380‏السنة 123-العدد2004يوليو3‏14 جمادى أول 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

نافذة
ليس لليهودي وحده مكان هنا

محمد حبوشة


عندما أفكر يا أخوتي العرب الإسرائيليين‏,‏ بكل سنوات زواجنا الاشكالية‏,‏ وبجهاز العلاقات كثيرة التناقضات‏,‏ وبكل النبوءات التي تحقق ذاتها‏,‏ وبكل الخصومات والافتراءات المتبادلة‏,‏ عندما أنظر إلي أسطح القرميد لديكم‏,‏ إلي فرح أبناء سخنين المنتصرين‏,‏ عندما أصغي إلي ساستكم الذين تعلموا جميع الخدع والحيل‏,‏ وأضافوا إليها من عندهم‏,‏ أعرف أنكم ستبقون هنا‏,‏ معنا إلي الأبد‏,‏ لن تفارقونا أبدا‏.‏
لقد اجتزنا كل شيء معا‏,‏ وأصبحنا نشكل جسما واحدا لن يتمكن أي وزير من الفصل بيننا‏,‏ وإذا حالفنا الحظ سنعيش معا‏,‏ وإذا لم يحالفنا فسنسقط معا‏.‏
الكلمات السابقة للكاتب الإسرائيلي يفال سارنا تثبت بما لا يدع مجالا للشك بأن اليهودي وحده لا يمكن أن يبقي في مكانه علي التراب الفلسطيني‏,‏ وأن وهم شحن عرب‏48‏ من قراهم وراء الجبال المظلمة كما يتصور البعض من غلاة التطرف في إسرائيل‏,‏ أمر بعيد تماما عن العقل والمنطق‏,‏ وبالتالي سوف لا يأتي ذلك الفجر الذي يشهد نكبة ترحيل جديدة لأولئك الذين شاركوا أبناء صهيون الأرض والماء والغذاء مرغمين‏.‏
فقد تعلم هؤلاء العرب في مدارس إسرائيلية منهاجا شديد اليهودية إلي الحد الذي أصبح البعض منهم يتحدثون بلغة الإيديش أثناء نومهم ويحاربون في هواجسهم الليلية القوازق التي ورد ذكرها في قصائد الشاعر تشار تنجوفسكي‏,‏ وهم جيران في المثلث الصغير‏,‏ وفي المثلث الكبير من أم الفحم وقري الجليل إلي مدن الفقر في النقب‏.‏
والواقع هنا يذهب إلي أكثر من خيال كثير من المرضي بحمي التطرف الإسرائيلي الذين يرون في هؤلاء العرب جرثومة يجب أن تذهب بأي ثمن في الوقت الحالي أكثر من أي مستقبل قريب‏,‏ فقد استطاع المليون مواطن إسرائيلي مسلم داخل إسرائيل امتصاص كل ألوان الكراهية والحقد والتطرف والممارسات العنيفة لجعلهم شبه أقلية يهودية في أرض إسرائيلية ووضعوا صوب أعينهم المستقبل الذي يكفل لهم البقاء علي التراب المقدس‏.‏
فمنهم خرجت ملكات الجمال‏,‏ وفرق كرة القدم‏,‏ورسامون‏,‏ ومقاولون‏,‏ وعمال يبنون هذه البلاد‏,‏ وبلاطون يمهدون الطرق ويعبدونها لأنفسهم ولغيرهم الذين هم المحتلون لتلك الأرض‏,‏ ومنهم مخرجون لأفلام روائية جسدت أسطورة المقاتل الفلسطيني في أرض مملوءة بالأشواك‏,‏ ومنهم كاتب ساخر مثل إميل حبيبي‏.‏
من أجل كل ذلك كانت كلمات يغال سارنا كتأكيد عملي بأن هؤلاء الذين ولدوا ذات يوم علي هذا التراب لا يمكن لهم أن ينسوا تراث أجدادهم‏,‏ ومهما كان حجم العنف والتطرف‏,‏ فالواقع اليومي علي قدر مرارته يثبت أن لهم مكانا هنا في هذا الوطن المسلوب‏.‏
والكلام يقودنا إلي زاوية أخري من تلك اللوحة متناقضة الألوان‏,‏ عندما نسلط الضوء علي كلام شاؤول موفاز‏,‏ وزير الدفاع الإسرائيلي الذي اكتشف مؤخرا وفجأة بأن المستوطنات في غزة تعتبر خطأ تاريخيا‏,‏ ويري آخرون بأن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية سيئ‏.‏
وعلي حد قول عزرا دلومي‏,‏ يعتبر الاستيطان اليهودي في قلب الجمهور العربي مأساة قومية ولدتها شبكة مترابطة من العمي السياسي والسخرية التي لا تعرف الحدود‏,‏ ويصفه بأنه عمي لأنه كان واضحا لكل مبصر أن إسرائيل لن تتمكن من ابتلاع هذا الكم الهائل من الجمهور الفلسطيني دون أن ينفجر بداخلها‏,‏ أما السخرية فمردها إلي تعامل القادة مع المستوطنين حسب مقولة استعمله واقذفه وكأن المقصود ليس بشرا انتقل غالبيتهم إلي المناطق في الضفة الغربية وقطاع غزة ببراءة وأحيانا بسبب ضائقة مالية وبتشجيع من الحكومة الإسرائيلية‏.‏
ربما يكون الجيش الإسرائيلي خلال الستة أشهر الماضية من هذا العام قد نجح في كسر شوكة العمليات الاستشهادية‏,‏ وأنه خلال‏2004‏ لم تحدث سوي‏4‏ عمليات فقط مقابل‏17‏ عملية في الفترة المقابلة لها من العام الماضي‏,‏ ولم يتحقق أي إنذار من بين الـ‏103‏ إنذارات جري الحديث عنها من الجانب الفلسطيني‏.‏
وربما يتصور البعض بأن البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية قد حلت بالفعل علي إثر اغتيال الشيخ ياسين‏,‏ والرنتيسي وغيرهما من شهداء فلسطين الذين سقطوا بفعل قذائف الآباتشي‏,‏ وسياسة البطش التي اتبعتها الآلة العسكرية خلال الأشهر القليلة الماضية‏.‏
لكن الأمور لا تقاس علي المدي القصير‏,‏ وواهم ذلك الذي يتصور أو يعتقد أنه أصبح حصينا بفعل قيام الجيش الإسرائيلي بكسح العشب بسرعة تبدو أنها تفوق نموه من جديد‏,‏ فسرعان ما يتطور هذا العشب أو ينمو من رحمه نوع جديد من النجيل‏,‏ تكون وتيرة نموه أسرع من الكاسحة‏,‏ مهما كانت مسننة‏,‏ فالانتفاضة لم تنته بعد‏.‏
إن المعني الحقيقي لوجود حالة السلام والطمأنينة علي هذه الأرض هي المضي خطوة أخري علي طريق السلام وتنفيذ تعهدات شارون بالانسحاب من غزة و تنفيذ باقي بنود خريطة الطريق التي تصنع موطيء قدم للفلسطينيين علي أرضهم والتعايش معا علي نفس التراب‏,‏ ولعل تجارب الماضي تؤكد أن النجاحات العسكرية الإسرائيلية ليست سوي مخدر يخلق الشعور بأن الجيش سينتصر ولا حاجة لعمل أي شيء آخر وبالتالي تظل الكارثة مستمرة‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا