380‏السنة 123-العدد2004يوليو3‏14 جمادى أول 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

هامش
إلغاء وزارة الإعلام والاستعلامات
الخصخصة والمساءلة والشفافية فريضة وضرورة‏!‏

نبيل عبد الفتاح


منذ سنوات طالبت في إحدي المقالات بجريدة الأهالي‏,‏ بضرورة إلغاء وزارة الإعلام‏,‏ كانت أسبابي عديدة‏,‏ منها علي سبيل المثال لا الحصر ما يلي‏:‏
‏1‏ـ أن وزارة الإعلام‏,‏ وما يسمي بالهيئة العامة للاستعلامات‏,‏ تمثل أحد أبرز مكونات الهندسات السياسية السلطوية لدولة التعبئة في مصر‏.‏
‏2‏ـ أن الوزارة ووظائفها في الدعاية والتعبئة السياسية‏,‏ هي نتاج خضوع ـ أو علي الأقل اختيارات ـ قادة نظام يوليو‏1952‏ للمرجعية السوفيتية السابقة‏,‏ ومعها دول المنظومة الاشتراكية التي انهارت‏,‏ في عمليات إعادة هيكلة وهندسة جهاز الدولة المصري ليواكب أيديولوجية الحزب الواحد‏,‏ والاشتراكية العربية‏!‏ إن المرجعية السوفيتية والاشتراكية‏,‏ انهارت منذ عقد‏,‏ ويزيد‏,‏ ومن ثم لم يعد ملهما بالأفكار بالتجارب التي تسمح ببقاء الأجهزة الإعلامية التي تم استنساخها علي المثال الشمولي السوفيتي‏,‏ وبقدرتها علي أداء الأدوار التعبوية والتبريرية للدولة التسلطية المصرية‏.‏
‏3‏ـ أن ثورة الوسائط الإعلامية المتعددة‏,‏ والزواج الكاثوليكي الجديد‏,‏ والمتجدد بين الإعلام‏,‏ والمعلومات‏,‏ في ظل الفضاءات الرقمية‏,‏ علي اختلافها ـ يعني ضرورة التفكير الجاد في فلسفة النظام الإعلامي كله‏,‏ المرئي والمسموع والمكتوب ممثلا في اصحافة علي اختلاف أنواع الملكية والأطر القانونية التي تخضع لها‏,‏ وخاصة أن الإعلام المصري باهظ التكلفة‏,‏ وضعيف المستوي‏,‏ والأداء‏,‏ بل وفي قدرته علي أداء الوظائف الرسمية التي نيطت به‏.‏
إن الفضائيات‏,‏ وشبكة المعلومات العولمية ـ الإنترنت ـ كشفت وعلي نحو حاسم‏,‏ مدي تدهور الأداء المهني والوظيفي‏,‏ للأجهزة الإعلامية‏,‏ فضلا عن عدم القدرة علي المواكبة الخلاقة لقنوات فضائية عربية عديدة‏.‏
إن الصحف المصرية الرسمية عموما‏,‏ والمجلات في غالبها تدهورت مستوياتها المهنية إزاء صحف ومجلات عربية‏,‏ وهو ما يكشف عن مدي تقهقر الصحافة إزاء نظائرها العربية‏,‏ علي الرغم من أن بعضها ارتبط بالإنفاق المالي المكثف لغالبية النظم البيروقراطية النفطية كي تدافع هذه الصحف ـ ووسائل الإعلام الأخري ـ عن سياساتها‏,‏ وتحالفاتها وتبعيتها للولايات المتحدة وتغطي علي ممارساتها الداخلية‏,‏ في انتهاك الحقوق والحريات العامة للمواطنين‏,‏ والعاملين الأجانب لديها‏!‏ والبدون في بعض دول الخليج‏.‏
‏4‏ ـ وزارة الإعلام‏,‏ والمؤسسات الصحفية الحكومية‏,‏ والإذاعة والتليفزيون مثلهم مثل النظم الدستورية المصرية المتعاقبة منذ الإعلان الدستوري‏,‏ إلي دستور‏1971‏ وتعديلاته‏,‏ هما تعبير عن الدولة والنظام الشمولي الذي كان سائدا في مصر ولايزال‏,‏ ولم يكن واردا آنذاك تطبيق مفاهيم التعددية السياسية والفكرية‏,‏ ولا الديمقراطية والتعدد الحزبي‏,‏ ومنظومات وأجيال حقوق الإنسان علي اختلافها وتطوراتها‏.‏
من هنا كشفت التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية عن فجوات واسعة بين الدستور والواقع الموضوعي‏,‏ وبين الإعلام المصري المتلفز والمسموع والمكتوب‏,‏ وبين التطور العالمي والإقليمي‏,‏ الذي أبرز زيف وضعف وتدهور خطابات الإعلام المصري‏,‏ وعدم مصداقية وتخلف غالبيته إلا باستثناءات محدودة‏.‏
‏5‏ـ إن الإعلام المصري‏,‏ دار ولايزال حول قطب رئيسي‏,‏ هو الدفاع عن مكانة وموقع وآراء وخطب رئيس الجمهورية ـ أيا كان شخصه ـ وكان هذا الخطاب‏,‏ يحاول أن يجعل الرئيس في موقع معصوم من النقد والخطأ ـ والعياذ بالله ـ شأن البشر الذين يصيبون ويخطئون في قراراتهم اليومية‏,‏ والسياسية‏,‏ الخطأ ينسب إلي الحكومات‏,‏ والوزراء والبيروقراطية‏,‏ والموظفين‏,‏ هذا الدفاع عن سياسات ومواقف وسلوك رئيس الجمهورية في النظام المصري‏,‏ كان أبرز أدوار وزارة الإعلام‏,‏ وهيئة الاستعلامات ـ ما هو دورها وما هي إنجازاتها وما مدي كفاءة العاملين فيها من منظور الوظائف التي نيطت بها؟‏,‏ وما هي تكلفة ذلك ماليا وسياسيا؟ ـ الدور هو الدفاع عن الإنجازات الحكومية‏,‏ وعن الريادة الإعلامية‏,‏ وعن الدور الإقليمي المصري‏,‏ ولا بأس في هذه الوظيفة أيام الدولة السلطوية وزمانها والسياقات التي تتحرك في إطارها‏,‏ إنما برز السؤال في مدي قدرة هذه المفاهيم والتقاليد السلطوية‏,‏ والنفاقية‏,‏ علي إضفاء الصدقية والفعالية علي أداء النظام الإعلامي ومخرجاته العديدة؟‏!‏
كان الرد السلطوي جاهزا‏,‏ هو التوسع الكمي في إنشاء القنوات المحلية‏,‏ ثم إطلاق قمر فضائي مصري نيل سات‏,‏ وقنوات فضائية عديدة‏.‏
كان الإنفاق المالي ـ ولا يزال ـ كثيفا وكثيرا علي البرامج والأنشطة الإعلامية‏,‏ الإخبارية والدرامية والتسجيلية وغيرها‏,‏ من هنا برز الفارق بين أن يكون لديك قناة فضائية إخبارية جيدة‏,‏ ومتطورة في لغتها الإعلامية ـ كالجزيرة‏,‏ أو العربية‏,‏ أو‏L.B.C‏ أيا كان رأينا فيها ـ وبين القنوات العديدة المصرية‏,‏ برز الفارق في التأثير وساعات التلقي الاستهلاك المتلفز بين هذه القنوات‏,‏ وبين القنوات المصرية‏!‏ علي الرغم من كثافة الإنفاق المالي المصري السنوي من أسف‏!‏
ثم مشكلات عديدة أعاقت‏,‏ ولا تزال تطوير أجهزتنا الإعلامية‏,‏ منها ضعف الكوادر من حيث سوء التكوين المهني وعدم تطوير القدرات والمهارات الإعلامية‏!‏ من ناحية أخري شكلت زيادة حجم العمالة الفنية والإدارية والخدمية عبئا ثقيلا وضاغطا في أداء التيفزيون‏,‏ والإذاعة‏,‏ وهيئة الاستعلامات‏,‏ والصحف الحكومية‏,‏ عمالة مفرطة وزائدة‏,‏ وغالبها يفتقر للكفاءة‏,‏ أو القدرة علي تطوير قدراتهم الهزيلة‏,‏ أو أداءاتهم المتدهورة مهنيا وفنيا وإداريا وسياسيا‏.‏
من هنا كانت أسبابي عديدة‏,‏ في ضرورة تصفية كيانات إعلامية رسمية‏,‏ تتسم بالضعف والترهل والخسارة المالية‏,‏ وكان السؤال الدائم لماذا لا يحاسب قادة الصحف علي إنجازاتهم الهائلة؟‏!‏ في ضعف وتدهور مستوي مؤسساتهم‏,‏ فضلا عن هياكل العمالة المتضخمة بمستويات رديئة‏,‏ ولايزال بعضهم يعين من هم علي شاكلتهم‏,‏ ولماذا يستمر هؤلاء في مناصبهم‏,‏ والخسائر الضخمة تتراكم‏,‏ وارتفاع معدلات مديونية المؤسسات القومية للبنوك والكهرباء والمياه والاتصالات والتأمينات الاجتماعية؟‏.‏
كانت الإجابة ولاتزال‏,‏ أن هؤلاء هم حراس البوابات الإعلامية الكبار‏,‏ أو هم المسيطرون الأساسيون عليها‏,‏ أما الذين يقفون أمام البوابات‏,‏ فهم يتلقون الأوامر الرقابية علي حرية تداول الأفكار والآراء والخطابات السياسية والدينية والفكرية‏,‏ ودورهم التنفيذ الآلي لها‏!‏
من هنا يبدو لي أنها فرصة مناسبة الآن لإصلاح الإعلام المصري كله‏,‏ من خلال خصخصة الإذاعة والتليفزيون‏,‏ والصحف الحكومية‏,‏ وأن تسيطر الحكومة علي قناتين وإذاعتين وصحيفتين‏,‏ ويتم طرح باقي القنوات والصحف والمجلات في السوق‏,‏ هي والعمالة الرديئة في عمومها‏!‏ لا بديل عن الخصخصة لإضفاء حيوية جديدة علي إعلامنا وتطويره‏.‏
بداية الإصلاح الإعلامي‏,‏ تكمن في ضرورة إعلان الشفافية‏,‏ والمساءلة وتحكيمها‏,‏ من خلال إعلان مديونيات الأجهزة الإعلامية‏,‏ وحجم الإنفاق المالي منذ ثلاثين عاما علي الأنشطة‏,‏ وضرورة أن نعرف من أين للقيادات الإعلامية والصحفية ـ طيلة ثلاثة عقود ـ كل هذا الثراء المعلن والمستور؟ دون فتح ملفات الثروة‏,‏ والنفط‏,‏ والعمولات‏,‏ وا‏....,‏ وا‏....‏ إلخ‏!...‏ إلخ‏...!‏ لا يمكن الحديث عن أي إصلاح‏,‏ الغوا وزارة الإعلام‏,‏ وخصخصوا الصحف‏,‏ وكفي هدرا للمال العام المصري‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا