الغرب يري الحرية الدينية بمنظور آخر القرآن حسم عقوبة المرتد عن الإسلام!
إعداد ـ د. حسن علي دبا hassandaba@hotmail.com
الحرية الدينية مازالت مصطلحا يجلب المزيد من النقاش بل الاختلاف وطالما كان محورا لشد وجذب عبر ندوات الحوار الفكري والديني, كيف تكون الحرية الدينية فيما يتعلق بحرية ترك الفرد لدين الإسلام والإيمان بدين آخر, وهل يعني الغربيون بهذه القضية خاصة وكيف يتعامل الفقه الإسلامي مع حكاية الردة وماالرؤية الشرعية الوسطية للنصوص الواردة في هذا السياق هذا ماكان محلا لإجابات فقيه الوسطية د. يوسف القرضاوي عن أسئلة القراء هذا الأسبوع. سألته أولا: هل هناك حرية لدي الفرد في المجتمع المسلم في أن يغير ديانته كما يريد وهل يستوي ذلك مع من يغير دينه ويصمت أو يغيره ويدعو إلي ماوصل إليه قال: من الحريات التي ينكرها الإسلام ما كان يهدد المجتمع في نظامه وفي أساس بنائه وهي حرية الردة المتعدية نستطيع أن نقول: هناك ردة قاصرة وردة متعدية: الردة القاصرة هي التي تقتصر علي صاحبها فهو يغير دينه في نفسه ولا شأن له بغيره فهذا عقوبته في الإسلام في الدار الآخرة ومنه يقول القرآن:( ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) البقرة:217. ولكن الردة المتعدية هي التي يدعو صاحبها إليها وتكون جماعة لها خط غير خط المجتمع وهدف غير هدف الأمة وولاؤها لغير أمتها فهؤلاء يهددون نظام المجتمع, وهؤلاء مثل المرتدين الذين حاربهم سيدنا أبو بكر والصحابة معه فقد ظهر هؤلاء في قبائلهم وادعوا أنهم أنبياء ينزل عليهم وحي كالوحي الذي كان ينزل علي محمد واتبعتهم قبائلهم وهم يعلمون أنهم كاذبون من باب العصبية القبلية حتي قال قائلهم: كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر. هل يستوي في ذلك الارتداد للامتناع عن أداء الزكاة باعتباره ردة منذ عهد أبي بكر رضي الله عنه؟ من هؤلاء من يتمرد علي الدولة ويقاوم أوامرها بما له من شوكة و يمتنع عن فرائض هي من اختصاصها مثل( منع الزكاة) التي هي حق المال والمورد الأساسي للدولة الإسلامية فامتناعهم عن أداء هذه الفريضة المالية يضعف الدولة ويعجزها عن القيام بأعبائها. ولذا قاتل أبو بكر المرتدين أتباع الأنبياء الكذابين, كما قاتل مانعي الزكاة سواء بسواء وقال:' والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه' هناك من يعتبر الحرية الدينية ذات مظهر أساسي هو الردة عن الدين؟ أنا أعلم أن المسيحيين في الغرب إذا تحدثوا عن الحرية الدينية فإنهم يركزون كل التركيز علي معني واحد يدور حوله جل حديثهم وهو: حرية الارتداد عن الدين. وأود أن أقول لهم كلمتين صريحتين: الأولي: أنه لا يوجد دين يرحب بخروج الناس منه, بل كل دين حريص علي بقاء أهله فيه وتشبثهم به حتي يحيوا عليه ويموتوا عليه بل الغالب في الأديان: أن تسعي بكل جهدها لتنشر دعوتها لدي الآخرين وتقنعهم بالإيمان بها وتزيد من عدد أتباعها ما استطاعت إلي ذلك سبيلا.. ولهذا رأينا دعاة التبشير والتنصير ينتشرون في العالم لنشر عقيدتهم النصرانية حتي ذكر: أن لهم نحو, أربعة ملايين وسبعمائة وخمسين ألف مبشر ومبشرة في أنحاء العالم. والثانية: أن هذه القضية لا تكون مشكلة عندنا لأن المعروف عن الإسلام منذ فجر تاريخه: أن من آمن به حقا لا يخرج منه بل هو لا يرضي بدينه بديلا ولو كان ملك المشرق والمغرب وقد سأل هرقل إمبراطور الدولة البيزنطية: أبا سفيان بن حرب عن أتباع محمد: هل يرتد منهم أحد سخطة علي دينه فقال: لا. فقال: وهكذا الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب'. ولو حدث أن شخصا ما أثرت عليه مؤثرات فارتد عن دينه فالواجب أن يناقشه أهل العلم ويزيحوا عنه الشبهة وهو ما يعبر عنه الفقهاء بأنه يستتاب أي تطلب منه التوبة بالحوار معه فإن أصر علي موقفه فقد اختلف الفقهاء في حكمه فجمهور الفقهاء يرون وجوب قتله لأنه أصبح خطرا علي المجتمع وبعضهم لا يري ذلك. كيف يتعامل المسلم المعاصر مع هذه القضية الشائكة خاصة أنها من أبرز مايثار اليوم لدي الغربيين هذه من أبرز الشبهات التي يثيرها الغربيون؟ وتلاميذهم وفروخهم حول الإسلام وهي موقف الإسلام من الردة والمرتدين عنه فهو لا يسمح لأحد بأن يتركه بعد أن دخل فيه ومن فعل ذلك حكم عليه بالقتل. وكأن الإسلام بذلك يكره الناس علي البقاء فيه ويسجنهم في قفصه بغير اختيارهم وإلا أطار رؤوسهم بحد السيف كما قاتل أبو بكر الخليفة الأول والصحابة معه في حرب المرتدين من قبائل العرب. لكن بعضا من الكتاب العرب يرون أن حد الردة لم يرد في القرآن الكريم, إن هذا ما جعل بعض الكتاب المحدثين والمعاصرين ينكرون حد الردة أو عقوبة الردة ويقولون: إنها لما ترد في القرآن كما ورد حد السرقة وحد الزني وحد القذف وحد الحرابة. بل ليس في القرآن آية واحدة تشير إلي عقوبة المرتد! وأقول لهم: بل ورد في القرآن ما يؤكد حرية الأفراد في اختيار دينهم كما قال تعالي:( فذكر إنما أنت مذكر. لست عليهم بمصيطر) الغاشية:( نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد) ق:( أفأنت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين), يذكر بعضهم أن ما ورد هو حديث واحد وهو(من بدل دينه فاقتلوه)؟ وهل مثل هذا الحديث لا يقاوم ظاهر القرآن ولا يشرع هذا الحكم الخطير وهو( قتل المرتد) وهو عقوبة علي جريمة فردية تعتبر من جرائم الرأي وإعمال العقل. فهل يحظر علي الإنسان أن يفكر وأن يغير موقفه بناء علي تفكيره إن هذه الشبهات أو التساؤلات تشتمل علي أغلاط أو مغالطات كثيرة فليست( الردة) مجرد جريمة فردية لا أثر لها في المجتمع وليست بجريمة هينة الأثر والخطر وليست مجرد رأي يختاره المسلم بدل رأي آخر. كما أنه ليس صحيحا أن القرآن ليس فيه آية واحدة تشير إلي عقوبة المرتد فهذا من سوء الفهم للقرآن ومن القصور في استيعاب آياته وأحكامه. وكذلك ليس بصحيح أن السنة النبوية لم تجئ فيها بشأن الردة إلا حديث واحد فهذا ناشئ عن الجهل بالسنة والقصور في الإحاطة بمصادرها وهي ميسورة لمن يطلبها من الباحثين الجادين. كما أن عقوبة القتل للمرتد ليست مجمعا عليها فهناك من الفقهاء ـ كالنخعي والثوري ـ من لم ير القتل لازما ورأي أن المرتد يستتاب أبدا. وهو مروي عن الفاروق عمر. كيف يمكن التعرف إلي خطر الردة كما تبدو للفقيه المعاصر؟ أن أشد ما يواجه المسلم من الأخطار هو ما يهدد وجوده المعنوي أي ما يهدد عقيدته ولهذا كانت الردة عن الدين الكفر بعد الإسلام- أشد الأخطار علي المجتمع السلم. وكان أعظم ما يكيد له أعداؤه أن يفتنوا أبناءه عن دينهم بالقوة والسلاح أو بالمكر والحيلة. كما قال تعالي:( ولا يزالون يقاتلونكم حتي يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) البقرة:217. وفي عصرنا تعرض المجتمع المسلم لغزوات عنيفة وهجمات شرسة تهدف إلي اقتلاعه من جذوره تمثلت في الغزو التنصيري الذي بدأ مع الاستعمار الغربي والذي لايزال يمارس نشاطه في العالم الإسلامي وفي الجاليات والأقليات الإسلامية ومن أهدافه: تنصير المسلمين في العالم كما وضح ذلك في مؤتمر' كلورادو' الذي عقد هناك سنة1978. وقدمت له أربعون دراسة حول الإسلام والمسلمين وكيفية نشر النصرانية بينهم. ورصد لذلك ألف مليون دولار وأسس لذلك معهد( زويمر) لتخريج المتخصصين في تنصير المسلمين. كما تمثلت في الغزو الشيوعي الذي اجتاح بلادا إسلامية كاملة في آسيا وفي أوروبا وعمل بكل جهد لإماتة الإسلام وإخراجه من الحياة نهائيا وتنشئة أجيال لا تعرف من الإسلام كثيرا ولا قليلا. وثالثة الأثافي: الغزو العلماني اللاديني الذي لا يبرح يقوم بمهمته إلي اليوم في قلب ديار الإسلام, يستعلن حينا ويستخفي أحيانا يطارد الإسلام الحق ويحتفي بالإسلام الخرافي ولعل هذا الغزو هو أخبث تلك الأنواع وأشدها خطرا. وواجب المجتمع المسلم لكي يحافظ علي بقائه- أن يقاوم الردة من أي مصدر جاءت وبأي صورة ظهرت ولا يدع لها الفرصة حتي تمتد وتنتشر كما تنتشر النار في الهشيم. هذا ما صنعه أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم- معه حين قاتلوا أهل الردة الذين اتبعوا الأنبياء الكذبة: مسيلمة وسجاح والأسدي والعنسي وغيرهم وكادوا يقضون علي الإسلام في مهده. ومن الخطر كل الخطر: أن يبتلي المجتمع المسلم بالمرتدين المارقين وتشيع بين جنباته الردة التي ذاعت في هذا العصر وغزت أفكار أبنائه حتي شككتهم في شريعتهم وعبر عنها أحد الدعاة المرموقين بقوله:' ردة ولا أبوبكر لها'!. ولا بد من مقاومة الردة الفردية وحصارها حتي لا تتفاقم ويتطاير شررها وتغدو ردة جماعية فمعظم النار من مستصغر الشرر. ومن ثم أجمع فقهاء الإسلام علي عقوبة المرتد ـ وإن اختلفوا في تحديدها ـ وجمهورهم علي أنها القتل وهو رأي المذاهب الأربعة بل الثمانية*