380‏السنة 123-العدد2004يوليو3‏14 جمادى أول 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

حسبي الله
كذب المحللون ولو صدقوا

داود الفرحان


من المهن الجديدة التي راجت وشاعت بعد الحرب الأمريكية علي العراق مهنة يمكن أن نطلق عليها تسمية المحلل الإستراتيجي فلا تفتح أية محطة عربية أو أجنبية في مواعيد نشرات الأخبا رإلا وتجد محللين إستراتيجيين يتبارون في تحليل واستنتاج ووصف ما يحدث علي أرض العراق والتنبؤ بما سيحدث في الأيام القادمة‏.‏ وفي العادة يرحب مذيع‏,‏ أو مذيعة نشرة الأخبار بالضيف المتأنق الكاتب الصحفي والمحلل الإستراتيجي بينما ينفخ سيادته صدره ويهز رأسه باعتباره مرجعا تاريخيا في كل ما له علاقة بالقضية‏.‏ولكثرة هؤلاء المحللين الإستراتيجيين الذين لا يعرفهم أحد من قبل ضاعت الكلمات الهادئة العاقلة الموضوعية لمحللين سياسيين حقيقيين يعرفون ماذا يقولون ويحترمون عقول المشاهدين‏.‏ وفي ذروة فضيحة سجن أبو غريب شاهدت محللا إستراتيجيا يرد علي سؤال إحدي المذيعات في فضائية عربية قائلا‏:‏ إن تعذيب الأسري الفلسطينيين في سجن أبو غريب يعبر عن المأزق الأمريكي‏.‏ وبادرت المذيعة إلي التصحيح قائلة‏:‏ تقصد الأسري العراقيين‏,‏ فرد عليها‏:‏ نعم أقصد الأسري العراقيين‏.‏ لكن بعد جملة واحدة عاد ليقول إن تعذيب الأسري الفلسطينيين في سجن أبو غريب يتنافي واتفاقية جنيف‏.‏ صحيح أن محنة الأسري الفلسطينيين مشابهة لمحنة أشقائهم الأسري العراقيين‏,‏ لكن الموضوع هنا حول سجن أبو غريب وليس السجون الإسرائيلية‏.‏ وهذا محلل إستراتيجي آخر يقول إن د‏.‏ إياد علاوي رئيس الوزراء العراقي المؤقت هو الذي أدخل الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين في صفوف حزب البعث‏.‏ وجميع البعثيين القدماء يعرفون أن صدام انتمي لحزب البعث عام‏1957‏ أي عندما كان سن إياد علاوي‏12‏ سنة‏!‏ وشارك صدام في محاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي الأسبق عبد الكريم قاسم عام‏1959‏ أي عندما كان سن إياد علاوي‏14‏ سنة‏!‏ لكن المحلل الإستراتيجي يصر علي نظريته مؤكدا أن علاوي نادم جدا علي إدخال صدام في حزب البعث‏!‏
وضرب محلل إستراتيجي عربي آخر يده علي المنصة التي أمامه وهو يتهم د‏.‏ أحمد الجلبي رئيس تنظيم المؤتمر الوطني العراقي بسرقة أموال النفط العراقي في عهد صدام من خلال شقيقه وزير النفط العراقي الأسبق د‏.‏ عصام الجلبي‏.‏ ويعلم كل العراقيين أنه لا توجد أية صلة قرابة أو نسب أو دم بين أحمد الجلبي وعصام الجلبي إلا في اللقب الذي كان يوزع مجانا في عهد الدولة العثمانية علي كبار التجار العراقيين‏!‏ وفي كل أزمة منذ الحرب حتي اليوم‏,‏ يظهر عشرات المحللين الإستراتيجيين علي القنوات الفضائية‏,‏ يناقض بعضهم بعضا في المعلومات والاستنتاجات والتوقعات‏.‏ ودائما تقفز أمام المشاهد الكريم في الوقت الذي يضيعه في التفرج علي هؤلاء القوم كلمات من نوع‏:‏ في الحقيقة والواقع‏,‏ والمشهد العراقي‏,‏ وإدارة الأزمة‏,‏ وثقافة العنف والمقابر الجماعية وأزلام صدام والمثلث السني والمربع الشيعي‏,‏ والمستطيل الكردي والمنطقة الخضراء والإستراتيجية والتكتيك ونحن نرفض‏.‏ وطبعا يتردد المذيع في الاستفسار من الأخ المحلل‏:‏ ماذا تعني بكلمة نحن لأنه لو فعل ذلك لرد عليه المحلل الإستراتيجي بخطبة عصماء عن المنظورالتاريخي لسيادته الذي يقترن بتضحيات الآباء والأجداد والنسل الصالح‏.‏ ولحسن الحظ أن المرأة العربية اكتشفت أن مهنة المحلل الإستراتيجي مهنة مزورة‏,‏ ولذلك رفضت مزاولتها ولم نشاهد في القنوات الفضائية محللات إستراتيجيات يتحدثن عن الخيار الإستراتيجي باعتباره شرطا لابد منه في عمل الطرشي أو الدولمة‏.‏ وكل هؤلاء كوم والمحللون الإستراتيجيون الذين يظهرون في بعض البرامج الحوارية كوم آخر‏.‏ فالشرط الأول لنجاح هذا النوع من المحللين هو الصوت العالي والحنجرة الذهبية والاستعداد للبطش بالضيف الآخر وطرده خارج الاستوديو‏!‏ وكنا سنقبل منه ذلك لو أن الطرد شمل أيضا مقدم البرنامج‏!‏ ولا تنفع مع هؤلاء أية محاولات للتهدئة من نوع‏'‏ يا جماعة‏'‏ و‏'‏ يا إخوان‏'‏ و‏'‏ الوقت يداهمنا‏'.‏ وكشف أحد الضيوف قبل أشهر علي الهواء مباشرة أن الضيف الآخر هدده خلال الفاصل الإعلاني بالقتل‏!‏ ثم طلب من مقدم البرنامج توفير الحماية اللازمة له ليعود سالما إلي أسرته‏.‏
ومما زاد الطين بلة‏,‏ كما يقول النحويون‏,‏ أن كثيرا من القنوات الفضائية بدأت تدفع مبالغ جيدة بالدولار لكل‏'‏ محلل إستراتيجي‏'‏ يتفضل بالمشاركة في نشراتها الإخبارية والحديث عن الموقف الخطير الذي تمر به القضية‏.‏ والواقع أن المسألة لا تخلو من شطارة وفهلوة ولسان‏.‏ كل ما علي‏'‏ المحلل الإستراتيجي‏'‏ أن يفعله هو تكرار ما يقوله بريمر أو علاوي أو بوش أو الزرقاوي مع جمل مستهلكة عن الهدوء المشوب بالحذر ونقل السلطة وعملية الاجتثاث والقوات متعددة الجنسيات‏.‏
إنها مهنة رابحة فعلا‏,‏ والخاسر الوحيد هو المشاهد الذي يستحق فعلا هذا العقاب‏.‏