
|
حكاية لبني وبرنارد
صحفية فلسطينية وصحفي من عرب إسرائيل.. عذاب ليس له آخر |
 | |
سوزي الجنيدي عندما تريد السفر إلي أمريكا فإنك ببساطة تذهب إلي المطار قبل موعد سفر طائرتك بثلاث ساعات, وبعد الحصول علي الفيزا بالطبع, وقد تستغرق الرحلة بأكملها أقل من24 ساعة وتعود لتشكو من متاعب الرحلة المرهقة, لكن لبني الأشقر تستغرق رحلتها إلي أي مكان في العالم ما لا يقل عادة عن أسبوع بالكامل, لماذا؟! لأنها فلسطينية بالطبع, وعليها أن تمر أحيانا عبر أكثر من ثمانية حواجز أمنية إسرائيلية حتي تصل إلي جسر اللنبي, الذي يربط بين الضفة الغربية والأردن, ثم تبدأ أكثر الإجراءات بيروقراطية في العالم والمقصود بها مزيدا من التعطيل والإهانة, حيث تشكل ورقة عدم الممانعة من عبور أي فلسطيني إلي الأردن هاجسا دائما للجميع.لبني الأشقر مثل أي إنسان فلسطيني لا يشفع له عمله أو مكانته أمام الإذلال الإسرائيلي اليومي, التقيت بها مصادفة في الولايات المتحدة الأمريكية, حيث كنا مجموعة من الصحفيين العرب, جئنا بدعوة من وزارة الخارجية الأمريكية, ووصلت لبني متأخرة ثلاثة أيام كاملة إلي واشنطن عن موعد وصولنا جميعا, وضعت أغراضها, وتعرفت إلي المجموعة, ثم بدأت في لملمة أغراضها مجددا للسفر معنا إلي ولاية فلوريدا, وكانت تبدو متأثرة بعد أن فاتتها اللقاءات الصحفية التي أجريناها في واشنطن. وعندما بدأنا التعارف, نظرت إلي زميل صحفي معنا وأشارت له مبتسمة: أنت فلسطيني أليس كذلك؟ فرد بهدوء نعم, أنا فلسطيني أحمل الجنسية الإسرائيلية لأنني من عرب1948, وكان ذلك هو اللقاء الأول بين برنارد طنوس ولبني الأشقر, وقد شعرت بالاندهاش لأن الاثنين يمتلكان ملامح أوروبية من بشرة بيضاء وعيون ملونة, وهدوء ولياقة في التعامل مع الآخرين. برنارد طنوس كان مفاجأة الرحلة بالنسبة لي, فعندما علمت في واشنطن أن معنا صحفيا إسرائيليا شعرت بالامتعاض, وقررت مقاطعته, ففكرتي عن الصحفيين الإسرائيليين الذين يرافقون المسئولين الإسرائيليين الزائرين لمصر, وألتقي بهم في المؤتمرات الصحفية سيئة, فهم عادة متعجرفون عدوانيون ثائرون بدون داع وقليل منهم الذي قد يمتلك طباعا هادئة, وظللت أياما عديدة أتحدث مع برناد باسم إدوارد لأنني لا أتذكر اسمه لقلة الحديث المتبادل بيننا, وكان هو لا ينبهني أبدا إلي أن اسمه برنارد وليس إدوارد, لكن خلال إحدي المناقشات المتبادلة بين المجموعة كان هو الأكثر ثقافة وإطلاعا وذكاء في إلقاء الأسئلة, وسألته عن مكانته كمواطن فلسطيني داخل دولة إسرائيل, فحكي لي حكايته, وأكد أنه برغم تلك المعاناة فإنه يشعر بالرضا, لأنه يتمتع بقدر كبير من حرية الرأي قد لا يتمتع بها زميله داخل غزة والضفة. برنارد المولود في الجليل من بلدة الجشي يوضح أنه تعرض لبعض المشاكل الصغيرة في المطار, مثل أي إسرائيلي من أصل عربي, حيث يتم تفتيشه من قبل سلطات الأمن في المطار تفتيشا دقيقا مع أمتعته, وتوجيه عدة أسئلة وصفها بأنها سخيفة, مثل: هل ساعدك أحد في ترتيب حقيبتك؟ وقد تقبل الأمر بهدوء لأنه يعلم أنه قبل سفره بأيام قليلة تعرض رؤساء تحرير صحف من عرب48 إلي تفتيش بشكل مهين في المطار علي الرغم من أنهم كانوا يسافرون مع آرييل شارون رئيس الوزراء لتغطية رحلته إلي الولايات المتحدة, وقد ألغي رئيس تحرير صحيفة السنارة سفره بسبب إصرار سلطات الأمن علي تفتيشه بشكل مهين ومذل, في حين لم يتعرض أي صحفي إسرائيلي آخر لنفس الموقف من المسافرين علي نفس الرحلة. ويشير برنارد إلي أن رحلته إلي أمريكا استغرقت حوالي24 ساعة, وقد وصل المطار قبل إقلاع الطائرة بثلاث ساعات. ويشير برنارد إلي أن عدد عرب48 الحاصلين علي الجنسية الإسرائيلية يبلغ حوالي مليون و200 ألف فلسطيني, وهناك200 ألف يعيشون في القدس الشرقية, لكنهم حاصلون علي حق الإقامة وليس الجنسية الإسرائيلية. ويقول إن هناك تفرقة بالفعل في المعاملة بين الإسرائيلي اليهودي والإسرائيلي الفلسطيني( من عرب48), لكنها تفرقة غير رسمية, وليست خاضعة للقانون, وهي تفرقة تشعر بها في كل المجالات, فمثلا فرص العمل في الوظائف الرسمية صعبة جدا أمامنا, كما أن الميزانيات الحكومية والأموال المخصصة للبلدات التي يسكنها اليهود أكثر بكثير من البلدات العربية, وكذلك الأموال التي يتم صرفها علي التعليم والمؤسسات التعليمية. ويقول إنه يمارس عمله كإعلامي في راديو الشمس, بقدر من الحرية, حيث يقدم يوميا برنامجا صباحيا لمدة ساعتين يستعرض فيه أهم الأنباء وتحليلاتها في جميع المجالات, وقد عمل قبل افتتاح راديو الشمس في العام الماضي في مجلة الناس الأسبوعية, وراديو الشمس هو أول محطة عربية غير حكومية في إسرائيل تعمل بشكل قانوني, وأسهم فيها عرب وإسرائيليون. أما لبني الجميلة ذات الوجه الملائكي والشخصية القوية والناعمة في نفس الوقت, فقد حكت هي الأخري عن معاناتها التي هي صورة طبق الأصل من معاناة أي فلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي. وتروي لبني الأشقر من نابلس أن الإعلاميين يتعرضون عادة لمشاكل أكبر داخل الأراضي المحتلة, فكثيرا ما ترفض سلطات الاحتلال الإسرائيلي إعطاءهم البطاقات الصحفية و السماح لهم بتغطية الأحداث, ودائما هناك تضييق علي عملنا وعدم السماح لنا بتجاوز الحواجز الأمنية للوصول إلي مناطق الأحداث. وتشير إلي وقوع ضحايا عديدين من الصحفيين الفلسطينيين, وقد قتل13 صحفيا فلسطينيا منذ بدء الانتفاضة, وهناك العشرات من المعتقلين منهم في السجون الإسرائيلية. وبرغم أن لبني وبرنارد صحفيان درسا الصحافة لبني في جامعة نابلس بالضفة, وبرنارد في كلية كوتيريت بتل أيب, وهما الاثنان فلسطينيا الأصل و الهوي, إلا أن معاناة لبني في السفر والعودة أكبر بكثير. وتحكي لبني الأشقر قصة خروجها من الضفة وهي حكاية تتكرر يوميا لعشرات الفلسطينيين الراغبين في السفر إلي الخارج, فقد خرجت من منزلها في الساعة الرابعة فجرا وقبل أول خيط من خيوط الشمس, حيث مرت علي ثمانية حواجز أمنية, واضطرت في كل حاجز للوقوف والتعرض للتفتيش مع أمتعتها, والانتظار في كل حاجز من الحواجز الثمانية نصف ساعة علي الأقل, حتي وصلت أخيرا في الساعة التاسعة صباحا, إلي الجسر اللنبي المؤدي إلي الأردن, والذي يغلق في الساعة الثانية عشر ظهرا. وتضيف, إن السلطات الأردنية تشترط وجود موافقة من الداخلية الأردنية لدخولها إلي الأراضي الأردنية, وهي ورقة اسمها عدم ممانعة, وهي تصلح لمرة واحدة فقط, وعلي أي فلسطيني أن يحاول استخراج عدم ممانعة جديدة مع كل خروج له من فلسطين إلي الأردن. وتحكي لبني أنها قامت بهذه الرحلة في الفجر, إلي وصولها إلي الجسر أكثر من أربع مرات, وفي كل مرة لم تكن تتمكن من الوصول إلي الجسر قبل إغلاقه, وأخيرا تمكنت من الوصول قبل الإغلاق لتفاجأ برفض السلطات الأردنية دخولها لأن ورقة عدم الممانعة لديها غير صالحة, فاضطرت لبني للعودة إلي الضفة وهي تندب حظها, وحاولت استخراج ورقة عدم ممانعة جديدة ودفعت100 دولار, وحصلت عليها, لتقوم بنفس الرحلة لخامس مرة من الرابعة صباحا حتي وصلت بنجاح في التاسعة صباحا, وتصورت أن الأمر أصبح ميسرا, لكن هيهات, فقد ظلت أربعة أيام كاملة علي الجسر حتي يعطوها تصريحا للمرور من المخابرات الإسرائيلية والأردنية, حتي إنها فكرت في إلغاء الرحلة والعودة إلي بيتها, وفكرت أنها إذا لم تستطع هذه المرة المرور, فستعود ولتذهب الصحافة وزيارة أمريكا إلي الجحيم. لبني لم تتعرض لكل ذلك العذاب, لأنها إرهابية, لكن فقط لأنها فلسطينية, ولم يشفع لها وجهها الملائكي ولا كونها رئيسة تحرير مجلة صوت النساء نصف الشهرية التي تصدرها مؤسسة الأيام الصحفية الفلسطينية, كما كانت تترأس مركز الإعلام للنساء الفلسطينيات في الضفة الغربية, كما لم يشفع لها أن الخارجية الأمريكية هي الجهة الداعية لها للسفر إلي أمريكا, وأنها تحمل خطابا من السفارة الأمريكية في تل أبيب لتسهيل سفرها. وحكت لبني أنه عند عودتها أيضا من الولايات المتحدة تعرضت لنفس عذاب الانتظار عند الجسر وعبور الحواجز, وأرسلت رسالة اعتذ ار رقيقة لي لأنني طلبت منها إرسال بعض الصور التي التقطتها بكاميراتها عبر الإنترنت, لأن كل الأفلام التي كانت بحوزتها أتلفتها القوات الإسرائيلية علي الحواجز, وهو أبسط مثال علي احترام إسرائيل الديمقراطية لحرية الإعلام والصحافة*
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|