380‏السنة 123-العدد2004يوليو3‏14 جمادى أول 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

هادي العلوي وإرث الشرق

عبدالله خليفة


يمثل هادي العلوي‏,‏ المفكر العربي الراحل‏,‏ مقولة القفز علي المرحلة الرأسمالية‏,‏ وتجاوزها نحو أفق تشاركي مشاعي‏,‏ يلغي الانقسامات الاجتماعية والهيئات المتحكمة‏,‏ وصولا إلي مساواة وحرية شاملة‏.‏
وبسب هذه الرؤية‏,‏ فإن الباحث قام بتأويل مسائل عسيرة‏,‏ واصطناع مناهج متعارضة متصادمة‏,‏ ولاشك أن الحياة الصعبة لهادي العلوي‏,‏ حيث المعيشة الفقيرة الرثة‏,‏ وقسوة الظروف الاجتماعية والسياسية المتحكمة في طفولته وحياته‏,‏ لعبت دورا في خلق هذه الرؤية الطوباوية‏.‏
كما أن طبقة الفلاحين العراقية التي تنتمي أسرته إليها والتي كانت في حالة انهيار‏,‏ قد أثرت علي بداية حياته الفكرية‏,‏ يقول في الكتاب ـ الحوار‏,(‏ هادي العلوي‏:‏ حوار الحاضر والمستقبل‏).‏
فيما يتعلق بالوضع الاجتماعي‏,‏ كان والدي عامل بناء‏,‏ وقد نشأت في كرادة مريم‏,‏ وهي ضاحية ريفية من ضواحي بغداد يصدق علي أهلها بالضبط وصف انجلز فلاحين مستقرين لكنهم في حالة انحطاط ص‏24‏ دار الطليعة الجديدة‏,‏ دمشق‏.‏
إن هذه الوضعية المتدهورة للفلاحين‏,‏ والحلم بتجاوز عملية التفكك الرأسمالي‏,‏ والطحن الطبقي‏,‏ والعودة المستمرة إلي التراث والعمليات البطولية التي جرت فيه لتجاوز القفز فوق الانقسامات والقهر والذل‏,‏ وعدم تشكل رؤية موضوعية لدي هادي العلوي للعصر الحديث وتحولاته‏,‏ قد قادته إلي الرؤية الطوباوية‏.‏
وفي الواقع‏,‏ إن الوعي الاجتماعي التجديدي كله‏,‏ كان في حالة غليان من أجل تجاوز الرأسمالية‏,‏ خاصة في الشرق‏,‏ حيث تم وضع ذلك موضع التنفيذ العملي‏.‏
لقد استند هادي العلوي في تجاوزالرأسمالية إلي مرتكزات اجتماعية يقول إنها موجودة في الجزيرة العربية‏,‏ وبعض مناطق المشرق‏,‏ وهي تلك التي لم تنجر بعد إلي التمزق الطبقي‏,‏ وحافظت علي المشاعية‏,‏ ولم تصبح جزء من الرأسمالية التابعة‏.‏
والواقع إن هذا الارتكاز هو محض وهم‏,‏ فعمليات الانقسام الاجتماعي في الجزيرة وغيرها‏,‏ واقتحام التحولات الرأسمالية لأعماق البراري والأرياف‏,‏ هي مسألة لا تحتاج إلي تدليل‏.‏
والحقيقة‏,‏ إنه حتي لو لم توجد هذه المرتكزات الخيالية فإن الإجراءات التحولية لمصلحة الفقراء والطبقات العاملة‏,‏ هي أمر وارد ومقبول‏,‏ كسياسة إصلاحية‏,‏ وليس كحام أبدي شمولي‏.‏
ولهذا‏,‏ فإن الباحث العربي وجد في النموذج الصيني‏,‏ وأية قفزات تحولية تسريعية‏,‏ نموذجه‏,‏ في حين أن الصين تتجه بقوة إلي الدخول في العالم الرأسمالي‏,‏ بكل انقساماته الاجتماعية وانجازاته وأحلامه‏.‏
لقد رفض هادي العلوي الرأسمالية والغرب وإحلال صيغتهما في تطور الشرق‏,‏ وخاصة الأمة العربية‏,‏ التي رأي أنه من الضروري لها أن تتجاوز المرحلة الرأسمالية‏,‏ وتقفز عنها‏,‏ مشكلة حضارة مساواة وعدل‏.‏
وفي تصوره إن الإرث المشاعي والقبلي العربي يلعب دورا في تشكيل قاعدة التحول هذا‏,‏ وهذه الآراء سبق للشعبيين الروس طرحها في القرن التاسع عشر‏,‏ وآمن بها بعض كبار المفكرين كتولستوي ودستويفسكي وغيرهما‏,‏ معتبرين الجنة القروسطية ممكنة الاستمرار في العصر الحديث‏,‏ إذا تم إبعاد تدخل الرأسمالية والغرب‏.‏
إن هذا التصور هو مناطقي وإقليمي وتجزيئي للتاريخ‏,‏ وليس عالميا وإنسانيا‏,‏ فالرأسمالية الغربية هي نتاج الشرق كذلك‏,‏ هي سلعه وأدواته ونظراته الحرة والتحديثية‏,‏ وقد تراكمت وانعطف بها التطور الغربي‏,‏ مغربنا بها الشرق أيضا‏,‏ فتنقطع وتضمر علاقات ما قبل الحداثة عالميا‏.‏
إن رأسمالية الدولة القومية التي جرت في الشرق‏,‏ والتي لها إجراءات مساواتية‏,‏ هي مقدمة للتحول الرأسمالي الصريح العميق‏,‏ مثلما أن هذه الرأسمالية العائدة فيها آمال وفعل للتغلب علي انقساماتها الحادة‏,‏ وهكذا يغدو التاريخ الحديث نشرا للرأسمالية وتجاوزا لها‏,‏ عبر أدواتها وإنجازاتها وعالميتها‏.‏
إن هادي العلوي يمثل إرث الحلم بتجاوز اللامساواة والقهر‏,‏ ومن هنا عكف علي كشف تضاريس هذا الحلم في التراث كشفا دقيقا وموسوعيا جبارا‏,‏ بحيث أصل الوعي الشعبي النقدي العصري في التراث المحتكر‏,‏ ولكن تلك النظرة الخيالية تظهر هنا كذلك‏,‏ فالرؤية واحدة‏,‏ فهو يدلل علي أن الملكية الخاصة مرفوضة في الإسلام‏,‏ مثلما إن الأسلوب الآسيوي للتملك هو إنجاز‏,‏ في حين إن عدم وجود الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج الزراعية‏,‏ كان كارثة علي التطور العربي‏,‏ والأسلوب الآسيوي هو الذي جعل أوروبا تقفز إلي العصر الحديث قبلنا‏,‏ أي أن أزمة العالم الإسلامي‏,‏ في الحقيقة‏,‏ إنه لم يسرع إلي الرأسمالية‏,‏ ولايزال متقلقلا في تشكيلها‏.‏
وبطبيعة الحال‏,‏ فإن الإرث النقدي للقهر وللظلم‏,‏ والذي كان هادي العلوي من أبرز مصنفيه‏,‏ هو حاجتنا الثقافية والروحية للتبصر في عالم تسليع الإنسان‏,‏ فرفضنا للحلول الخيالية والقفزية لتطورنا‏,‏ لا يعني إنكارنا لجهود التقدميين والحالمين‏,‏ فنحن ندرس الأرض الحقيقية الموضوعية ونكتشف طرق تجاوزها‏.‏
كاتب بحريني