
|
هادي العلوي وإرث الشرق |
عبدالله خليفة يمثل هادي العلوي, المفكر العربي الراحل, مقولة القفز علي المرحلة الرأسمالية, وتجاوزها نحو أفق تشاركي مشاعي, يلغي الانقسامات الاجتماعية والهيئات المتحكمة, وصولا إلي مساواة وحرية شاملة. وبسب هذه الرؤية, فإن الباحث قام بتأويل مسائل عسيرة, واصطناع مناهج متعارضة متصادمة, ولاشك أن الحياة الصعبة لهادي العلوي, حيث المعيشة الفقيرة الرثة, وقسوة الظروف الاجتماعية والسياسية المتحكمة في طفولته وحياته, لعبت دورا في خلق هذه الرؤية الطوباوية. كما أن طبقة الفلاحين العراقية التي تنتمي أسرته إليها والتي كانت في حالة انهيار, قد أثرت علي بداية حياته الفكرية, يقول في الكتاب ـ الحوار,( هادي العلوي: حوار الحاضر والمستقبل). فيما يتعلق بالوضع الاجتماعي, كان والدي عامل بناء, وقد نشأت في كرادة مريم, وهي ضاحية ريفية من ضواحي بغداد يصدق علي أهلها بالضبط وصف انجلز فلاحين مستقرين لكنهم في حالة انحطاط ص24 دار الطليعة الجديدة, دمشق. إن هذه الوضعية المتدهورة للفلاحين, والحلم بتجاوز عملية التفكك الرأسمالي, والطحن الطبقي, والعودة المستمرة إلي التراث والعمليات البطولية التي جرت فيه لتجاوز القفز فوق الانقسامات والقهر والذل, وعدم تشكل رؤية موضوعية لدي هادي العلوي للعصر الحديث وتحولاته, قد قادته إلي الرؤية الطوباوية. وفي الواقع, إن الوعي الاجتماعي التجديدي كله, كان في حالة غليان من أجل تجاوز الرأسمالية, خاصة في الشرق, حيث تم وضع ذلك موضع التنفيذ العملي. لقد استند هادي العلوي في تجاوزالرأسمالية إلي مرتكزات اجتماعية يقول إنها موجودة في الجزيرة العربية, وبعض مناطق المشرق, وهي تلك التي لم تنجر بعد إلي التمزق الطبقي, وحافظت علي المشاعية, ولم تصبح جزء من الرأسمالية التابعة. والواقع إن هذا الارتكاز هو محض وهم, فعمليات الانقسام الاجتماعي في الجزيرة وغيرها, واقتحام التحولات الرأسمالية لأعماق البراري والأرياف, هي مسألة لا تحتاج إلي تدليل. والحقيقة, إنه حتي لو لم توجد هذه المرتكزات الخيالية فإن الإجراءات التحولية لمصلحة الفقراء والطبقات العاملة, هي أمر وارد ومقبول, كسياسة إصلاحية, وليس كحام أبدي شمولي. ولهذا, فإن الباحث العربي وجد في النموذج الصيني, وأية قفزات تحولية تسريعية, نموذجه, في حين أن الصين تتجه بقوة إلي الدخول في العالم الرأسمالي, بكل انقساماته الاجتماعية وانجازاته وأحلامه. لقد رفض هادي العلوي الرأسمالية والغرب وإحلال صيغتهما في تطور الشرق, وخاصة الأمة العربية, التي رأي أنه من الضروري لها أن تتجاوز المرحلة الرأسمالية, وتقفز عنها, مشكلة حضارة مساواة وعدل. وفي تصوره إن الإرث المشاعي والقبلي العربي يلعب دورا في تشكيل قاعدة التحول هذا, وهذه الآراء سبق للشعبيين الروس طرحها في القرن التاسع عشر, وآمن بها بعض كبار المفكرين كتولستوي ودستويفسكي وغيرهما, معتبرين الجنة القروسطية ممكنة الاستمرار في العصر الحديث, إذا تم إبعاد تدخل الرأسمالية والغرب. إن هذا التصور هو مناطقي وإقليمي وتجزيئي للتاريخ, وليس عالميا وإنسانيا, فالرأسمالية الغربية هي نتاج الشرق كذلك, هي سلعه وأدواته ونظراته الحرة والتحديثية, وقد تراكمت وانعطف بها التطور الغربي, مغربنا بها الشرق أيضا, فتنقطع وتضمر علاقات ما قبل الحداثة عالميا. إن رأسمالية الدولة القومية التي جرت في الشرق, والتي لها إجراءات مساواتية, هي مقدمة للتحول الرأسمالي الصريح العميق, مثلما أن هذه الرأسمالية العائدة فيها آمال وفعل للتغلب علي انقساماتها الحادة, وهكذا يغدو التاريخ الحديث نشرا للرأسمالية وتجاوزا لها, عبر أدواتها وإنجازاتها وعالميتها. إن هادي العلوي يمثل إرث الحلم بتجاوز اللامساواة والقهر, ومن هنا عكف علي كشف تضاريس هذا الحلم في التراث كشفا دقيقا وموسوعيا جبارا, بحيث أصل الوعي الشعبي النقدي العصري في التراث المحتكر, ولكن تلك النظرة الخيالية تظهر هنا كذلك, فالرؤية واحدة, فهو يدلل علي أن الملكية الخاصة مرفوضة في الإسلام, مثلما إن الأسلوب الآسيوي للتملك هو إنجاز, في حين إن عدم وجود الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج الزراعية, كان كارثة علي التطور العربي, والأسلوب الآسيوي هو الذي جعل أوروبا تقفز إلي العصر الحديث قبلنا, أي أن أزمة العالم الإسلامي, في الحقيقة, إنه لم يسرع إلي الرأسمالية, ولايزال متقلقلا في تشكيلها. وبطبيعة الحال, فإن الإرث النقدي للقهر وللظلم, والذي كان هادي العلوي من أبرز مصنفيه, هو حاجتنا الثقافية والروحية للتبصر في عالم تسليع الإنسان, فرفضنا للحلول الخيالية والقفزية لتطورنا, لا يعني إنكارنا لجهود التقدميين والحالمين, فنحن ندرس الأرض الحقيقية الموضوعية ونكتشف طرق تجاوزها.
كاتب بحريني |
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|