380‏السنة 123-العدد2004يوليو3‏14 جمادى أول 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

حديث العالم
عملية اغتيال العرب والمسلمين‏!‏

د‏.‏ عبدالمنعم سعيد


قالوا دوما إن للسفر سبع فوائد‏,‏ وقلت دوما إن هناك فائدة ثامنة وهي المتابعة الدقيقة للصحافة المصرية والعربية التي بات يمكن الوصول إليها ـ لحسن الحظ ـ بصورة يومية عن طريق شبكة الإنترنت‏,‏ ومع وجودي هذا الصيف في واشنطن وجدت ظاهرة مدهشة للغاية تكاد تغطي الغالبية الساحقة ليس فقط من الصحافة العربية‏,‏ وإنما كل أنواع الإعلام العربي كذلك وهي الاستهانة التامة بحياة العرب والمسلمين إلا إذا تم قتلهم واغتيالهم عن طريق الإسرائيليين والأمريكيين‏.‏
ولاشك أن الصحفيين والكتاب والمعلقين العرب محقون تماما في التغطية الدقيقة والإدانة الكاملة لما تقوم به قوات الاحتلال الإسرائيلية في فلسطين‏,‏ وقوات الاحتلال الأمريكية في العراق‏,‏ ومن الواجب دائما فضح هذه الأعمال في كل المجالات الدولية‏,‏ ولكن المشكلة هي أنه لكي يصدقنا العالم لابد وأن نكون متسقين مع أنفسنا‏,‏ ومع مطالبنا بحق تقرير المصير والتحرر من الاحتلال‏,‏ باعتبار ذلك في النهاية هو حق المواطن العربي في العيش حرا كريما في ظل حكومات وطنية منتخبة ديموقراطيا ومعبرة بالفعل عما تراه الشعوب العربية طموحات وأحلاما وآمالا‏.‏
ولذلك فإنه من غير المفهوم إطلاقا ذلك الصمت العربي علي عمليات قتل العراقيين بالجملة كما يجري حاليا من قبل قوات المقاومة العراقية‏,‏ التي قتلت عشرات‏,‏ ثم مئات من الأمريكيين المحتلين‏,‏ ولكنها قتلت في نفس الوقت الآلاف من المواطنين العراقيين‏,‏ ولم تتوان إطلاقا عن القتل بالجملة لجماعات سياسية كردية وشيعية‏,‏ في وطن يريد التحرر لكل جماعاته وطوائفه‏,‏ والأخطر من ذلك فإن لحظات التحرر التي حصلت عليها هذه الجماعات في عدد من المدن السنية مثل الفلوجة تحولت إلي تدمير مؤسسات الدولة العراقية‏,‏ بالإضافة إلي عمليات الترويع الكامل للمواطنين وصل إلي رش النساء غير المنقبات بماء النار‏,‏ وقتل الرجال لمجرد الشك‏.‏
وحتي نقرب الصورة أكثر‏,‏ فإن بلادنا عرفت الكثير من حركات التحرر الوطني‏,‏ وفي هذه الحركات كانت تجري عمليات للمقاومة المسلحة للعدو المحتل‏,‏ وفي بعض الأحيان كان ضروريا التخلص من المتعاونين مع الاحتلال‏,‏ ولكن لم يحدث أبدا في تاريخ حركة من حركات التحرر الوطني العربية وغير العربية أن تم تدمير مؤسسات الدولة مثل محطات البوليس والجيش ومراكز الحكم والإدارة المحلية لأنها تتعاون مع سلطات الاحتلال‏,‏ ولم يكن ذلك يعود فقط إلي أن هذه المؤسسات الوطنية تسير أحوال المواطنين وتحافظ علي تسجيل المواليد والوفاة‏,‏ والعمليات الاقتصادية المختلفة من بيع وشراء وتسجيل عقود‏,‏ بل إنها هي المؤسسات التي سوف تقوم عليها بعد ذلك دولة ما بعد التحرير‏,‏ وخلال فترة الاحتلال الفرنسي البريطاني لمدينة بورسعيد الباسلة خلال العدوان الثلاثي‏,‏ فإن المقاومة المصرية لم تمس بالسوء مؤسسة مصرية واحدة‏,‏ بل تعاون الجميع من أجل دعم صمود المدينة في وجه الاحتلال‏.‏
المدهش بعد ذلك أن الصحافة العربية والمصرية خاصة بدأت تغطي الموضوع من خلال مفارقة مضحكة ومبكية معا‏,‏ فهي من جانب تحيي المقاومة العراقية لأنها تقتل أفراد الاحتلال‏,‏ ولكنها من جانب آخر عند قتل العراقيين تري ذلك نوعا من الفوضي وعجز قوات الاحتلال عن توفير الأمن الذي كان ينعم العراقيون في العيش في ظله‏,‏ أي في فترة الرئيس صدام حسين‏!‏ ولا يعرف القاريء بعد ذلك هل الإعلام العربي يريد زوال الفوضي وعودة الأمن وهو ما يعني القضاء علي المقاومة‏,‏ أو أنه يريدها أن تستمر ويستمر معها قتل العراقيين بالجملة حتي وصل عدد القتلي منهم ما يزيد علي من قتلوا خلال الانتفاضة الفلسطينية علي يد قوات الاحتلال الإسرائيلية‏.‏
الأخطر من ذلك أنه بعد التمعن في الأمر نجد الإعلام العربي صامتا للغاية إزاء ما هو أخطر بكثير وهو الصمت الكامل إزاء ما يجري في دارفور حيث بلغ عدد من قتلوا في مذابح جماعية‏30‏ ألف قتيل سوداني‏,‏ شقيق‏!‏ والقضية هنا ليست تحديد المسئولية عن هـذه المجزرة التي لا تزال فصولها تتكشف‏,‏ ولكن عدم المبالاة التامة من قبل الصحفيين والكتاب العرب إزاء هذه الصفحة السوداء من التاريخ العربي‏,‏ والفشل السياسي والمؤسسي العربي في التعامل السلمي مع جماعات عرقية مختلفة‏,‏ وحتي وقت كتابة هذا المقال فإن الصحفيين العرب لم يذهبوا إلي مناطق القتال الأهلي‏,‏ ولم تتحرك القنوات الفضائية المختلفة إلي حيث يتم الذبح الجماعي لمواطني دولة عربية‏,‏ ويتعرضون يوميا للمجاعة والقتل بأشكال مختلفة‏,‏ ولم تكن هـذه هي المرة الأولي التي وقف الجمع العربي فيها صامتا علي قتل عرب ومسلمين‏,‏ فقد ساد الصمت مع ما حدث للأكراد من قبل‏,‏ وما حدث للصوماليين‏,‏ وما حدث للجزائريين‏,‏ وبشكل ما فإن قيمة الإنسان العربي لا ترتفع إلا حيث يوجد الأمريكيون والإسرائيليون‏.‏
وبهذه الطريقة فإن هناك عملية اغتيال مستمرة للعروبة والإسلام‏,‏ فإذا لم تكن هذه الرابطة الإنسانية قادرة علي حماية حياة معتنقيها والمنتمين إليها‏,‏ فما قيمتها الحقيقية؟ وإذا لم يكن الضمير العربي والإسلامي العام متيقظا ساعة المجازر العربية ـ العربية‏,‏ والإسلامية ـ الإسلامية ـ فمتي يستيقظ‏,‏ ومتي يكون لديه المصداقية لإدانة احتلال وعسف واضطهاد وإجرام أمريكي أو إسرائيلي؟
والحقيقة أن الحركات القوموية والإسلاموية الراديكالية لم تدخل حكما عربيا إلا أفسدته‏,‏ ولم تدخل حركة من حركات التحرر الوطني العربية والإسلامية إلا قادتها إلي المهالك‏,‏ ومعها العروبة والإسلام‏,‏ وما علينا إلا متابعة ما فعلته طالبان بأفغانستان‏,‏ وما فعله البعث بالعراق‏,‏ وجماعة الخميني بإيران‏,‏ وجماعة الترابي بالسودان‏,‏ وجماعات عروبية وإسلاموية أخري بالجزائر وليبيا وسوريا‏,‏ حتي نكتشف أن الهدف الرئيسي لهـذه الجماعات ليس التحرير‏,‏ وليس التقدم‏,‏ وإنما تدمير الدولة العربية ذاتها وتحويلها إلي كائن مشوه مبتعد عن بقية الإنسانية‏,‏ ولمن لا يصدق ما عليه إلا أن يتابع النقاش الدائر الآن علي شبكة الإنترنت حول عمليات قطع رقاب مدنيين أمريكيين وكوريين‏,‏ وعمليات الحرق والتمثيل بالجثث لجنود الاحتلال‏,‏ حيث تنتفي كل قيمة للقانون الإنساني‏,‏ وحتي لتقاليد الشهامة والمروءة العربية والإسلامية‏.‏
كل ذلك ليس خافيا عن العالم‏,‏ فكل ما يقال لدينا تجري ترجمته يوما بعد يوم‏,‏ وأحيانا ساعة بعد ساعة‏,‏ وعلي العرب أن يسألوا أنفسهم لماذا أتت إلينا قوات للاحتلال من كوريا الجنوبية التي لم نحاربها يوما‏,‏ ولماذا جاءتنا قوات للاحتلال من سنغافورة أو من هولندا أو الدنمارك‏,‏ ولماذا نجد الصوت الصيني والهندي خافتا أحيانا وصامتا في معظم الأحيان‏,‏ ولماذا تجتمع الاجتماعات العالمية من أجل إصلاحنا وفرض الوصاية علينا؟ الإجابة عن كل هذه الأسئلة هي أننا صمتنا وأحيانا قمنا بتشجيع عمليات القتل الجماعي للمواطنين عربا ومسلمين‏,‏ ومعها قيم أصيلة أخري‏!‏


للرد على المقال أضغط هنا