الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 موضوع الغلاف
3حملة مغرضة في بريطانيا
علي الطبيب المصري زارع أطفال الأنابيب

الطرانيسي المظلوم

السبت 3 / 2 / 2007

لندن‏:‏ الأهرام العربي
تصوير‏:‏ فاروق بندق


ما الذي يمكن أن يجعل الناس يصفون عالما بعينه بأنه‏'‏ صانع المعجزات‏'‏؟‏.‏ ولو أجمع الناس‏,‏ خبراء وبسطاء ومسئولين‏,‏ علي كفاءة وخدمات هذا العالم للبشرية‏,‏ فماذا يمكن أن يكون وراء حملات إعلامية وعلمية ضده؟
لايجد البريطانيون صعوبة للإجابة عن السؤال‏,‏ عندما يتعلق بالعالم المصري محمد الطرانيسي‏,‏ خبير الإخصاب وأمراض العقم الأشهر‏,‏ في المملكة المتحدة‏,‏ وأحد أكفأ العلماء في هذا التخصص عالميا‏.‏
طوال الأسبوعين الماضيين لم تتوقف الأوساط الطبية ومعها وسائل الإعلام في بريطانيا عن الجدل حول تصاعد الخلاف بين الطرانيسي وهيئة الإخصاب والأجنة البشرية‏,‏ ليصل لحد الحرب الإعلامية والقضائية‏.‏ ورافقت الحرب مخاوف في الأوساط الطبية البريطانية والعربية من احتمال سحب ترخيص مزاولة المهنة بل وتعرض الطرانيسي للحبس‏.‏
فمنذ أيام‏,‏ استصدرت هيئة الإخصاب مذكرة قضائية بدخول عيادتين شهيرتين يديرهما الطرانيسي بوسط لندن وهما‏'‏ مركز أمراض النساء والمساعدة علي الإنجاب‏'‏ و‏'‏ معهد الجينات الإنجابية‏'.‏ وتقول الهيئة إنها اضطرت لاتخاذ إجراء تنظيمي انضباطي ضد العيادتين لأنه كلما حاولنا العمل مع العيادتين للحصول علي معلومات مطلوبة لعملنا‏,‏ واجهنا اعتراضا من جانب العاملين ومحامييه‏(‏ الطرانيسي‏)‏ عند كل خطوة‏.‏
وحصلت الهيئة علي ماتريد‏.‏ فقد تمكن فريقان‏,‏ يضمان ممثلي الهيئة ولجنة الرعاية الصحية بالاتفاق مع المجلس الطبي العام بمرافقة الشرطة‏,‏ من دخول العيادتين وتفقد حالتيهما والحصول علي المعلومات التي يسمح القانون بالوصول إليها‏.‏
وعندما سألت‏'‏ الأهرام العربي‏'‏ جيما ويكي‏,‏ المسئولة الإعلامية في الإخصاب‏,‏ عما إذا كانت الهيئة قد تلقت أية شكاوي من المرضي أو المترددين علي العيادتين أجابت‏'‏ لايمكننا التعليق علي ذلك‏'.!!‏
بالتزامن مع تحركات الهيئة‏,‏ زعم برنامج بانوراما الشهير في القناة الأولي بالتليفزيون البريطاني‏(‏ بي بي سي‏)‏ أن هناك مخالفات ترتكب في عيادتي الطرانيسي ربما يكون لها تأثيرعلي صحة المرضي‏.‏ وهذا الاتهام كان خلاصة تقرير أعدته صحفيتان زارتا مركز الإنجاب وأمراض النساء‏,‏ الذي بدأ به الطرانيسي عمله الخاص عام‏1995,‏ علي أنهما مريضتان بالعقم تحتاجان للعلاج‏.‏ وزعم التقرير أن بعض هذه المخالفات تتعلق بعرض علاج علي مريضات ليس لديهن سجل طبي سابق يؤكد أنهن يعانين من مشاكل في الإنجاب‏.‏ وتشير المزاعم إلي مثل هذا السلوك يسعي للربح‏.‏
وقد عرض البرنامج الحوارات التي دارت بين الصحفيتين المريضتين السريتين وبين العاملين في عيادة الطرانيسي علي مجموعة من الخبراء‏,‏ الذين يختلف معظمهم منذ فترة طويلة مع الطرانيسي حول تكنيكاته الطبية الناجحة‏(‏ وفقا للأرقام الرسمية‏)‏ ويدير بعضهم عيادات خاصة وحكومية منافسة له‏.‏ ومن بين هؤلاء اللورد روبرت وينستون‏,‏ مسئول عيادة الإخصاب في مستشفي همرسميث التابعة لمؤسسة كينجز كوليدج الشهيرة وعضو حزب العمال في مجلس اللوردات‏.‏ وفي تعليقه علي ما عرضه عليه برنامج بانوراما‏,‏ قال اللورد الذي يقدم برامج تليفزيونية طبية واجتماعية واسعة الانتشار‏:‏ بصراحة‏,‏ لا أستطيع مشاهدة ذلك‏....‏ إن هذا يجعل المرء يبكي لحالة مهنة الطب‏...‏ إنه إخفاق في تطبيق قواعد العمل المهني‏'.‏ بل إن بعض المشاركين في التعليق أبدي ملاحظات ساخرة للغاية‏,‏ واستمع إليها ملايين البريطانيين‏.‏
من جانبها‏,‏ قالت معدة ومقدمة التقرير المطول‏,‏ الذي لايزال يثير ضجة في بريطانيا‏,‏ حول العمل في عيادتي الطرانيسي إن هناك صراعا بين هيئة الإخصاب وأكبر خبير إخصاب في بريطانيا وصل بهما أحيانا إلي البرلمان الذي مثل أمامه الطرانيسي لعرض وجهة نظره الطبية‏.‏ وتضيف المعدة أن الهيئة انتصرت في بعض الجولات بينما انتصر الطرانيسي في البعض الآخر‏.‏
‏...‏ آخر هذه الجولات انتهت فصولها العام الماضي وعرفت إعلاميا بقضية‏'‏ تصميم الأطفال‏'‏ و طبيا باسم‏'‏ الأخ المنقذ‏',‏ التي انتصر فيها الطرانيسي‏,‏ بعد جهود قانونية مضنية‏,‏ لصالح إنقاذ طفل بريطاني مهدد بالموت بسبب السرطان ليصبح العالم المصري أول من يدخل هذه التقنية في المملكة المتحدة‏.‏ وتتلخص القضية في أن أسرة الطفل جوشوا المهدد بالموت لجأت إلي الطرانيسي للبحث عن وسيلة للحصول علي نخاع عظمي يحمل نفس الصفات الوراثية لزرعه في ابنهم لإنقاذه‏.‏ ونجح الطرانيسي في تخصيب بويضات من الزوجة بحيوانات منوية من زوجها‏,‏ ثم إجراء اختبارات معملية دقيقة لتحديد أي من الأجنة المخصبة ذات النخاع العظمي الأكثر ملاءمة لمثيله لدي الطفل جوشوا‏.‏ وكان الجنين بنتا ولدت أوائل عام‏2006‏ ونقل النخاع إلي أخيها الذي تعافي من المرض‏.‏
أما آخر القضايا التي خسرها العالم المصري أمام هيئة الإخصاب فكانت حول زرع‏5‏ أجنة مخصبة في رحم سيدة تبلغ الخامسة والأربعين‏,‏ في محاولة منه لزيادة فرص استمرار ثبات الجنين في الرحم‏.‏ ووفقا للقواعد الطبية‏,‏ التي حاول الطرانيسي تحديها‏,‏ فإنه لايجوز زرع أكثرمن جنينين في رحم السيدات تحت الأربعين‏,‏ أو أكثر من‏3‏ للسيدات أكبر من هذه السن تحسبا لأية آثار جانبية‏.‏ كما أن هناك سببا اجتماعيا يتعلق بالحد من التوائم بسبب المشاكل التي تتعرض لها الأسرة خصوصا الأم‏.‏
مثل هذه القضايا الخلافية وغيرها الكثير جعل برنامج بانوراما يعترف بأنه يبدو أن الحال وصلت بين الطرانيسي وهيئة الإخصاب لحد الحرب‏.‏
‏...‏تعترف هيئة الإخصاب بتفوق الطرانيسي علي أقرانه‏.‏ وفي تقاريرها خلال السنوات الاثنتي عشرة الأخيرة‏,‏ تؤكد أن نسبة نجاح محاولات الإنجاب بالتخصيب المعملي في عيادة الطرانيسي تبلغ‏54‏ في المائة‏,‏ بينما يبلغ متوسط النجاح العام في كل عيادات بريطانيا‏(‏ البالغ عددها‏22‏ عيادة متخصصة‏)‏ الآن‏28.2‏ في المائة‏.‏ واللافت للنظر أن العيادة التالية في الترتيب‏,‏ بعد عيادة الطرانيسي‏,‏ وهي‏'‏ يو سي إتش لندن‏'‏ تحقق‏42‏ في المائة‏,‏ أي أقل من مستوي نجاح العالم المصري بفارق‏12‏ في المائة‏.‏ وتؤكد التقارير الطبية الرسمية أن حوالي‏75‏ في المائة من مرضي الطرانيسي لجأوا إليه بعد أن فشلت محاولاتهم في عيادات ومراكز طبية أخري في بريطانيا‏.‏ ويري هؤلاء أن الطرانيسي عالما يمنح السعادة بسبب كفاءته العلمية‏.‏ فطوال السنوات السبع الماضية‏,‏ تمكن الطرانيسي بفضل إتقانه علي العمل‏,‏ من مساعدة أسرة بريطانية كل يوم في الحصول علي طفل‏!!‏
فالأرقام الرسمية تقول‏,‏ إن الطرانيسي نجح في‏'‏ إنتاج‏'‏ حوالي‏2550‏ طفلا خلال السنوات السبع الماضية‏.‏ وليس ذلك فحسب‏.‏ فمعدله في‏'‏ إنتاج‏'‏ التوائم الثنائية والثلاثية أكبر بكثير من معدلات غيره‏.‏
وطوال السنوات الماضية‏,‏ لم تتلق هيئة الإخصاب أو أية جهة رقابية طبية بريطانية أخري أية شكاوي ضد الطرانيسي‏.‏ ولذلك استمر في العمل وتسجيل أرقامه القياسية المعتادة‏.‏
فما الذي تغير الآن ؟
في شهر مايو من العام الماضي أصدر فريق مفتشي الهيئة تقريرا وضع عيادتي الطرانيسي‏(‏ المركز والمعهد‏)‏ في المرتبة قبل الأخيرة بقائمة المراكز والعيادات‏'‏ من حيث المخالفات الورقية والإدارية والإجرائية‏',‏ ومنها عدم استكمال ملء الأوراق‏,‏ وتغير طاقم العاملين مع التأخر في إخطار الهيئة‏.‏ وتناول التقرير الفترة بين مايو عام‏2005‏ حتي فبراير‏2006‏ فقط‏,‏ الأمرالذي يعني أن الطرانيسي لم يكن لديه مايوصف بمخالفات طوال أحد عشر عاما من العمل‏.‏
ولم يشمل التقرير‏,‏ الذي حصلت الأهرام العربي علي نسخة منه‏,‏ أية مخالفات‏,‏ أو حتي هفوات بسيطة‏,‏ تتعلق بالسلامة الطبية أو صحة المرضي أو أي أخطاء مهنية‏.‏ ويقول الطرانيسي إنه‏'‏ لم تصله أي إخطارات رسمية تطالبه بأية إيضاحات‏'.‏ وأكد‏:‏ لم أرفض التعاون أو الرد علي أية استفسارات لهيئة الإخصاب لأنه ليس لدينا أي شيء نخفيه‏.‏ والأهم من ذلك‏,‏ اعترف التقرير بأن الهيئة تلقت تقييما من ستة أشخاص تلقوا العلاج في المركز وأكدوا أنهم تلقوا النصائح مما جعلهم علي وعي بالخدمة المقدمة لهم‏.‏
وعندما‏,‏ تفقدت‏'‏ الأهرام العربي‏',‏ في وقت سابق‏,‏ أسلوب العمل في عيادتي الطرانيسي وجدت أن المرضي يتلقون استشارات طبية مستقلة حول جميع جوانب حالاتهم وسلبيات وإيجابيات العلاج المقترح عليهم‏.‏ وحتي في قاعتي الاستقبال بالعيادتين‏,‏ تتوافر مطبوعات بعضها بلغات غير أجنبية‏,‏ إلي جانب الإنجليزية‏,‏ حول حقوق المرضي والتزامات العيادتين تجاههما‏.‏
في الوقت نفسه‏,‏ لم تشر الهيئة إلي تلقي أية شكاوي من المرضي ضد الطرانيسي‏.‏ وقالت متحدثة باسمها لـ‏'‏الأهرام العربي‏':'‏ لا أستطيع التعليق حول ما إذا كنا تلقينا شكاوي أم لا‏'.‏
ومن جانبه‏,‏ يؤكد الطرانيسي دائما‏(‏ وهو مالم يشر إليه برنامج بانوراما‏),‏ أنه تقدم بثلاثة طلبات‏,‏ علي الأقل‏,‏ إلي الهيئة لمناقشة الطريقة التي أعد بها المفتشون تقريرهم قبل نشرها‏(‏ الأمر الذي يقره القانون‏)‏ ولكن الهيئة أصرت علي النشر قبل أن ترد علي الطلبات‏.‏
أما تفسيره فهو‏,‏ كما قال ردا علي تساؤلات البرنامج‏,'‏ إن هناك تاريخا طويلا من المشاكل بيننا وبين هيئة الإخصاب لأسباب مختلفة‏'.‏ ويضيف الطرانيسي‏'‏ هناك كثير من اللوائح التي يبدو أنها تطبق علينا بشكل أكبر مما تطبق علي غيرنا‏..‏ ونحن نحتاج أحيانا لنعبر عن وجهات نظرنا وعدم موافقتنا الأمر الذي يسبب خلافات ولكننا لسنا ضد اللوائح‏'.‏ وكشف أن هناك عشر عيادات علي الأقل لديها نفس الأخطاء الورقية بل إن بعضها يديره أعضاء في هيئة الإخصاب التي تتولي التفتيش‏(!!).‏
وفضلا عن ذلك‏,‏ فإن مارك هاميلتون‏,‏ رئيس جمعية الإخصاب البريطانية يؤكد أن هذا القطاع أكثر القطاعات الطبية انضباطا ومحاسبة وتدقيقا في المملكة المتحدة‏.‏ وهذا يعني أنه إذا كان عمل الطرانيسي مخالفا لقواعد الانضباط لما بقي مستمرا طيلة‏12‏ عاما ويحقق أرقامه القياسية‏.‏
المشكلة الثانية بين الطرفين هي ترخيص‏'‏ معهد الجينات الإنجابية‏'.‏ ولكن ما لم يقله بوضوح في‏'‏ الحرب‏'‏ الحالية هو أن الترخيص محل نزاع قانوني رسمي بين محاميي الطرانيسي ونظرائهم في هيئة الإخصاب‏.‏ فالطرانيسي حصل في أوائل عام‏2003‏ علي ترخيص رسمي لمدة ثلاث سنوات‏(‏ وهي أقصي مدة يمنحها القانون لعيادات الإخصاب في بريطانيا‏)‏ انتهت في شهر ديسمبر عام‏.2005‏ وفي نهاية الشهر‏,‏ أرسلت الهيئة نموذج تجديد الترخيص للطرانيسي ألحقته بشرط طبي يتعلق بأسلوب عمله‏,‏ الذي يعتقد جازما أنه صحيح وحقق نتائج جيدة‏.‏ وملأ الطرانيسي‏,‏ كما أعلن رسميا‏,‏ النموذج بالموافقة علي تجديد الترخيص مرفقا بطلبه الاجتماع بمسئولي الهيئة المختصين لشرح وجهة نظره الطبية والشكوي من الشرط المفروض عليه‏.(‏ وأكد الطرانيسي‏,‏ ولم تنف الهيئة‏,‏ أن كل حالات الخلاف السابقة من هذاالنوع حسمت لصالحه وقبلت شكواه ورؤيته‏).‏
ولم ترد الهيئة عليه لمدة شهرين رغم أنه أرسل إليهم رسائل طالبا الرد‏.‏
وواصل الطرانيسي عمله لاستكمال علاج الكثير من الحالات التي تتردد علي المعهد حيث لايمكنه طبيا أو قانونيا أو أخلاقيا إنهاء مشوار العلاج في منتصفه‏,‏ كما قال‏,‏ لحين إنهاء مشكلة الأوراق مع هيئة الإخصاب‏.‏ وبقي الملف بين المستشارين القانونيين للجانبين لبحثه‏.‏
طبيا‏,‏ يتلخص الخلاف بين الجانبين حول السيدات فوق سن الأربعين‏.‏ فالهيئة تري أنه لايجب زرع أكثر من جنينين مخصبين معمليا في رحم السيدة بهذه السن‏.‏أما الطرانيسي فيري أنه ليس هناك مبرر طبي لهذا الشرط ويعتبره تمييزا بين السيدات علي أساس السن‏,‏ وهذا لايسمح به القانون أو الأخلاق الطبية‏.‏ ثم إنه يملك الأدلة التي تؤكد أن طريقته الطبية فاعلة ولاتسبب أية مشاكل طبية علي الإطلاق‏.‏
ويتساءل الطرانيسي‏:‏ هل من المعقول أن يتوقف عن العمل ومساعدة الناس الذين وصلوا لمنتصف الطريق في العلاج حتي تنهي الهيئة أوراقه الإجرائية؟
‏...‏و ما يلفت الانتباه هنا هو أن الضجة الحالية أثيرت قبل أقل من شهر من اجتماع متفق عليه بين الجانبين لحسم مسألة الترخيص‏.‏
في لقائه مع برنامج بانوراما‏,‏ طرح الطرانيسي الكثير من الأسئلة لم تجد ردا حتي الآن‏.‏ وقد تمكنت‏'‏ الأهرام العربي‏'‏ من مشاهدة المقابلة المصورة مع العالم المصري كاملة في إحدي عيادتيه ومدتها‏58‏ دقيقة وأربع ثوان‏,‏ لم يذع منها برنامج بانوراما سوي‏3‏ دقائق وثماني ثوان‏.‏ وبدا فيه الطرانيسي واثقا متحديا أن يضع معدو البرنامج الأمور في سياقها‏.‏ وقال بوضوح‏-‏ وهو مالم يذعه البرنامج‏-‏ إنهم أرسلوا إليه سيدات ادعين أنهن مريضات‏.‏ ولما لم تأت بالمعلومات التي سعين إليها لتصوير عيادته بالصورة التي يريدونها‏,‏ فإنهم عرضوا الأمر بشكل غيرموضوعي وغير متوازن‏.‏ ووصل حد أن طلب منهم أن يعرضوا عليه المعلومات والصور التي سجلوها سرا كي يرد عليها بشكل دقيق أمام الناس‏.‏ ولكن معدي البرنامج لم يستجيبوا وواصلوا توجيه الاتهامات بناء علي معلومات اعتبرها الطرانيسي مغلوطة وتخالف حتي النصائح الطبية التي أسديت للمريضات‏,‏ التي سجلها مساعدوه‏.‏ ثم سأل‏:‏ هل هناك أية شكوي من نوع حول مستوي أو سلامة الخدمة الطبية التي نقدمها؟‏.‏ ولكنه لم يتلق أي رد‏.‏ وفي آخر جملة من المقابلة وصف الطرانيسي هذا الأسلوب في العمل الصحفي بأنه غير مسئول‏.‏ وكانت الرسالة واضحة صادمة علي مايبدو‏.‏ فقد قال الطرانيسي‏:‏ أقولها بصراحة‏..‏ إن مثل هذه المشاكل لا أسعي إليها بل تخلق لي‏'.‏ ولكنه لم يكشف أسباب ذلك‏,‏ ربما كي لايخلق لنفسه المزيد منها‏.‏
ولكن غيره من المراقبين للأزمة عن قرب لم يتردد في ذلك‏.‏ فالدكتور مجدي إسحق رئيس جمعية الأطباءالمصريين في بريطانيا يعتقد بأن‏'‏ الغيرة المهنية المتطرفة ونجاح الطرانيسي العلمي وراء الحملة الحالية ضده لأنه يشكل خطرا علي منافسيه بعبقريته العلمية ومحاولاته الدءوبة لتوسيع حدود العمل بالعلم والاستفادة من البحث العلمي ووسائله المبتكرة‏'.‏
ويضيف إسحق أن‏'‏ الغيرة المادية سبب آخر للحملة المهووسة ضد العالم المصري لأنه حقق بفضل اجتهاده وإخلاصه للعمل ثروة‏'.‏ ويؤكد رئيس جمعية الأطباء المصريين أنه لمس ذلك بشكل واضح من متابعته الدقيقة لتفاصيل الحملة وخصوصا تعليقات الخبراء الذين طلب منهم إبداء رأيهم في أساليب عمل الطرانيسي‏.‏
ووفقا للتقديرات المتداولة فإن ثروة العالم المصري تترواح بين‏30‏ و‏40‏ مليون جنيه استرليني‏,‏ ليوصف بأنه أغني الأطباء في بريطانيا‏.‏ ويأتي في المرتبة الثانية البروفيسور إيان كرافت صاحب‏'‏ مركز لندن للإخصاب‏'‏ الذي تبلغ ثروته حوالي‏10‏ملايين جنيه استرليني‏.‏
ويعتقد إسحق أن الطرانيسي‏'‏ يهدد مكانة منافسيه في السوق فأرادوا القضاء عليه ولكنهم لن يستطيعوا لأنه واثق من كفاءته العلمية والطبية وتاريخه يقوي موقفه‏'.‏
المرجع الأساسي للكفاءة العلمية‏,‏ كما يقول الخبير المصري‏,‏ هو ثقته في العلم وإمكانات الاستفادة منه لخدمة البشرية‏.‏ وهو يعلم أن هناك محاذير أخلاقية ودينية يراعيها ولكن دور العالم‏'‏ هو أن يكشف عن أشكال استفادة الناس من العلم مع توضيح جميع الجوانب السلبية والإيجابية والمخاطر لأي تطور علمي جديد‏,‏ وعلي المشرعين وعلماء الدين والمجتمع أن يضعوا القوانين اللازمة لضبط استخدام تطبيقات العلم‏'.‏
ولكن الطرانيسي يواجه انتقادات كثيرة بسبب التكنيكات التي يستخدمها في المساعدة علي الإنجاب‏.‏ ومن هذه التكنيكات‏'‏ علاجات المناعة أو مايسمي بالمناعة الإنجابية‏'‏ و‏'‏ فحص الأجنة بالأشعة قبل زرعها في الرحم‏'‏ و‏'‏ تنظيف الرحم قبل الزرع‏'‏ و استخدام نقل الدم المخلوط بخليط مركز من المضادات الحيوية البشرية لتهيئة المناخ لنمو الأجنة في الرحم‏'.‏ وعندما سئل الطرانيسي عن الأدلة الطبية التي تؤكد صواب هذه الأساليب أجاب‏'‏ التجربة هي الحكم‏.‏ فقد جربنا هذه الطريقة وثبت نجاحها بدرجة بالغة والدليل هو معدل نجاح مركز أمراض النساء والمساعدة علي الإنجاب وفق التقارير الرسمية نفسها‏'.‏ ويضيف الطرانيسي أن المراجع الطبية العالمية بها الكثير من الأدلة علي فعالية وسائلنا‏,‏ بل إن الكثير غيرنا يستخدمها‏,‏ ولكن طريقة الاستخدام تختلف‏.‏
سألت الطرانيسي عن رفض الأطباء استخدام منتجات الدم في عمليات الإخصاب لأسباب طبية‏,‏ فقال إن الغريب هو أن الأطباء أنفسهم يستخدمون بالفعل منتجات دموية مثل ألبومين‏(‏ الزلال‏)‏ حتي يمكن تحفيز عوامل نجاح بقاء الجنين في الرحم‏,‏ ولكن أحدا لايعترض علي ذلك‏.‏
إجمالا‏,‏ يري الطرانيسي أن نجاح عمليات المساعدة علي الإنجاب تحتاج إلي عاملين رئيسيين هما‏:‏ حسن اختيار الأجنة المخصبة الأفضل‏,‏ والبيئة الجيدة لزرع الأجنة‏.‏ ويصعب أن يتحقق النجاح دون أي من هذين العاملين‏.‏
‏....‏في بياناتها الرسمية‏,‏ تقول هيئة الإخصاب‏:'‏ لقد تلقينا معلومات من أشخاص أطلقوا لنا صفارات إنذار ويبدو أنهم كانوا يعملون في المركز‏(‏ مركز الإنجاب وأمراض النساء‏)'.‏ غير أن الهيئة لم تفسر صمت هذه الصفارات طوال السنوات الاثنتي عشرة الماضية‏.‏ وفي آخر هذه البيانات قالت أنجيلا مكناب‏,‏ الرئيس التنفيذي للهيئة‏'‏ إن همنا الأساسي في كل مايحدث هو المرضي وسلامتهم‏'.‏
هؤلاء المرضي‏,‏ الذي خذلتهم هيئة التأمين الصحي وعيادات الإخصاب الحكومية والخاصة‏,‏ تولوا بأنفسهم الدفاع عن الطرانيسي‏,‏ الذي لم يتحدث إلا نادرا منذ تفجر الأزمة‏.‏ ويواصل‏,‏ كما قال هو لـ‏'‏ الأهرام العربي‏'‏ عمله سبعة أيام في الأسبوع‏.‏ ويقول مرضاه إنه حريص علي متابعة حالاته في مواعيدها‏.‏ لهذه الأسباب‏,‏ وغيرها‏,‏ فوجئ مهاجمو الطرانيسي‏,‏ في هيئة الإخصاب والتليفزيون البريطاني والمستشفيات والعيادات المنافسة‏,‏ بتحالف عفوي مضاد شكلته آلاف الأسر التي اقتربت من الرجل‏.‏ وأمام المركز‏,‏ تظاهر منذ أيام عدد من الأسر ورافقها أبناؤها‏,‏ الذين ساعد الطرانيسي بجهده العلمي الدءوب في خروجهم للحياة‏,‏ رافعين لافتات تقول‏'‏ الطرانيسي ومركز أمراض النساء والمساعدة علي الإنجاب علي القمة‏'.‏ جيني وزوجها كريس بعثا برسالة مساندة إلي الطرانيسي وإلي البي بي سي يقولان فيها إن العالم المصري اكتشف مشكلة في بويضات جيني لم يستطع الكثير غيره رصدها‏.‏ وبعد سنوات من المعاناة النفسية والبدنية والمالية‏,‏ أفلحت طريقة الطرانيسي وأنجب الزوجان بنتا لم تكلفهم سوي‏5‏ آلاف جنيه استرليني‏!‏
وهذه الحملة أعفت العالم المصري وزملاءه من أن يقولا الكثير‏.‏ فالسيدة كريدج صرحت في رسالة تأييد بأسماء العيادات التي ترددت عليها لسنوات وأجريت لها فيها عدة محاولات للحصول علي طفل‏.‏ وانتهي بها المشوار إلي مركز الإنجاب وأمراض النساء لتخرج منه بطفل بعد محاولة واحدة‏.‏ ولذلك دعت الله بأن‏:‏ يبارك في الدكتور الطرانيسي الذي هو الأفضل والذي كان يتابعني شخصيا طوال الوقت‏'.‏
أدعية البركة جرت بها ألسنة ورسائل الكثيرين لمختلف الجهات‏.‏ ولم يتردد بعضها في وصف برنامج بانوراما بأنه‏,‏ كما وصفته كارين بروم سميث‏,‏ في رسالة إلكترونية لبي بي سي‏,'‏ ظالم بشكل مزعج للغاية ومتحيز ويستهدف الإثارة‏'.‏ أما الرسالة التي بعثت بها حملة المرضي إلي هيئة الإخصاب والمجلس الطبي العام في بريطانيا وهيئة الرعاية الصحية‏,‏ فقد بعث‏'‏ آنون‏'‏ ببرقية تقول فيها‏:‏ إنه لأمر رائع أن نجد الكثيرين يساندون مركز الإنجاب وأمراض النساء بمن فيه من عاملين وممرضات وإداريين وأطباء يثيرون الإعجاب والفخر‏'.‏ ويقول آخر سطر من البرقية‏'‏ إن الطرانيسي موهوب‏..‏ وآمل ألا يسمح بممارسة عملية اصطياد الساحرات ضده‏'.‏
علي مكتب الطرانيسي‏,‏ وعلي حوائط مركزه الطبي‏,‏ تشرح صور الأطفال وبطاقات الشكر والامتنان‏,‏ من مختلف دول العالم‏,‏ حقيقة مايدور في المركز‏.‏ وكلما شعر العالم المصري‏,‏ كما قال لنا‏,‏ بالتعب نظر إلي هذه الصور قائلا لنفسه‏'‏ سعادة الناس وهم خارجون من عيادتي حاملون أطفالهم الذين طال انتظارهم هي هدفي‏,‏ وتكفيني علامات السعادة هذه‏'*‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 3 / 2 / 2007
رقم العـدد
515
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg