
|
إبراهيم أصلان بعد فوزه بجائزة الدولة التقديرية:
أنا كاتب مزاجي ولا أفخر بقلة أعمالي |
 | |
أجري الحديث- سيد محمود حسن تصوير- موسي محمود يعلمك الكاتب إبراهيم أصلان كلما تحدثت معه فضيلة التواضع, ويقول لك بعد أيام من حصوله علي جائزة الدولة التقديرية في الأدب: لست كاتبا إلي هذه الدرجة, ثم يقطع الحوار بابتسامة حين يكتشف جمال مقولاته ويقول: يظهر أن الحكاية طلعت بجد, وقبل أن ألملم أوراقي من أمامه, قال لي: ثقتي في قدراتي ككاتب لا يعادلها إلا شكي المطلق في هذه القدرات, ومن يعرف أصلان يعرف أن كل جملة يكتبها تصنع مناسبة للحديث معه, فهو مقل في كل شئ إلا في ابتسامته ووعيه الحاد بالمفارقة وهو وعي أعطي لكتاباته جمالا خاصا. وهذا الأسبوع نال أصلان جائزة الدولة التقديرية في الأدب تقديرا لكتاباته التي أثرت في جمهور واسع من القراء, تعرف إلي صاحب عصافير النيل منذ أوائل الستينيات من قصصه الأولي التي نشرها عبدالفتاح الجمل في الملحق الأدبي لجريدة المساء أو تلك القصص التي نشرها يحيي حقي في مجلة المجلة, وهي قصص جعلته في طليعة كتاب الستينيات منذ أن أصدر مجموعته بحيرة المساء عام1971, وصولا إلي كتابيه الأخيرين خلوة الغلبان, وحكايات فضل الله عثمان اللذين صدر ا في العام الماضي, وبين1971 وحتي2004 كان أصلان قد أكد حضوره في الأوساط الأدبية بعدة مؤلفات أبرزها روايته مالك الحزين التي قدمها داود عبدالسيد للسينما في فيلم يحمل عنوان الكيت كات, وإضافة إلي هذه الرواية كتب أصلان روايتين هما عصافير النيل ووردية ليل ومجموعة قصصية أخري تحمل عنوان يوسف والرداء.هنا حوار معه يتضمن أطيافا من رحلته مع الكتابة والرحلة التي بدأها موظفا صغيرا في هيئة المواصلات اللاسلكية لتوزيع التلغراف, ووصلت به إلي جائزة الدولة في الآداب. حين سألتة عن أنطباعة بعد الجائزة قال لي أحتاج الآن إلي أيام لأتبين ما حدث وأنتبه إليه تماما, وأستوعب الحالة التي أعيشها الآن, والتي ترتبت علي الفوز بجائزة الدولة ومعايشتي لطقس كامل من محبة الأصدقاء والمحيطين بي, فالجائزة كانت مفاجأة بكل المعاني, فقد عشت حياتي بإحساس أن جائزتي الحقيقية هي إنجاز شئ مرض بالنسبة لي, و لا بأس أن يكون مرضيا بالنسبة للآخرين, ومن ثم فلم أكن أنتظر أي مقابل من الكتابة أكثر من الرضا بما أكتب, والآن أصبح هذا الرضا ممزوجا بـ الوجل, لذلك لدي الآن إحساس بالامتنان لمجلس أكاديمية الفنون الذي رشحني للجائزة وهو أمر لم يكن متوقعا, لكنه أسعدني بحد ذاته دون النظر إلي نتائجه, والآن علي أن أشعر بامتنان مماثل لأعضاءالمجلس الأعلي للثقافة الذين صوتوا لي بصورة سمحت لي بالنظر إلي نفسي باعتباري كاتب, فأنا رغم انشغالي بقضية الكتابة والقراءة طوال حياتي, لم أنظر إلي نفسي بوصفي كاتبا فظ, فقد كنت أفضل أن ينظر إلي كعضو منتسب لهذه الطائفة من الكتاب العظام. وهل هذا يعني أنك لم تحترف الكتابة رغم تفرغك التام لها في العشرين عاما الأخيرة؟ هناك أناس مؤهلون لكي يمنحوك الإحساس بأنهم ضالعون في المهنة, أي مهنيون بمعني الممارسة, أما أنا فلست أكثر من عاشق للكتابة, وهذا العشق هو أكبر من عشقي لاحترافها, وكما قلت فأنا أحاول تمثل المعني الذي قاله يحيي حقي وهو يتحدث عن أشجان عضو منتسب فأنا لم أخترع الكتابة, وإنما انتسبت لتقاليد معينة فيها حاولت أن تساعدني في البحث عن أفق أرحب لحياتي, وأعتقد أن صلة القربي الحقيقية بيني وبين أي طائفة من المهنيين هي التي تربط بيني وبين نمط من الحرفيين الذين يعكفون علي عملهم بشئ من الإتقان الذي هو حالة مزاجية, وهذا الميل للإتقان هو غاية وهدف بغض النظر عن النتائج المترتبة عليه. قلت إن ترشيحك للجائزة لم يكن أمرا متوقعا.. فهل يعني هذا أنك شعرت بشئ من القلق خوفا من عدم حصولك عليها؟ لم يكن قلقا بالمعني المعروف, وإنما كان هناك قدر من الرضا بفكرة ترشيحي ذاتها, ولم أكن أنتظر نتيجة لهذا الترشيح, فأنا بشكل عام لا أستطيع الانحياز لنفسي, ودائما لدي تصور أن هناك من هم أحق مني بالجائزة وبأي تقدير وحتي إن لم يوجد هؤلاء أحاول دائما أن أخلقهم ولو بشكل هلامي لكي أبعد عن نفسي شبح التنافس. قبل ثلاثة أعوام كنت أحد أطراف أزمة نشر رواية وليمة لأعشاب البحر للكاتب السوري حيدر حيدر وهي الأزمة التي خلقت ضجة في الأوساط السياسية والثقافية هل تعتقد أن حصولك علي الجائزة هو شكل من أشكال التعويض عن الآثار السلبية لأزمة الوليمة؟ لم أربط بين إحساسي بالامتنان بعد الفوز بالجائزة وبين أزمة الوليمة, ففي هذه الأزمة وقفت الموقف الذي اعتبرته صحيحا ولم أنتظر له مقابلا, صحيح أنني عشت أياما صعبة ولحظات عصيبة كمسئول عن نشر الرواية, لكنها لحظات لم تكن سيئة, لأنها تضمنت دروسا مهمة لم تنته إلي الآن, فقد انتصرت لإيماني المطلق بحق القارئ المصري في القراءة والاختيار بحرية دون وصاية من أحد, سواء كان فردا أم تيارا سياسيا,وإجمالا لم أكن أتصور أن هناك مواطنين عربا يقرأون هذه الرواية طوال عشرين عاما, ثم يأتي من يحرم القارئ المصري منها, تحت تصور خاطئ أنه لا يتمتع بالرشد الذي يمكنه من الحكم عليها, وهذا التصور بحد ذاته جريمة, وما حدث في أزمة الوليمة كان صراعا من أجل إرساء قيم معينة, لكنه يأتي في سياق مغاير تماما لسياق حصولي علي الجائزة. أنت كاتب عصامي بالمعني الحقيقي لأنك لم تتلق تعليما نظاميا ولم تعمل في مؤسسة تقف معك وتكرس لموهبتك, لذلك اعتبر البعض حصولك علي الجائزة هو تكريم لهذه القيمة تحديدا ودعم لعصامية أي كاتب؟ يليق بي أن أري في الجائزة هذا المعني الذي أشرت إليه, فأنا كما قلت لم أتلق تعليما نظاميا, لكنني لم أكتب تحت وهم أن الكتابة يمكن أن تحقق لي مكانة اجتماعية, والآن أسمح لنفسي بالقول إن الكتابة ليست عملا كميا, ويمكن أن تعتبر ما أقوله رسالة للأصدقاء الأصغر سنا, فأنا لم أكتب في حياتي كلها غير سبعة كتب, لأنني لم أعتبر الكتابة عملا مجانيا فقط حرصت علي الجودة وآمنت أن الكم ليس معيارا ويؤسفني أن أشعر الآن بأن البعض يعمل علي الانتصار للكم علي حساب الكيف, وأظن أن الجائزة بهذا المعني انتصار لقيمة مهمة وهي رفضي للكتابة المجانية وأصحاب نظرية الإلحاح علي القارئ, فالكتابة لو لم تلب احتياجا حقيقيا بداخل صاحبها, فهي لن تنجح في إثارة اهتمام متلقيها, وعلي الكاتب أن يعرف أنه كلما بذل جهدا كانت النتائج أفضل وعلي الكاتب أن ينمي إحساسه بقيمة الإتقان. أستاذ أصلان بعد أربعين عاما من الكتابة هل تتذكر اللحظة التي اخترت فيها الانتساب إلي مهنه الكتابة وقت أن كنت تعمل موزعا للتلغراف؟
|
 | | خيرى شلبى |
في مراهقتي كنت أقرأ بشكل عشوائي كل ما يقع تحت يدي من أعمال وأوراق, لكن اللحظة الحاسمة في حياتي بدأت في يوم عادي من أيام العمل في هيئة المواصلات, وكان هناك شخص أكبر مني يقوم بتمريني علي توزيع التلغراف, في حي جاردن سيتي حيث أعمل الآن في صحيفة الحياة, وكان هذا الشخص يتمتع بوعي ورصانة ولديه خبرة إنسانية لا أعرف مصدرها, وفي أثناء تجوالنا اليومي قلت له بثقة: أنا عايز أبقي كاتب, فقال لي: لابد أن تقرأ لأن كل الكتاب الكبار اللي سمعنا عنهم معملوش حاجة غير إنهم قعدوا يقرأوا, ومنذ تلك اللحظة لم أتوقف عن القراءة ثم بدأت أسأل نفسي ماذا أكتب؟ وما الأعمال التي قرأتها في تلك الفترة وتركت فيك أثرا لا ينسي؟ هناك مراحل كنت أقرأ فيها شعرا عربيا قديما ثم دخلت بعد ذلك علي المسرح, وإلي الآن أحب قراءة النصوص المسرحية ولا أطيق رؤية العروض وأظن أن تشيكوف صنع لي خبرة خاصة وترك أثرا لا ينسي من خلال أعماله الشهيرة بستان الكرز وطائر البحر, ومن مسرحه انتقلت إلي عالمه القصصي من خلال مختارات رائعة ترجمها الراحل الدكتور محمد القصاص, ولا أنسي إلي الآن الأثر الذي تركته في نفسي قصة موت موظف ومن يومها أدركت أن القصة ستكون هي خياري الفني القادر علي التعبير عن أحلامي وهواجسي وقلقي. بالنسبة لكاتب في ظروفك كان من الطبيعي أن يكون احتراف الكتابة محاولة لصنع نقلة اجتماعية وتحقيق مكانة خلالها أكبر من مكانة الموظف البسيط؟ قلت لك إن الإحساس بصنع مكانة اجتماعية من وراء الكتابة لم يكن موجودا منذ بدأت نشر قصصي القصيرة في صحيفة المساء مقابل280 قرشا للقصة الواحدة, وفي أوائل الستينيات نشر لي يحيي حقي قصصي في مجلة المجلة مقابل7 جنيهات, في حين أنه كان يدفع للكتاب الآخرين5 جنيهات في القصة, لكن هذه المبالغ علي قيمتها في هذه الأيام لم تكن قادرة علي إثارة شهيتي بأن الكتابة يمكن أن تحدث تغييرا في ظروفي الاجتماعية, فأنا لم أنتظر من الكتابة أي شئ علي الإطلاق. في ظل ظروف عملك في هيئة المواصلات كيف صنعت مجتمعك الأدبي أو المناخ الذي بلور موهبتك ووضعها علي الطريق الصحيح؟ بعد سنوات من العمل في هيئة المواصلات حدثت لي نقلة وظيفية مهمة وهي الانتقال من عالم القبو إلي الطابق الرابع, وهذا الانتقال جاء مواكبا لظروف تمصير شركة ماركوني, ففي القبو كانت الوظيفة هي توزيع البرقيات اللاسلكية, أما في الطابق الرابع فقد كنت ضمن المجموعة التي تقوم بفرز هذه البرقيات و تصنيفها وفي مرحلة القبو تعرفت إلي محمد أحمد إبراهيم اللبان, وهو كادر ماركسي رهيب, وكان يمتلك مكتبة زاخرة بالكتب, ومن خلال مناقشاتي معه تبلورت لدي مجموعة من الأفكار والرؤي وبفضله تعرفت إلي مثقفين مهمين داخل اليسار منهم: محمد سيد أحمد ومصطفي طيبة, لكن في الحجرة التي انتقلت للعمل فيها في الطابق الرابع تعرفت إلي الناقد محيي الدين محمد الذي كان يعمل معي في نفس الحجرة, وفي تلك الفترة أيضا كنت أتابع بعض المجلات الأدبية وأرسل لها بإنتاجي الأدبي بشرط وحيد وهو أن تنشروا هذا الإنتاج أو الرد علي مباشرة من خلال رسالة بريدية, حيث كنت أشعر بحرج من نشر اسمي في بريد القراء, وكذلك كنت أرسل مع قصصي مظروفا بريديا فارغا وعليه طابع بريد لكي يرسلوا إلي بالرد مباشرة. هل تعتقد أن هذه الطريقة كانت لشعور بعدم الثقة في حجم موهبتك أم بسبب شعور زائد بالكرامة؟ لا أعرف لكن كنت أعتقد أن الرد علي في بريد القراء أمر لا يسعدني علي الإطلاق, ومرة أرسلت عملا أدبيا إلي إحدي المجلات أظنها مجلة الثقافة فكتبوا إلي ردا وأرسلوه بالبريد, وكان هذا العمل عبارة عن مسرحية رفضوا نشرها لأنها تضمنت تعبيرات بالعامية المصرية, وهو أمر كان يعد خروجا علي خط المجلة. أعرف أن محيي الدين محمد كان أحد أبرز نقاد جيلكم.. فما الدور الذي لعبه في حياتك بالتحديد في فترة البدايات؟ محيي قرأ معظم قصصي الأولي قبل نشرها, وفي عام1965 أرسل قصتين لي من دون علمي إلي الكاتب الصديق علاء الديب, وفوجئت بنشرهما في مجلة صباح الخير مع مقدمة جميلة كتبها علاء الديب, وقال فيها إن أصلان صاحب موهبة تضع حلولا عملية لمشكلات اللغة, وبعد ذلك فوجئت بتليفون من شخص اسمه إبراهيم منصور أبدي إعجابه بالقصتين, وطلب مني الذهاب إلي مقهي ريش للتعرف إليه, لكنني لم أذهب ثم عاود الاتصال بي بعد أن نشرت لي قصص أخري في مجلة حوار اللبنانية, وطلب مني الحضور إلي ريش من جديد, لكنني لم أذهب إلا بعد اتصال آخر من جميل عطية إبراهيم, وفي ريش تعرفت إلي بقية أبناء جيلي. |
 | | حيدر حيدر |
يلفت النظر في مسيرتك الأدبية الملف الذي أعدته مجلة( جاليري68) ونشرت فيه نماذج من قصصك مرفقا بدراسات نقدية عنها وقد تم ذلك من دو ن أن يكون لك أي كتاب مطبوع وبرغبة كاملة من أبناء جيلك في تقديمك.. ألم تشعر بارتباك أو بغرور مبكر؟ ملف( جاليري68) أصابني بربكة شديدة, علي عكس ما تتصور, لأن هذه السنوات كانت حافلة بالقراء والمجلات المحترمة التي كتب فيها أسماء تتمتع بالنزاهة, ويكفي أن أذكر لك حكاية طريفة فوجئت بعد نشر قصة لي تحمل اسم العازف بندوة عنها بأتيليه القاهرة يقدمها غالي شكري دون أن أعرفه أو يعرفني, وفي تلك السنوات كان الكاتب يحتاج إلي سنوات ليطمئن إلي موهبته, وأنا علي سبيل المثال بدأت النشر المنتظم منذ عام1965, لكنني لم أصدر كتابي الأول بحيرة المساء إلا في عام1971, بعد أن طلب مني صلاح عبدالصبور ذلك أثناء توليه مسئولية النشر في هيئة الكتاب, وأنا وقتها لم أكن أتعجل النشر, خوفا من ردود الأفعال, ويقلقني اليوم أن الكتاب الجدد يكتبون باستعجال غريب, ويتهافتون علي النشر عمال علي بطال. تكاد تكون الوحيد من بين أبناء جيلك الذي لم ينخرط في أي تنظيم سياسي سواء لدعم السلطة الناصرية أم مناهضتها.. فما السبب؟ ابتعادي عن السياسة لم يكن بقرار وإنما جاء انسجاما مع ظروف موضوعية عشتها, فقد أدركت صعوبة الانتماء إلي جماعة لأردد معهم نفس المقولات حتي لو كنت مؤمنا بها إيمانا كاملا, هذا بالإضافة إلي أن شكوكي حول المرجعيات الفكرية كانت عميقة بصورة لا تتصورها, فقد كنت أقرأ ماركس وسارتر, وأستمتع بهما معا, رغم الاختلاف بينهما لأني كنت أقرأ بدافع المتعة, وفي تلك الفترة أيضا آمنت بأن الفكر يكتسب أهميته من قدرتي علي تبنيه وقراءة تجلياته في تفاصيل الحياة اليومية, وأنت لا يمكن أن تكون وفيا للأفكار والمصطلحات أكثر من وفائك للدنيا والحياة ذاتها, وإجمالا كنت لا أعرف كيف أخضع ضميري الخاص لضمير الجماعة, سواء كانت سياسية أم غير سياسية, ومن هنا كانت مواقفي بنت دماغي بغض النظر عن توافقها أو عدم توافقها مع أي تيار, لكن آرائي في الغالب كانت متوافقة مع اليسار. عودة إلي الأشخاص الذين شكلوا علامات بارزة في حياتك توقفنا أمام محيي الدين محمد ثم إبراهيم منصور.. فما الفارق بينهما؟ في بداياتي كنت في حاجة إلي ذائقة أعتمد عليها في تقييم أعمالي, وتندهش إذا قلت لك إنني لجأت أحيانا إلي أشخاص لم يكونوا قريبين لي بالمعني الإنساني, لكنني كنت أثق في ذائقتهم الأدبية, لكن محيي الدين محمد, علي سبيل المثال كان لديه معرفة عميقة بالعالم الذي أكتب عنه فضلا عن أن ذوقه الأدبي كان رفيعا وراقيا جدا, وبالمثل كان إبراهيم منصور الذي اختلفت معه في أيامه الأخيرة حول قراءتنا المشتركة لبعض الأعمال الأدبية, والتي كانت في معظمها للكتاب الجدد, ولا أنسي بطبيعة الحال دور عبدالفتاح الجمل الفني والإنساني, وتستطيع أن تقول إن كل هؤلاء أثرو ا في, لكنني دائما كنت أجد حلولا للمشكلات الفنية في تجربة الكتابة ذاتها, وأحيانا أسمع الرأي ولا أعمل به, و الآن عندما أكتب نصا أدبيا أقرأه علي أحد الأصدقاء, كأنني أقرأه لنفسي, وأقول إن ما أعانني علي الاستمرار في الكتابة حماسة أصدقائي, وطوال حياتي اجتهدت حتي لا أفقد حماسة هؤلاء الأصدقاء. ومن الكتاب الأقرب لك من بين أبناء جيلك؟ هناك أسماء كثيرة مثل بهاء طاهر ومحمد البساطي وخيري شلبي وسعيد الكفراوي وصنع الله إبراهيم, ولكل واحد من هؤلاء عالمه الخاص ورأيه الذي يمكن أن يضيف لي, وأرجوك ألا تنظر إلي هذه الأسماء بوصفها كتلة واحدة اسمها الستينيات, لأنني أري أن الستينيات حالة لها طبيعتها الخاصة وهمومها لم تكن هموما مرحلية كما يتصور البعض, وإنما هي حالة كاملة الإيقاع والمفردات, صنعت هذا الجيل, وهي أمور لا علاقة لها بالسن, وبهذه الاعتبارات أري يحيي حقي كاتبا ستينيا, ومن ثم يصعب تبين ملامح هذ االجيل إلا عبر تأمل روافده المختلفة من سينمائيين وتشكيليين ومسرحيين, والروائيين ليسوا إلا ملمحا أساسيا من ملامح هذا الجيل. عالمك الروائي له مواصفات بصرية واضحة وسؤالي كيف تنمي هذا العالم وتغني روافده؟ أؤمن بأن اللغة ليست هي أفضل الوسائل للتعبير عما هو مرئي, لأن هناك وسائط أخري تغني المجال التعبيري لأي كاتب, وفي مسيرتي تعرفت إلي وسائط تعبيرية أخري تغني اللغة كوسيط مباشر, وفي تجربتي أسعي لانتفاء عنصر القراءة ليتعامل القارئ مع مشهد بصري زاخر بتفاصيل الحياة, ونصوصي كلها سعي للكشف عن هذه التفاصيل. ولهذا السبب يري القارئ أن كتاباتك كلها تأكيد علي هذا العالم وتلك التفاصيل؟ هناك مجتمعات تعيش قرونا لاكتشاف إيقاعها الخاص, وأي كاتب وفنان له عالمه الخاص, الكتابة هي استجلاء وكشف وتعميق لهذا العالم, وليست نوعا من التكرار كما يتصور البعض, وأنا مثلا عندما كتبت حكايات فضل الله عثمان كان بإمكاني أن أغير الاسم ليصبح اسم شارع آخر غير الموجود في أعمالي الأخري, لكنني لست كاتبا يرضي بالرصد المباشر, وما أهتم به هو ما تعنيه الأماكن وما يتخلف عنها, وللأسف كثيرون يظنون أن هذا رصد شبه فوتوغرافي للأشياء أو الأماكن, في حين أن القراءة الحقيقة تؤكد أنه تأمل للحالة التي تكون عليها الأشياء والناس, وأنا أتأملها لحظة الكتابة. القارئ لأحدث كتبك خلوة الغلبان يجد فيه أطيافا من سيرة ذاتية.. هل عوضك هذا الكتاب عن كتابة سيرة شخصية؟ هذه قراءة للكتاب لا أعترض عليها, لكن هذا الأمر لم يكن في ذهني أثناء الكتابة, وربما كانت مادة الكتاب مشجعة علي ذلك, لأن القضية في الكتابة ليست هي المادة الخام وإنما هي في طريقة اشتغال المخيلة علي هذه المادة, وهي تعيد بناءها, فأنت بإمكانك أن تري في صورة بنت حلوة قصيدة شعر أغني من أي قصيدة, وفي الكتابة كلما ضيقت الأمور علي نفسك, استنفرت طاقاتك الإبداعية, وفي خلوة الغلبان كنت أمام وقائع حقيقية كان علي أن أتعامل معها فنيا لمواربة باب وهاجس يلح علي باعتباري كاتب مقل وهي بهذه المعني كانت حلا أعطي لبعض اللحظات الإنسانية طاقة العمل الفني لتصبح أكثر تأثيرا وتكسب مجالا جديدا أبعد من معناها الواقعي المباشر. تقول عن نفسك إنك كاتب مقلا لكن البعض يقول إنك أيضا كاتب محظوظ لأن كتاباتك وجدت أصداء نقدية كبيرة رغم قلتها؟ المؤكد أن تقدير أعمالي أسعدني كثيرا, لأن هذا التقدير لو لم يكن موجودا لشعرت بالألم* |
|
 |
|
|
 |
|
|