يبدو أن المساعي المصرية تتسارع علي طريق الحل المرحلي بانسحاب إسرائيل من قطاع غزة كاملا ومن عدد من المستوطنات بانتظار الانسحاب الكامل في وقت واحد. وبغض النظر عن الشائعات والأقاويل والاجتهادات التي يبدو أن لإسرائيل دورا فيها فإن المساعي المصرية تحظي بتأييد وتقدير عال من الأغلبية الساحقة للفلسطينيين. علي أن هذا ليس هو الأهم وإنما ما فعله هذا الدور من تنشيط واسع ومتعدد للحركة السياسية الخارجية والميدانية وأحيانا التحرك الأهلي في اتجاه التعاطي مع الانسحاب الذي يفتح أفقا, ويعيد الأمل للحل السياسي بعد أربع سنوات من العنف والإرهاب ومن الانتفاضة. بتفاؤل غاب طويلا عن الساحة الفلسطينية. ولعل أبرز التحركات النشطة هي ما يتم ترتيبه في هذه اللحظات بين البنك الدولي وبين السلطة الوطنية الفلسطينية علي أن تتسلم شئون المستوطنات التي تخليها إسرائيل وكالة مؤقتة يعينها المجلس التشريعي الفلسطيني تكون مسئولة أمامه, تقرر موجودات المستوطنات وتشرف علي التصرف فيها بطريقة عادلة.تسابق السلطة الوطنية الفلسطينية بمشاركة البنك الدولي الزمن لوضع آليات عملية قبل الانسحاب الإسرائيلي المحتمل من المستوطنات فلقد ارتفعت الأصوات داخل إسرائيل بخاصة من الجهات الأمنية ومن اليمين الإسرائيلي بضرورة تفكيك أو تدمير ونسف البني التحتية للمستوطنات. ويسوق الذين يطالبون بذلك مبررات تتراوح بين أن الموجودات في هذه المستوطنات سوف تستعملها السلطة الفلسطينية للإرهاب!! أو أنها لن تذهب للسكان! وإنما سوف توزع علي المسئولين' الفاسدين' ولذا فإن علي إسرائيل حرمانهم من مثل هذا التصرف!! وسواء هذا المبرر أم ذاك فإننا نعتقد أن الهدف هو حرمان الفلسطينيين والتعامل معهم علي أنهم أعداء لإسرائيل ففي فرضية الإرهاب لا وجه للاعتقاد أو الظن بذلك لأن السلطة الوطنية الفلسطينية تسعي لانسحاب إسرائيلي ولتحقيق حلم الدولة ولا يقع تأسيس الإرهاب في خانتها وفي فرضية التوزيع علي المسئولين سواء كانوا في نظر إسرائيل فاسدين أم غير فاسدين فإن السلطة التي تمارس في هذه اللحظات ضبطا للأرض والممتلكات وتحصر كل إمكانية للتعويض علي المواطنين المتضررين من الإرهاب الإسرائيلي اليومي وبخاصة عمليات التدمير الرهيبة للمنازل والشجر والزرع والضرع ليست بحاجة إلي من يبصرها بما ينبغي عليها أن تفعله أو بواجباتها تجاه مواطنيها.. المهم أن يحل عنهم الاحتلال.
لذا وجدت السلطة الوطنية وبالاتفاق مع البنك الدولي تنظيم التصرف بممتلكات المستوطنات عبر لجنة أو وكالة يشرف عليها المجلس التشريعي والسلطة وبالتنسيق مع البنك الدولي حتي تقطع الطريق علي الدعوات الإسرائيلية المفتعلة فيما سيتعلق بالمستوطنات ومصير ممتلكاتها التي تربو الفوائد الضائعة علي الفلسطينيين منها أضعاف أضعاف موجوداتها. وهو الأمر الذي ربما يدفعنا إلي مطالبة السلطة الفلسطينية كي تطالب بالتعويض عن أكثر من خمسة وثلاثين عاما من الاستثمار الإسرائيلي فضلا عن استنزاف خصوبة الأرض طوال هذه المدة وهو ما يرفع التعويض إلي آفاق يصعب تقديرها. ويتحرك البنك الدولي في هذه اللحظات أيضا بتحريك من السلطة نحو مسألتين في غاية الحيوية بالنسبة للفلسطينيين: الأولي تتعلق بالمطار وإعادة تشغيله وبما أن إعادة التشغيل تحتاج إلي وقت وإجراءات أمن واتفاقات وربما مفاوضات فإن البنك الدولي اقترح تشغيل خط للطائرات المروحية حتي يتم التغلب علي صعوبة انتقال رجال الأعمال والسياسيين والحالات الإنسانية وخلافها. أما الثانية فتتعلق بالميناء بخاصة أن البضائع الفلسطينية تتم عرقلة إجراءاتها في الموانيء الإسرائيلية. ولمعالجة هذا الأمر يقترح البنك الدولي إنشاء ميناء وصفه' بالصغير!' في غزة لتسهيل الأمر كما يقترح إنشاء تعاون اقتصادي فلسطيني مصري في مجالين: ميناء بحري يربط بوابة البضائع في ميناء بورسعيد مع غزة. أما الثاني فهو إقامة منطقة صناعية للعمال الفلسطينيين في داخل مصر تكون علي المناطق الحدودية مع جمهورية مصر العربية. وقد بدا واضحا أن هناك تحركا آخر وهو التحرك الأمني وتكتسب المساعي المصرية أهمية عملية بدأنا نشهد آثارها داخل قطاع غزة من خلال التدريب والتنظيم اللذين يقوم بهما خبراء أمنيون مصريون في قطاع غزة تمهيدا لتأمين الأمن في حالة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة مثلما تشهد المؤسسات الأمنية الفلسطينية إعادة تنظيم وهيكلة ورسم أدوار تقوم بها فوق الأرض حين يحين موعد الانسحاب الإسرائيلي وتأخذ ترتيباته منحاها العملي. ولقد بدأت أطراف عديدة في تفعيل حركتها فليست السلطة الوطنية الفلسطينية وحدها التي تقوم بمتابعة دقيقة للاتصالات السياسية ليس فقط مع الإخوة المصريين من خلال الوزير عمر سليمان وإنما أيضا من خلال الاتصالات مع اللجنة الرباعية والحوار الذي أجراه صائب عريقات خصوص خطة الانسحاب من قطاع غزة والرؤية الأمريكية للدولتين الفلسطينية والإسرائيلية. ثم إن الخطوات الفلسطينية المصرية والعلاقة العملية مع البنك الدولي والاتصالات مع اللجنة الرباعية كل هذه الخطوات سوف تصعب علي الإسرائيليين الانسحاب من خطة انسحابهم وتجعل ما قد بدأ بمثابة مناورة خطوة وخطة لإنجاز غير مسبوق ولكنه يبقي في كل حال إنجاز مرحلي ينتظر الحل النهائي القائم علي أساس إنشاء دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس فوق الأراضي المحتلة منذ عام1967*