380‏السنة 123-العدد2004يوليو3‏14 جمادى أول 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

العراق بعد هروب بريمر
الاعتراف الأمريكي بالسيادة العراقية رمزي أم فعلي؟‏!‏

أسامة سرايا


الأسوأ ليس حربا أهلية بين الطوائف‏..‏ لكن تحويل العراق إلي موطن للإرهابيين وأرض لصراع الأصوليات
لم تكن لحظة عادية‏,‏ لكنها مرت عابرة‏,‏ وتأثيرها التاريخي لا يمكن التقليل من حجمه‏,‏ فبريمر الثالث يهرب من العراق بلا وداع يليق بالحاكم بعد‏14‏ شهرا طويلة قضاها كحاكم أوحد‏,‏ وكان هو الحقيقة الوحيدة هناك‏,‏ فحكومة العراق كانت هو‏,‏ ولا شئ في العراق يمكن عمله بدون التنسيق معه‏,‏ فهو يعتقد بأنه المحرر‏,‏ لكنه سلم في صباح الإثنين‏27‏ يونيو وثيقة أو إعلانا مكتوبا من الرئيس بوش الثاني‏,‏ لإياد علاوي رئيس الوزراء العراقي باعتباره وكيلا في حضور رئيس الجمهورية الشيخ غازي الياور‏,‏ يعترف فيه بسيادة العراق الكاملة وانتهاء الاحتلال رسميا‏,‏ ثم سلم خطابا أمريكيا آخر لرئيس الجمهورية العراقية‏,‏ يطلب فيه إقامة علاقات دبلوماسية مع بلاده‏,‏ وافتتاح سفارة وإرسال السفير ليمثل التعبير الرسمي الأمريكي في العراق‏.‏
جاءت هذه الخطوة الرمزية قبل ميعادها الرسمي بيومين‏,‏ حيث كان من المفروض أن تتم في‏30‏ يونيو‏,‏ فهل ستمثل تطورا فعليا‏,‏ وما مدي السلطة التي سوف تكون للعراقيين‏,‏ وهل وهل؟ كثيرة هي التساؤلات التي تنفجر في العقل السياسي في منطقة الشرق الأوسط وفي العالم‏,‏ هل هذه الخطوة هي المقدمة إلي الأسوأ الذي لم يحدث بعد في العراق إلي الآن‏,‏ ويحاول الجميع أن يتجنبه وهو الحرب الأهلية؟‏!‏
فينفتح العراق ليصبح سوقا للإرهاب‏,‏ ومنطقة جذب للقوي الأصولية التي تهرب الآن من أفغانستان‏,‏ ولم تستطع أن تجد ملاذا آمنا في باكستان أو منطقة القبائل هناك؟
فالمطاردة المستمرة لحرب الإرهاب التي انفجرت عالميا بواسطة الولايات المتحدة بعد أحداث‏11‏ سبتمبر‏2001‏ في نيويورك وواشنطن‏,‏ ووضعت القاعدة والتطرف الأصولي هدفا محددا لها‏,‏ ووجدت ضالتها المنشودة أو ساحة معركتها المستقبلية علي أرض الرافدين‏,‏ مستغلة نقاط الضعف الجوهرية‏,‏ والتنافس الطائفي في العراق‏,‏ والصراع المرتقب علي السلطة بين العراقيين‏,‏ وحالة العداء المستشرية في المنطقة ضد الأمريكيين‏,‏ واتخذت من كل ذلك ستارا لكي تكون في العراق في محاولة للسيطرة عليه مستقبليا‏,‏ وبعض المراقبين يعتقدون أن الأمريكيين خططوا لهذه اللحظة‏,‏ فهم يريدون أن يقاتلوا عدوا واضحا‏,‏ موجودا علي الأرض‏.‏
لذا فهدفهم هو جذب عناصرالتطرف من كل أنحاء العالم‏,‏ لكي تحط رحالها في العراق‏,‏ وهو ما بدأ فعلا‏,‏ وليست جماعة الزرقاوي هي الحلقة المؤثرة الوحيدة‏,‏ فهناك إشارات إلي بروز حركات أصولية متعددة في مدينة الفلوجة وغيرها‏,‏ بما يعكس بداية معركة شرسة‏,‏ سيكون العراق وقودها‏,‏ ولن يكون وحده‏,‏ لكن منطقة الخليج‏,‏ فسوف تمتد النيران إليها لتشمل الشرق الأوسط كله‏,‏ فهل هناك من يدرك أبعاد المناخ المظلم‏,‏ والأرض التي تم تمهيدها لمعركة فاصلة كإحدي معارك حروب الإرهاب العالمية؟
عندما تكون الصورة غير واضحة‏,‏ ونوضع في مفترق الطرق‏,‏ تتنازعنا التطورات والتحليلات‏,‏ فالمشهد علي الأرض العراقية غير مستقر‏,‏ ويتسم بالغموض‏,‏ ويكتنفه الكثير من الصراعات‏,‏ فإذا كان الوضع الأمني ضعيفا‏,‏ والعمليات العسكرية أخذت أشكالا متعددة‏,‏ فلا يمر يوم بدون انفجار سيارات مفخخة وكمائن وهجمات بمدافع الهاون‏,‏ واحتجاز رهائن واغتيال البارزين‏,‏ فإننا نتوقف أمام عمليات نوعية مثل مقتل السائقين الشيعة الستة‏,‏ ونشير إلي أنه يؤجج ويؤصل لصراع سني‏-‏ شيعي‏,‏ سيأخذ أبعادا جديدة‏,‏ فالسنة الآن يتحالفون مع قوي عديدة في المجتمع العراقي‏,‏ لعل من أهمها البعثيين القدامي‏,‏ الذين يملكون المال والمعرفة الدقيقة بأحوال العراق‏,‏ ولا يقبلون بأن يهمشوا في مستقبل الدولة العراقية القادمة بعد‏80‏ عاما من سيطرتهم علي مقاليد السلطة هناك‏,‏ كما أن الأزمة بين العرب والأكراد هي الأخري راحت تتعمق‏,‏ وهناك خوف لدي العرب والأكراد معا في المستقبل‏,‏ ومن وجود الطرفين في أماكن الآخر‏,‏ أي أن هناك بداية للتحصن الطائفي والحروب القبلية‏,‏ وعدم القدرة علي التعايش المستقبلي‏.‏
فهل تتنبه الحكومة والعقلاء العراقيون إلي بوادر هذا الانقسام الخطير الذي يهدد وحدتهم ومستقبلهم؟
أزمة العراق كانت في الديكتاتورية التي هددت البلاد ودمرت المجتمع‏,‏ فصدام حسين استمر في السلطة‏35‏ عاما‏,‏ ودمر كل القيم الاجتماعية‏,‏ ثم جاءت الحروب والحصار‏,‏ فأفقرت البلاد‏,‏ وتهشمت بنيتها الاقتصادية والاجتماعية‏,‏ ثم جاء الاحتلال فدمر الدولة ومزقها‏,‏ وأصبح العراق بلا دواوين حكومية‏,‏ وبلا جيش أو شرطة‏,‏ ومفتوحا للمافيا والأصوليين‏,‏ وكل أشكال الفساد والبلطجة والخوف من المجهول والمستقبل‏,‏ لكن كل هذه العناصر المخيفة عندما تتجمع لا تمنع الذهن من التفكير في المصير المجهول والخوف مما ينتظر العراق الحبيب‏,‏ ذلك المصير الذي لن يهدد الجيران فقط‏,‏ بل قد يؤدي إلي انهيار إقليمي مخيف‏.‏
وسوف يختلط الحابل بالنابل‏,‏ فلن نعرف القتال المشروع أو عمليات المقاومة الحقيقية للاحتلال من الإرهاب الأسود الذي يقتل العراقيين ويصيب العراق في مقتل‏,‏ وسوف يختلط المقاتلون بالإرهابيين‏,‏ وبالمافيا وبالفساد والرشوة والبلطجة‏,‏ في مشهد عبثي لا تتخيله إلا عقول تجمعت فيها نذر الشر بالعراق والمنطقة‏.‏
فهل يمكن أن نخرج من هذا المأزق أو المستنقع الرهيب؟ فالأمريكيون حاولوا جهدهم إنقاذ العراقيين أنفسهم بأنفسهم‏,‏ ونسوا مسئوليتهم عن العراق‏,‏ وأنهم تسببوا في هذه الكارثة الإنسانية‏,‏ فأخطاؤهم لا يمكن أن ينكرها عاقل‏,‏ وباتت الإستراتيجية الأمريكية تواجه الخراب‏,‏ فهي المسئولة عن التفكير الرغائبي‏,‏ والقليل من التخطيط العلمي‏,‏ فأمريكا فشلت في حفظ الأمن‏,‏ وفتحت الباب واسعا للمصير المجهول‏,‏ وعندما حاولت أن تهرب أرادت أن تزج بالعراقيين وتحملهم المسئولية‏,‏ وحولت القوات الأمريكية وحلفاءها إلي قوات متعددة الجنسية‏,‏ وعادت إلي الأمم المتحدة وسلمت الحكم إلي العراقيين‏,‏ بدون الاتفاق علي سياسة للخروج من المأزق الكارثي‏,‏ أو طريقة لاستعادة الأمن وعودة الدولة وركائزها الحقيقية للعمل بأسلوب منظم وفعال‏,‏ وتركت رئيس الوزراء إياد علاوي وحده‏,‏ فبالرغم من أنه قوي‏,‏ فإنه لا يستطيع أن يعالج كل الأخطاء الأمريكية التي تراكمت خلال عام‏,‏ وعلاوي يعترف بأنه في مأزق‏,‏ وفي حاجة إلي إعادة تجميع وتنظيم وتعبئة المصادر العراقية‏,‏ وما يقوله حقيقة لأنه يجب تصحيح أخطاء الأمريكيين‏,‏ فالأخطاء الأمريكية كبيرة ولا يمكن حلها بدون خسائر كبيرة‏,‏ فقد طرحوا صيغا للحكم لا تتناسب مع العراقيين‏.‏
ويجب ألا نغرق في التشاؤم أو التفاؤل‏,‏ أو نترك أنفسنا للاثنين معا‏,‏ بل علينا أن نعترف بخطورة الموقف من العراق‏,‏ لكن تجاوزه ليس مستحيلا‏,‏ لو أحسن العراقيون النيات في الداخل‏,‏ وفتحوا المجال للتحاسب‏,‏ وليس للتناحر‏,‏ خاصة أن حجم الحزازات والصراعات والخوف بين الطوائف كبير‏.‏
وهنا لابد أن يمد العالم وفي مقدمته العرب والأمريكيون والأوروبيون يد المساعدة الحقيقية للعراقيين بلا شروط أو تدخل‏,‏ لأن الخطر علي الأبواب‏,‏ وهو كبير ومخيف‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا