مكان مخصوص‏,‏ ووضع أمامي مائدة صغيرة‏,‏ وحياني وقدم لي التحية‏,‏ شكرته‏,‏ وأخرجت أوراقي‏,‏ وبدأت أشاهد الموضوع من أوله إلي آخره‏,‏ ولم أجد شيئا واحدا مما كتب الناس وأثاروا من قضايا ووقفت علي أشياء أخري غير التي وقف عليها غيري‏,‏ فالمصدر واحد والعيون مختلفة‏,‏ ومازال المعني في بطن الشاعر‏,‏ وكل كاتب في الأدب يقول ما فهم‏,‏ ويثبت ما رأي‏,‏ لكن شيئا ما يجمع بين المختلفين‏,‏ وهو النص‏,‏ وكان مما وقفت عليه‏:‏
أن للموضوع خلاصة‏,‏ وفيه مواقف وموضوعات وعواطف‏,‏ وخلاصته كما رأيت عائلة مصرية شهيدة‏,‏ في فترة من فترات تاريخنا المعاصر‏,‏ تعاني مر العيش‏,‏ وتكتب التاريخ علي البيض‏,‏ ولا تسلم من مضايقات الناس‏,‏ ينشأ طفلها مع تلك المفارقات ما بين الواقع والخيال الذي هو واقع أيضا‏,‏ لا يتمني من عيشه إلا أن يأكل نوعا من البطاطس ويدخل دار السينما‏,‏ ولأنه لابد للإنسان من دين يعيش علي معتقداته كانت حياة الأب ما بين الشك واليقين في النهايات التي عليها مدار الإنسان في آخرته‏,‏ وذلك ما هو في صلب البخاري من قول نبينا ـ صلي الله عليه وسلم ـ إنما الأعمال بالخواتيم عاش متشددا متعصبا ملتزما قدر طاقته‏,‏ فأخطأت زوجته‏,‏ ورقصت ابنته‏,‏ وصلي ولده نعيم علي طريقته‏,‏ سكر فأخطأ وأساء‏,‏ وحين بدأ يتخلص من شدته أدركته المنية فمات‏,‏ وحملت امرأته من بعده رسالته لتربية ولديها ومازال الناس يضحكون علي ثلاثي أضواء المسرح الضيف وسمير وجورج‏.‏
أما المواقف فقد أعادني إلي تلك الفترة التي كنا فيها نقف في طابور المدرسة لتحية العلم‏,‏ ونقول‏:‏ تحيا الجمهورية العربية المتحدة ثلاث مرات وبعدها كنا نقول‏:‏ عاش الرئيس جمال عبدالناصر ثلاث مرات‏,‏ وهذه الأخيرة لم يهتف بها التلاميذ في الفيلم‏,‏ والمدرسة لم تكن مبيضة كما هي مدارسنا الآن‏,‏ فكنت تري الطوب الأحمر كما شاهدته وقدم الكاتب والمخرج مدرس اللغة العربية علي العادة المعروفة مقطع الثياب‏,‏ مثار السخرية‏,‏ ومديرة المدرسة فنانة‏,‏ أنسيت موهبتها بسبب شظف العيش‏,‏ فبين حلم الفتاة وصباها‏,‏ وبين الزوجة الفقيرة‏,‏ والأم بون شاسع كالبون الشاسع بين الريشة التي يمسك بها الفنان‏,‏ وماكينة الخياطة التي تجلس عليها لتخيط لأولادها وأسرتها أثوابهم‏,‏ وما بين الانطلاق في أحضان الطبيعة وإن لم تتحرك الأقدام إلي متنزه‏,‏ وبين القيد في حضن زوج لا يريد أن يري وجهها في النور وهي في فراشه‏.‏
ومن المواقف أيضا في تلك الفترة ارتباط العلاقة بين الفتي والفتاة بالزواج‏,‏ فالطفل الذي يضع عينه علي طفلة كالشاب الذي يتعلق بشابة‏,‏ حديث الصغار والكبار عن الزواج‏,‏ يقول الطفل‏:‏ أنا عايز أدخل البيت من بابه أي‏:‏ لا تشكي في خلقي‏,‏ وتزوجت أخت نعمات دون حديث عن مشكلة الشقة والسكن والخلو والمقدم‏,‏ فمازلت وأنا أشاهد أري في ذاكرتي لوحة شقة للإيجار وأتذكر الذين كانوا يبخرون بيوتهم‏,‏ ويرقونها بالفاتحة وآية الكرسي والمعوذتين حتي يسوق الله ـ تعالي ـ إليها من يسكنها‏,‏ وكان النور والماء علي حساب صاحب الملك‏,‏ وكان المستأجر يأكل ويشرب في المناسبات كالعاشورة ومولد النبوي من عند أصحاب البيت بما يعادل ما يدفعه‏,‏ إيجارا لسكنه‏,‏ وكنت أري أصحاب البيت يفرحون بالساكن ونسا لهم قبل التفكير في القروش المعدودة‏,‏ ويبدو أن هناك روحا كانت بين الناس صعدت الآن إلي بارئها إلا عند من رحم الله تعالي ـ وهم قليل ـ ومازالت تلك اللوحة تعلق الآن علي البيوت ولكن القاريء لا يخفي عليه الجواب إن سأل‏:‏ ماذا تريدون فيها؟ فشتان ما بين ناس وناس‏,‏ وعلي التحقيق‏:‏ شتان ما بين زمان وزمان‏.‏
ومن المواقف كذلك أن الموضوع ذكرني بذلك الرجل الذي عاش عمره بخيلا جماعا للمال‏,‏ فلما أراد أن يفرجها علي نفسه‏,‏ لم تمهله المنية فمات والجنيه في يده يريد أن يعطيه لبائع الفاكهة‏,‏ فحين رغب‏(‏ عدلي‏)‏ أن يشتري التلفاز‏,‏ وأن يتنزه علي شاطيء خال كالشوارع الخالية إلا من أصحاب الهتافات في المناسبات الرسمية مات‏.‏
وأما الموضوعات التي أثيرت في ذهني خلال المشاهدة فكثيرة جدا‏,‏ منها‏:‏ موضوع الأدب مع الله تعالي في الدعاء والمناجاة‏,‏ ويعرفه المؤمنون علي يقين بالغيب‏,‏ أما الإساءة فقد نقلها القرآن الكريم بأشد ماجاء في الفيلم وما يسمعه الناس في الشارع‏,‏ وقالت اليهود يد الله مغلولة لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء‏,‏ وخاطب المسلمين بقوله‏:‏ وإذا زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا فالمؤمن ظنه حسن‏,‏ بأن الله ناصره‏,‏ والمنافق ظنه سيء‏,‏ وحكي عن أهل مكة قولهم‏:‏ لولا نزل هذا القرآن علي رجل من القريتين عظيم وقولهم‏:‏ لو شاء الله ما أشركنا وقد قال ربنا تعالي‏:‏ وما قدروا الله حق قدره وهذا واضح جلي لاخفاء فيه‏,‏ وهؤلاء لن يضروا الله شيئا‏,‏ فمن أساء فقد أساء إلي نفسه وظلم نفسه‏,‏ وقد قال ربنا ـ تعالي ـ‏:‏ يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم وغير ذلك كثير من الآيات القرآنية التي ترصد واقع البشر‏,‏ كما ترصد واقع المؤمنين فأردت أن أعيبها ونسب العيب إلي نفسه‏,‏ وقال‏:‏ فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك فنسب الخير إلي الله‏.‏
ومن تلك الموضوعات أن‏(‏ عدلي‏)‏ أساء الأدب وهو سكران‏,‏ والذنب كما نعلم للسكر والعقاب عليه‏,‏ لكن ما يترتب علي السكران من إلقاء اللوم عليه وهو سكران فليس من الفهم‏,‏ لذلك كانت الخمر أم الخبائث‏,‏ وقد سكر حمزة عم النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ قبل تحريم الخمر فاحمر وجهه وعقر دابة علي بن أبي طالب‏,‏ ولما اشتكي إلي رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ ذهب إليه فأساء‏,‏ وقال‏:‏ ما أنتم إلا عبيد لأبي فتركه النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ وانصرف‏,‏ لعلمه ـ صلي الله عليه وسلم ـ بأن حواره لا يفيد وأن انتظاره معناه سماع كثير من الأذي والإساءة حتي حرم الله تعالي الخمر نهائيا‏,‏ فانسد باب الإساءة التي هي مصدر من مصادره‏,‏ وإلا يعدم الناس غيره‏,‏ ومن تلك الأسباب الغضب‏,‏ لأنه من الشيطان‏,‏ ولذا نصح صلي الله عليه وسلم ـ من استنصحه فقال له مرارا‏:‏ لا تغضب‏.‏
ومن تلك الموضوعات‏:‏ الزواج بصيغته التي وردت في الموضوع‏,‏ وهو من الموضوعات غير المطروحة في الدعوة الآن‏,‏ فالإسلام يقر بنكاح الكافرين فضلا عن أهل الكتاب‏,‏ والذين دخلوا في الإسلام أزواجا أبقاهم النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ علي زواجهم القديم‏,‏ ولم يلقنهم صنيعة أخري‏,‏ وفي ذلك يكتب الكثير مما لا يتسع له المجال هنا‏.‏
ومن تلك الموضوعات‏:‏ أثر التعصب في حياة الفرد والأمة‏,‏ حيث كان سببا في المرض‏,‏ وانحراف الزوجة‏,‏ وعدم النجاح في العمل‏,‏ ومعالجة المخالفين بالحكمة أجدي للناس جميعا من الضرب والشدة‏,‏ ودائما يكون التعصب بسبب اختلاط الأوراق‏,‏ والفضيلة منزلة وسطي بين الإفراط والتفريط‏,‏ ومما اختلطت فيه الأوراق اعتقاد أن حكمة الزواج هي الإنجاب فقط‏,‏ وحمل الناس جميعا علي الاستقامة‏,‏ وأن المرأة سبب الفساد‏,‏ وأشياء كثيرة‏.‏
ومن العواطف التي حملها الموضوع وأثارها عاطفة الحب الذي لم يجد أرضا ولا وطنا وهو يحمل الجنسية الوطنية الشرعية‏,‏ فضل الطريق‏,‏ ودفنته صاحبته في شبابها الذي ولي قبل أن تغيب الشمس‏,‏ وذلك الحب الملوث الذي حمله فنان اشتري لنفسه لوحتها وأغراها بكلمات كانت العسل في واقع المر‏,‏ غني عليها حتي أرداها‏,‏ وأخبرها بأنها مخلوقة لتطير‏,‏ فطارت إلي المعصية في بؤر الدم العامي‏,‏ واستغفرت وتابت‏,‏ بل قطعت خط الرجعة ورضيت بالعيش مربية في البيت وفي المدرسة‏,‏ وكذلك العاطفة العامة في الفرح والحزن‏,‏ وهذا واقع لا يعرف مكانا‏,‏ يحدث في الكنيسة كما يحدث في الجامع‏,‏ وقد كتب الجبرتي عن معارك حدثت في الجامع الأزهر ومنها ما حدث بين الشيخ أحمد النفراوي والشيخ عبدالباقي القليني للنزاع علي مشيخة الأزهر واستعملت البنادق وقتل عشرة وأغلقت أبواب الأزهر ومنعت الصلاة فيه‏,‏ وذلك بسبب الأنصار والمحبين والمريدين لكل شيخ‏,‏ فالهوي تيار جارف‏,‏ كذلك عاطفة الصبي في آخر مشهد للأب قبل رحيله وهو يفرد ذراعيه أمامه علي الدراجة يريد أن يطير وأبوه من خلفه يحميه‏,‏ وقد مات أبوه أو أماته تعصبه‏,‏ فلم يترك الزمن لولده جناحا ولا انشراحا‏,‏ ذلك بعض ما وقفت عليه ولعلك أيها القاريء تذكر كلمتي في مطلع هذا المقال بأنه موضوع عائلة مصرية ولم أقل مسيحية‏*‏