380‏السنة 123-العدد2004يوليو3‏14 جمادى أول 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

الحب من أول رضعة‏!‏

قصص غـرام طفولية جدا

‏ تحقيق ـ شاهيناز العقباوي


الحب علي الأرض بعض ما تخيلناه‏..‏ لو لم نجده عليها لاخترعناه‏..‏
لم يعد وقفا علي خيال الشعراء الذين ذاقوا لوعة الألم واكتووا بنار العشق‏!!‏
ولم يعد وقفا علي إبداع الفنانين الذين جسدوا صوره علي جدران المعابد ورسومات أوراق البردي في مصر الفرعونية‏,‏ أو حبات الأرز في الحضارة الصينية‏.‏
فقد عرف طريقه الآن إلي دفاتر التلاميذ والتختة وجدران فصول الحضانات‏.‏ولم تكن حكاية طفلة الرابعة التي هربت من منزل والديها لملاقاة حبيبها البالغ من العمر‏6‏ سنوات لتعيش معه إلي الأبد هي فقط أكثر قصص الحب الطفولية جدا التي عرفت طريقها إلي المدارس الابتدائية‏!!‏
فالتلاميذ الآن يتبادلون الخطابات الغرامية في كراسة الواجب وجدران الفصول اكتست بالقلوب وعبارات الغزل التي في كثير من الأحيان تخجل منها المدرسات‏!!‏
أم تؤكد علي أن ابنها التلميذ بالصف الثاني الإعدادي يعيش قصة حب مع طالبة بالصف الأول الثانوي يتواعدان‏..‏ ويتحدثان أحاديث طويلة جدا علي الموبايل ويتبادلان الرسائل التليفونية والإلكترونية‏.‏
وأم أخري اكتشفت خطابا علي مكتب مذاكرة ابنها كتب بأسلوب جميل جدا ورسم عليه قلب‏..‏ فأصيبت بصدمة شديدة وأسرعت إلي ابنها لتستفسر منه فأخبرها أنه كتب هذا ا لخطاب لمدرسة اللغة الإنجليزية لأنه معجب بها جدا ولا يستطيع أن يخبرها بهذا الإعجاب فقرر أن يكتب لها هذا الخطاب‏..‏ ليعبر لها عن مشاعره‏,‏ وتلميذ آخر بالصف الثاني الإعداي يقدم لمدرسته قلبا من الفضة‏..‏ مدون عليه اسم مدرسته‏..‏ واسمه وطلب منها أن تضيفه إلي المجموعات الأخري الموجودة بالسلسلة‏..‏ وعندما أخبرته أن السلسلة التي ترتديها من الذهب‏..‏ وهديته من الفضة فوجئت به في اليوم التالي يحضر لها سلسلة من الفضة ويؤكد لها أهمية رغبته في أن يراها ترتدي تلك السلسلة‏,‏ لأنه يحبها جدا ولا يستطيع الاستغناء عنها فما كان من المدرسة إلا أن قالت له إنها تحبه مثل ابنها وسارعت بالاتصال بوالدة الطالب‏,‏ واكتشفت أن والدته منفصلة عن والده وأن العاشق الصغير يعيش مع والده‏.‏
مدرسة ابتدائي دخلت الحصة بأحد فصول البنات ووجدت طالبة بالصف الخامس الابتدائي تبكي بحرقة وعندما اقتربت منها وسألتها عن السبب وراء هذا البكاء أخبرتها أنها تحب مدرس العلوم بالمدرسة وتشعر بحزن عميق عندما تعجز عن توصيل مشاعرها إليه‏,‏ ولكنها عجزت لأنه يعاملها علي أنها طفلة صغيرة وهي تحاول أن تثبت له أنها لم تعد صغيرة‏,‏ وتتمني أن يبادلها نفس هذه المشاعر والحب‏,‏ لأنها تكاد تصاب بالجنون ولا تستطيع المذاكرة أو فهم أي شيء‏.‏
ومدرس بإحدي المدارس الخاصة وجد أحد تلاميذه بالصف الرابع الابتدائي وهو يبكي وعندما سأله عن سبب بكائه‏,‏ أخبره أن صديقته سوف تقطع علاقتها به لأنه سمين جدا‏,‏ وأنها طالبته بعمل رجيم قاس ليخفض وزنه حتي تستطيع أن تتباهي به أمام زملائها الآخرين‏..‏ وأكد الطالب أنه سوف يموت لو حدث ذلك وأنه سوف يمتنع عن الطعام حتي يستطيع أن يخفض وزنه‏,‏ لأنه لا يستطيع أن يعيش بدونها‏.‏
ومدرس بإحدي مدارس اللغات فوجيء بطالبة بالصف الخامس الابتدائي‏,‏ تطرق باب الفصل وتستأذن المدرس‏,‏ في أن يسمح لها بتقديم هدية لزميلها بالصف الثالث الإعدادي لأنها معجبة به جدا ولم تستطع أن تلفت نظرة فقررت أن تنتهز فرصة عيد الحب وأحضرت له هدية‏.‏
وطالبة بالصف الرابع الابتدائي‏,‏ تعيش قصة حب خيالية مع ابن خالتها بالصف الثاني الثانوي وتؤكد لوالدتها‏,‏ أنها لن تتزوج إلا ابن خالتها‏,‏ لأنها باختصار بتموت فيه ولاحظت والدتها أنها دائما ما ترسم شكل القلب علي جميع كراساتها وتحرص علي وضع اسمها واسم ابن خالتها أحمد‏,‏ علي الرسم وترسم ولدا وبنتا وتضع يدها بيده علي شكل عريس وعروسة‏.‏
وطالب المرحلة الابتدائية‏,‏ يصرح لأخته بالمرحلة الإعدادية‏,‏ أنه معجب بصديقتها التي تحضر معها درس الرياضيات‏,‏ فلون عينيها الأسود وشعرها الأسود مثل نجمات السينما‏,‏ وأصبح يفكر بها ليلا نهارا وينتظرها‏,‏ عندما تأتي إلي الدرس ليتحدث معها‏,‏ أخت العاشق الولهان اكتشفت مصادفة أنه كتب شعرا في صديقتها خلف باب حجرتها‏,‏ ورسم قلبا نقش عليه أول حرف من اسميهما معا‏.‏
شاهد الدهشة لقصص حب التلاميذ يصفها أحمد سراج ـ مدرس لغة عربية بإحدي المدارس التجريبية ـ لاحظ أن هذه الظاهرة تنتشر بين طلبة المدارس اللغات والتجريبية لأن هؤلاء الطلبة أصحاب مستوي اجتماعي معين يسمح بتعامل الأولاد مع البنات بشكل مباشر‏,‏ ولكن بالمدارس الحكومية تجد أن هناك نوعا من التقنين في الجمع بين الطلبة والطالبات‏.‏
وتقول سوزان سمير ـ مدرسة العلوم بالهرم ـ إن مشاعر الحب والرغبة في معرفة الجنس الآخر تبدأ أسرع عند البنات من المرحلة الابتدائية لأن البنت تحدث لها مجموعة من التغييرات الفسيولوجية السريعة‏,‏ والتي تحتاج منها بشكل دائم إلي تفسير‏,‏ فقد لاحظت أن طالبات المرحلة الإعدادية عندما أقوم بشرح دروس الوراثة لهن‏,‏ يحاولين الاستفسار الدائم ويتساءلن دائما عما يحدث لهن وما يشعرن به‏,‏ وأعتقد أن ا لطفرة الإعلانية الحديثة والانفتاح علي العالمم الخارجي وراء انتشار هذه العلاقات العاطفية المبكرة‏,‏ بين طلبة المرحلة الابتدائية والإعدادية‏.‏
ولكن ما هو تفسير علماء النفس والاجتماع لظاهرة قصص الحب الطفولية جدا؟‏!‏
الدكتور هشام بحري ـ أستاذ الطب النفسي ـ يري أن حب الأطفال لمن هم أكبر منهم سنا لا يمكن أن نطلق عليه لقطة حب بل هو نوع من أنواع الإعجاب أو الإحساس بالفقدان والسعي إلي تعويض هذا الفقدان‏.‏
ويختلف تفسير هذه النوعية من العلاقات بالنسبة لكل من الولد والبنت‏,‏ فالطفل بالمرحلة الابتدائية والإعدادية يحتاج إلي من يرعاه عاطفيا بالمنزل ويعمل علي توجيهه وفي حالة غياب هذا التوجيه العائلي نجدهم يرتبطون بعلاقات عاطفية مع من هم أكبر منهم سنا سواء كانوا طالبات أم زميلات أم حتي مدرسات بالمدرسة‏,‏ وهو ما يمكن أن نطلق عليه الشعور بالأمومة المفقودة‏,‏ والأمر يختلف بالنسبة للبنت وذلك لأنها عندما ترتبط بعلاقة حب مع من يصغرها سنا‏,‏ فإن ذلك يرجع إلي أن البنت خلال سنوات المراهقة التي تبدأ في المرحلة الإعدادية تشعر بحالة من الخجل الشديد تمنعها من إقامة أي علاقة‏,‏ وعندما تجد أنها تحررت من بعض قيود المنزل‏,‏ تتولد لديها رغبة أكبر في إقامة أي نوع من أنواع علاقات الحب‏.‏ تبحث عن من يصغرها سنا‏.‏ وذلك لشعورها بالخوف الشديد والرهبة من خطورة السيطرة أو الوقوع في براثن علاقة لا تستطيع السيطرة عليها لأنها لا تملك الخبرة السابقة والتي تساعدها علي التقييم‏.‏
ويضيف الدكتور هشام إن لوسائل الإعلام دورا كبيرا جدا في المساعدة علي ظهور ونمو هذه النوعيات الغريبة من العلاقات المبكرة‏.‏
كما تلعب المشاجرات العائلية المستمرة وما ينتج عنها من حالة التوتر وعدم الاستقرار العائلي الدائم‏,‏ دورا كبيرا في تدعيم هذه العلاقات والمساعدة علي انتشارها‏.‏
ويرجع الدكتور عبدالوهاب إبراهيم ـ أستاذ علم الاجتماع بجامعة الزقازيق ـ ذلك إلي وجود نوع ما من الخلل الاجتماعي العام‏,‏ الناتج عن اللهث العائلي المستمر وراء المكسب المادي‏,‏ وذلك في ظل الأزمات الاقتصادية والسعي المستمر للوصول إلي مستويات اجتماعية أعلي‏..‏ مما يؤدي في النهاية إلي حدوث نوع ما من الخلل العائلي يصعب معه قدرة الآباء علي توصيل مشاعر الحب إلي أبنائهم‏..‏ وذلك بسبب غياب فرد من أفراد العائلة عن المنزل أو غياب كلا الطرفين معا‏.‏
وهنا لا يجد الأطفال أمامهم إلا البحث عن مشاعر الحب خارج المنزل فيصابون بحالة من النضج العاطفي المبكر الناتج عن الإصابة بحالة من التوتر وعدم الاستقرار‏..‏ أو بسبب المستوي الثقافي السيء الذي تلقي منه الطفل مشاعر الحب‏..‏ سواء عن طريق الأصدقاء أم الإنترنت‏..‏ مما يؤدي إلي تداخل العواطف لديه فيخلط بين عاطفة الحب والأمومة والأخوة‏,‏ وهو ما يطلق عليها العلاقات الشاذة‏*‏