380‏السنة 123-العدد2004يوليو3‏14 جمادى أول 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

حكاية لبني وبرنارد

صحفية فلسطينية وصحفي من عرب إسرائيل‏..‏ عذاب ليس له آخر

‏ سوزي الجنيدي


عندما تريد السفر إلي أمريكا فإنك ببساطة تذهب إلي المطار قبل موعد سفر طائرتك بثلاث ساعات‏,‏ وبعد الحصول علي الفيزا بالطبع‏,‏ وقد تستغرق الرحلة بأكملها أقل من‏24‏ ساعة وتعود لتشكو من متاعب الرحلة المرهقة‏,‏ لكن لبني الأشقر تستغرق رحلتها إلي أي مكان في العالم ما لا يقل عادة عن أسبوع بالكامل‏,‏ لماذا؟‏!‏ لأنها فلسطينية بالطبع‏,‏ وعليها أن تمر أحيانا عبر أكثر من ثمانية حواجز أمنية إسرائيلية حتي تصل إلي جسر اللنبي‏,‏ الذي يربط بين الضفة الغربية والأردن‏,‏ ثم تبدأ أكثر الإجراءات بيروقراطية في العالم والمقصود بها مزيدا من التعطيل والإهانة‏,‏ حيث تشكل ورقة عدم الممانعة من عبور أي فلسطيني إلي الأردن هاجسا دائما للجميع‏.‏لبني الأشقر مثل أي إنسان فلسطيني لا يشفع له عمله أو مكانته أمام الإذلال الإسرائيلي اليومي‏,‏ التقيت بها مصادفة في الولايات المتحدة الأمريكية‏,‏ حيث كنا مجموعة من الصحفيين العرب‏,‏ جئنا بدعوة من وزارة الخارجية الأمريكية‏,‏ ووصلت لبني متأخرة ثلاثة أيام كاملة إلي واشنطن عن موعد وصولنا جميعا‏,‏ وضعت أغراضها‏,‏ وتعرفت إلي المجموعة‏,‏ ثم بدأت في لملمة أغراضها مجددا للسفر معنا إلي ولاية فلوريدا‏,‏ وكانت تبدو متأثرة بعد أن فاتتها اللقاءات الصحفية التي أجريناها في واشنطن‏.‏
وعندما بدأنا التعارف‏,‏ نظرت إلي زميل صحفي معنا وأشارت له مبتسمة‏:‏ أنت فلسطيني أليس كذلك؟ فرد بهدوء نعم‏,‏ أنا فلسطيني أحمل الجنسية الإسرائيلية لأنني من عرب‏1948,‏ وكان ذلك هو اللقاء الأول بين برنارد طنوس ولبني الأشقر‏,‏ وقد شعرت بالاندهاش لأن الاثنين يمتلكان ملامح أوروبية من بشرة بيضاء وعيون ملونة‏,‏ وهدوء ولياقة في التعامل مع الآخرين‏.‏
برنارد طنوس كان مفاجأة الرحلة بالنسبة لي‏,‏ فعندما علمت في واشنطن أن معنا صحفيا إسرائيليا شعرت بالامتعاض‏,‏ وقررت مقاطعته‏,‏ ففكرتي عن الصحفيين الإسرائيليين الذين يرافقون المسئولين الإسرائيليين الزائرين لمصر‏,‏ وألتقي بهم في المؤتمرات الصحفية سيئة‏,‏ فهم عادة متعجرفون عدوانيون ثائرون بدون داع وقليل منهم الذي قد يمتلك طباعا هادئة‏,‏ وظللت أياما عديدة أتحدث مع برناد باسم إدوارد لأنني لا أتذكر اسمه لقلة الحديث المتبادل بيننا‏,‏ وكان هو لا ينبهني أبدا إلي أن اسمه برنارد وليس إدوارد‏,‏ لكن خلال إحدي المناقشات المتبادلة بين المجموعة كان هو الأكثر ثقافة وإطلاعا وذكاء في إلقاء الأسئلة‏,‏ وسألته عن مكانته كمواطن فلسطيني داخل دولة إسرائيل‏,‏ فحكي لي حكايته‏,‏ وأكد أنه برغم تلك المعاناة فإنه يشعر بالرضا‏,‏ لأنه يتمتع بقدر كبير من حرية الرأي قد لا يتمتع بها زميله داخل غزة والضفة‏.‏
برنارد المولود في الجليل من بلدة الجشي يوضح أنه تعرض لبعض المشاكل الصغيرة في المطار‏,‏ مثل أي إسرائيلي من أصل عربي‏,‏ حيث يتم تفتيشه من قبل سلطات الأمن في المطار تفتيشا دقيقا مع أمتعته‏,‏ وتوجيه عدة أسئلة وصفها بأنها سخيفة‏,‏ مثل‏:‏ هل ساعدك أحد في ترتيب حقيبتك؟ وقد تقبل الأمر بهدوء لأنه يعلم أنه قبل سفره بأيام قليلة تعرض رؤساء تحرير صحف من عرب‏48‏ إلي تفتيش بشكل مهين في المطار علي الرغم من أنهم كانوا يسافرون مع آرييل شارون رئيس الوزراء لتغطية رحلته إلي الولايات المتحدة‏,‏ وقد ألغي رئيس تحرير صحيفة السنارة سفره بسبب إصرار سلطات الأمن علي تفتيشه بشكل مهين ومذل‏,‏ في حين لم يتعرض أي صحفي إسرائيلي آخر لنفس الموقف من المسافرين علي نفس الرحلة‏.‏
ويشير برنارد إلي أن رحلته إلي أمريكا استغرقت حوالي‏24‏ ساعة‏,‏ وقد وصل المطار قبل إقلاع الطائرة بثلاث ساعات‏.‏
ويشير برنارد إلي أن عدد عرب‏48‏ الحاصلين علي الجنسية الإسرائيلية يبلغ حوالي مليون و‏200‏ ألف فلسطيني‏,‏ وهناك‏200‏ ألف يعيشون في القدس الشرقية‏,‏ لكنهم حاصلون علي حق الإقامة وليس الجنسية الإسرائيلية‏.‏
ويقول إن هناك تفرقة بالفعل في المعاملة بين الإسرائيلي اليهودي والإسرائيلي الفلسطيني‏(‏ من عرب‏48),‏ لكنها تفرقة غير رسمية‏,‏ وليست خاضعة للقانون‏,‏ وهي تفرقة تشعر بها في كل المجالات‏,‏ فمثلا فرص العمل في الوظائف الرسمية صعبة جدا أمامنا‏,‏ كما أن الميزانيات الحكومية والأموال المخصصة للبلدات التي يسكنها اليهود أكثر بكثير من البلدات العربية‏,‏ وكذلك الأموال التي يتم صرفها علي التعليم والمؤسسات التعليمية‏.‏
ويقول إنه يمارس عمله كإعلامي في راديو الشمس‏,‏ بقدر من الحرية‏,‏ حيث يقدم يوميا برنامجا صباحيا لمدة ساعتين يستعرض فيه أهم الأنباء وتحليلاتها في جميع المجالات‏,‏ وقد عمل قبل افتتاح راديو الشمس في العام الماضي في مجلة الناس الأسبوعية‏,‏ وراديو الشمس هو أول محطة عربية غير حكومية في إسرائيل تعمل بشكل قانوني‏,‏ وأسهم فيها عرب وإسرائيليون‏.‏
أما لبني الجميلة ذات الوجه الملائكي والشخصية القوية والناعمة في نفس الوقت‏,‏ فقد حكت هي الأخري عن معاناتها التي هي صورة طبق الأصل من معاناة أي فلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي‏.‏
وتروي لبني الأشقر من نابلس أن الإعلاميين يتعرضون عادة لمشاكل أكبر داخل الأراضي المحتلة‏,‏ فكثيرا ما ترفض سلطات الاحتلال الإسرائيلي إعطاءهم البطاقات الصحفية و السماح لهم بتغطية الأحداث‏,‏ ودائما هناك تضييق علي عملنا وعدم السماح لنا بتجاوز الحواجز الأمنية للوصول إلي مناطق الأحداث‏.‏
وتشير إلي وقوع ضحايا عديدين من الصحفيين الفلسطينيين‏,‏ وقد قتل‏13‏ صحفيا فلسطينيا منذ بدء الانتفاضة‏,‏ وهناك العشرات من المعتقلين منهم في السجون الإسرائيلية‏.‏
وبرغم أن لبني وبرنارد صحفيان درسا الصحافة لبني في جامعة نابلس بالضفة‏,‏ وبرنارد في كلية كوتيريت بتل أيب‏,‏ وهما الاثنان فلسطينيا الأصل و الهوي‏,‏ إلا أن معاناة لبني في السفر والعودة أكبر بكثير‏.‏
وتحكي لبني الأشقر قصة خروجها من الضفة وهي حكاية تتكرر يوميا لعشرات الفلسطينيين الراغبين في السفر إلي الخارج‏,‏ فقد خرجت من منزلها في الساعة الرابعة فجرا وقبل أول خيط من خيوط الشمس‏,‏ حيث مرت علي ثمانية حواجز أمنية‏,‏ واضطرت في كل حاجز للوقوف والتعرض للتفتيش مع أمتعتها‏,‏ والانتظار في كل حاجز من الحواجز الثمانية نصف ساعة علي الأقل‏,‏ حتي وصلت أخيرا في الساعة التاسعة صباحا‏,‏ إلي الجسر اللنبي المؤدي إلي الأردن‏,‏ والذي يغلق في الساعة الثانية عشر ظهرا‏.‏
وتضيف‏,‏ إن السلطات الأردنية تشترط وجود موافقة من الداخلية الأردنية لدخولها إلي الأراضي الأردنية‏,‏ وهي ورقة اسمها عدم ممانعة‏,‏ وهي تصلح لمرة واحدة فقط‏,‏ وعلي أي فلسطيني أن يحاول استخراج عدم ممانعة جديدة مع كل خروج له من فلسطين إلي الأردن‏.‏
وتحكي لبني أنها قامت بهذه الرحلة في الفجر‏,‏ إلي وصولها إلي الجسر أكثر من أربع مرات‏,‏ وفي كل مرة لم تكن تتمكن من الوصول إلي الجسر قبل إغلاقه‏,‏ وأخيرا تمكنت من الوصول قبل الإغلاق لتفاجأ برفض السلطات الأردنية دخولها لأن ورقة عدم الممانعة لديها غير صالحة‏,‏ فاضطرت لبني للعودة إلي الضفة وهي تندب حظها‏,‏ وحاولت استخراج ورقة عدم ممانعة جديدة ودفعت‏100‏ دولار‏,‏ وحصلت عليها‏,‏ لتقوم بنفس الرحلة لخامس مرة من الرابعة صباحا حتي وصلت بنجاح في التاسعة صباحا‏,‏ وتصورت أن الأمر أصبح ميسرا‏,‏ لكن هيهات‏,‏ فقد ظلت أربعة أيام كاملة علي الجسر حتي يعطوها تصريحا للمرور من المخابرات الإسرائيلية والأردنية‏,‏ حتي إنها فكرت في إلغاء الرحلة والعودة إلي بيتها‏,‏ وفكرت أنها إذا لم تستطع هذه المرة المرور‏,‏ فستعود ولتذهب الصحافة وزيارة أمريكا إلي الجحيم‏.‏
لبني لم تتعرض لكل ذلك العذاب‏,‏ لأنها إرهابية‏,‏ لكن فقط لأنها فلسطينية‏,‏ ولم يشفع لها وجهها الملائكي ولا كونها رئيسة تحرير مجلة صوت النساء نصف الشهرية التي تصدرها مؤسسة الأيام الصحفية الفلسطينية‏,‏ كما كانت تترأس مركز الإعلام للنساء الفلسطينيات في الضفة الغربية‏,‏ كما لم يشفع لها أن الخارجية الأمريكية هي الجهة الداعية لها للسفر إلي أمريكا‏,‏ وأنها تحمل خطابا من السفارة الأمريكية في تل أبيب لتسهيل سفرها‏.‏
وحكت لبني أنه عند عودتها أيضا من الولايات المتحدة تعرضت لنفس عذاب الانتظار عند الجسر وعبور الحواجز‏,‏ وأرسلت رسالة اعتذ ار رقيقة لي لأنني طلبت منها إرسال بعض الصور التي التقطتها بكاميراتها عبر الإنترنت‏,‏ لأن كل الأفلام التي كانت بحوزتها أتلفتها القوات الإسرائيلية علي الحواجز‏,‏ وهو أبسط مثال علي احترام إسرائيل الديمقراطية لحرية الإعلام والصحافة‏*‏