380‏السنة 123-العدد2004يوليو3‏14 جمادى أول 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

نقطة حبر
بحب السيما‏..‏ وباكره الجهل

عاطف حزين


دخلت بيوت أغلب أصدقائي الأقباط‏,‏ شربت ماءهم وطعمت طعامهم وقيلت علي أسرتهم وبالتأكيد سمعت حديثهم بينهم وبين أنفسهم‏.‏
يحدث ذلك معي منذ مراحل الطفولة وحتي مرحلة التسرب من جنة الشباب‏.‏ وإذا سألتني عن الفرق بين بيتي وبيتهم أو بين أمي وأمهاتهم أو بين أبي وآبائهم أو بين أختي وأخواتهم من المؤكد أنني سأندهش‏!‏ أولا لمجرد طرح السؤال‏,‏ حتي إذا ما قررت الإجابة فلن أجد شيئا يميز بيت وحياة صديقي وجاري القبطي عن بيتي وحياتي‏,‏ إلا إذا اعتبرنا الأيقونات المعلقة هنا والآيات القرآنية المعلقة هناك من الأشياء التي ينبغي التوقف عندها‏.‏
باختصار‏,‏ المصريون يكادون يكونون صورا كربونية من بعضهم البعض بغض النظر عن الديانة‏,‏ لأن الدين ـ في واقع الأمر ـ علاقة خاصة بين العبد وربه لا يعلمها أحد حتي وإن بانت بعض مظاهرها في صلاة الفروض الإسلامية في المنزل أو في الذهاب إلي الكنيسة يوم الأحد‏,‏ عدا ذلك تبقي العلاقة الجوهرية بين الخالق والمخلوق شيئا لا ينبغي الكلام الكثير حوله حتي لا ينتقص من جلال هذه العلاقة‏.‏
أنا أتحدث مع صديقي القبطي في السياسة والجنس والفن والحياة والدين‏..‏ أي دين من باب الأخلاقيات دون الدخول في تفاصيل صغيرة تظهر الخلاف والاختلاف‏,‏ ومن خلال معرفتي بصديقي عرفت القبطي المتدين والقبطي المتطرف والقبطي الذي لا يعرف الطريق إلي الكنيسة‏,‏ ولم أجد فرقا يذكر بين القبطي المتدين المعتدل‏,‏ والمسلم المتدين المعتدل لأن أصل الدين واحد ولم أجد فرقا بين غلو القبطي المتطرف‏,‏ وغلو المسلم المتطرف لأن أصل الجهل واحد‏.‏
وهكذا مثلما أعرف مسلمين كثيرين لا يهتمون بالصلاة أعرف أقباطا لا يذهبون إلي الكنيسة فهل ثمة فرق بين هؤلاء وأولئك؟
لا أظن‏..‏ بل أعتقد أن كل الكلام السابق الذي كتبته من البديهيات التي لا تستحق التأكيد عليها واستهلاك كل هذه المساحة من الورق‏,‏ لكنني دفعت إلي ذلك دفعا وأنا أقرأ أخبارا عن إقامة دعاوي قضائية من أقباط لوقف فيلم بحب السيما علي اعتبار أنه يسيء إلي الأقباط إساءة بالغة ويظهرهم في صورة غير حقيقية‏.‏ وسألت نفسي‏:‏ هل عرض حياة أسرة مسلمة في فيلم وتصادف أن هذه الأسرة بها ابن مدمن وابنة منحرفة وأب سكير وأم دايرة علي حل شعرها يعتبر إساءة للمسلمين ومن ثم ينبغي باسم الحسبة رفع دعوي قضائية لوقف عرضه؟
لن أجيب‏,‏ بل سأطرح السؤال بصيغة أخري‏:‏ هل عرض فيلم يضم أسرة قبطية يجهل عائلها المعني الحقيقي للدين وللعلاقة بين الرب والعبد‏,‏ وتضم زوجة محرومة ـ نتيجة لجهل زوجها ـ فتدفعها الظروف لارتكاب الخطيئة‏..‏ هل عرض ذلك يعتبر إساءة لكل الأسر القبطية؟
هنا سأجيب بلا ومليون لا‏..‏
لقد شاهدت الفيلم وتمتعت به ـ كسينما ـ أيما تمتع‏,‏ ليس لأنني بحب السيما ولكن لأن أعمال المخرج أسامة فوزي تدعو إلي الفخر‏,‏ شاهدته ولم أر عدلي بطل الفيلم يشبه جاري عزيز أو جاري الآخر جرجس أو صديقي أشرف أو‏...‏ أو‏..‏
إنه يتحدث عن حالة خاصة جدا لا يمكن أن تكون حجة علي عقيدة بأكملها أو علي من يعتنقون هذه العقيدة‏,‏ لأن التعامل معها علي هذا الأساس هو جهل وتخلف وردة إلي الوراء لآلاف السنين أيام الهرطقة والتجديف ومحاكم التفتيش وصكوك الغفران‏.‏
نحن كمصريين علي امتداد تاريخنا لم نمر بكل ذلك‏,‏ رغم تكالب الغزاة علينا باختلاف عقائدهم ولغاتهم‏,‏ بقيت مصر في كل هذه الظروف ثابتة صامدة لسبب واحد وهو أن علاقة المصريين بربهم لا تحتاج إلي من يفلسفها‏,‏ فأرجوك ياسيادة المستشار نجيب جبرائيل الذي أقام الدعوي القضائية اسحبها‏..‏ اسحبها احتراما لمصر مسلمين وأقباطا وأحباء في الله‏.‏