|
تحقيق- رشا عامر يحلو للبعض أن يقارن بين معرض فرانكفورت والقاهرة, ويخلص إلي نتيجة مؤكدة: معرض القاهرة الدولي للكتاب هو الثاني في ترتيب المعارض علي مستوي العالم من حيث الأهمية, قد يكون الأمر صحيحا, فهل يخلص القائمون علي كل دورة من دورات المعرض إلي دراسات ترصد ما وقع من سلبيات لتلافيها في الدورات المقبلة؟ الإجابة: لا, لأن الملاحظات السلبية تتكرر من عام لآخر, وكل تطوير يجري يطرح سلبيات جديدة, تؤدي إلي تفاقم المشكلة, فهناك شركة خاصة تتولي تنظيم المعرض منذ عامين, وقد طردت من حساباتها أن تكون هناك دورات مياه تليق بالآدميين, وهي أشياء دالة علي وجه مصر الحضاري إذا عرفنا أن الأجانب لهم حصة ثابتة في المعرض, وأن هناك ضيوفا عربا, أكثرهم قدم إلي مصر خصيصا, لزيارة معرض الكتاب, حتي إن هناك أدباء شبابا جاءوا علي نفقتهم الخاصة. الأزمة الأولي التي تواجه رواد المعرض, خصوصا من حاملي الدعوات, أن من يستقبلونهم علي الأبواب لا يعترفون بهذه الدعوات, فلماذا طبعتها الهيئة أو الشركة المسئولة عن المعرض؟ وهو إجراء لم ينج منه الناشرون, الذين يقوم علي أكتافهم المعرض, فأغلبهم أكد لنا أنهم يدخلون يوميا بعد مواعيد الافتتاح اليومية, بسبب الزحام الشديد علي البوابات, التي يتقلص عددها, رغم كثرة البوابات المؤدية إلي دور النشر, أيضا فإن التفتيش الدقيق يشكل عاملا آخر في هذا التكدس أمام البوابات, وهو إجراء لم يكن متبعا علي هذا النحو من الصرامة, عندما كان المعرض يستضيف الوزراء والمسئولين الكبار في دوراته السابقة. أيضا تغيرت أماكن بعض دور العرض, مما أضاع وقت جمهور المعرض في البحث عن دور معينة, اعتاد التردد عليها والشراء منها, أحدهم بحث عن مذكرات المفكر الاقتصادي المصري سمير أمين في إحدي دور النشر, ووصل إليها بعد يومين, ليجد أن الكتاب نفدت نسخه, رغم غلاء سعره الفاحش, ما يجعلنا ندقق مقولات الناشرين المتواترة عن عدم البيع, وعن أسعار المساحات التي يستأجرونها من هيئة الكتاب, ويدفعون ثمنها بالدولار, علي الرغم من تحايل بعضهم لاستئجارها بالجنيه, من خلال ناشرين مصريين. يعلق أحمد أمين الخولي, المسئول عن جناح دار الشروق بالمعرض, علي مسألة التفتيش, وهي إجراء أمني ضروري بدون شك, يقول: من المفترض أننا أكثر حرصا علي أمن وسلامة المعرض, لأنه مصدر رزقنا السنوي, مشيرا إلي أن مستوي التنظيم تراجع كثيرا هذا العام, بخلاف الأعوام السابقة, حين كانت الهيئة المصرية العامة للكتاب تشرف علي المعرض من الألف إلي الياء, ويتفق معه كريم إلياس- من دار إلياس- مؤكدا أن الأمور التنظيمية خرجت عن نطاق السيطرة, فبجانب التأخر في عرض الكتب, رغم أن المعرض موعده محدد منذ فترة بعيدة, فقد حدثت كارثة حقيقية, من وجهة نظره طبعا, عندما بدأ العمال في وضع الحوامل الحديدية التي ترص عليها الكتب, إذ اندفع جميع العارضين لأخذ ما يلزمهم منها, وكانت بطبيعة الحال أقل مما يحتاجونه, فما كان من العمال إلا أن انهالوا عليهم ضربا بهذه الحوامل الحديدية, ونشبت مشاجرات عنيفة أسفرت عن وقوع عدد من المصابين, يحدث هذا في ظل غياب المسئولين عن المعرض, الأمر الذي جعل صاحب دار إلياس يحمد الله أن سراي إيطاليا توفر لعارضيها كل ما يلزمهم لعرض كتبهم دون الدخول في مهاترات مع منظمي المعرض. وأكد المسئول في دار الشروق علي سوء دورات المياه, الأمر الذي جعل أحد السياح الأجانب يكيل للجميع الاتهامات بالتقصير وبعدم القدرة علي تنظيم أي شئ, فدورة المياه أقذر من أي دورة عمومية في حواري مصر, علي حد تعبير العارضين أنفسهم, كذلك المنطقة التي تجمع معظم محلات الأكل لا تليق شكلا أو موضوعا بمعرض ضخم مثل معرض القاهرة الدولي للكتاب, فالأغاني الهابطة هي أكثر ما يصم الأذن هناك, إضافة إلي ارتفاع الأسعار باعتبار أنه موسم. مارجريت سعد, المسئولة عن دار نشر أكت سود الفرنسة تؤكد أنه لولا تدخل المركز الثقافي والسفارة الفرنسية في تنظيم هذا الجناح لكان أشبه بباقي الأجنحة من حيث الإهمال والقذارة, وسوء التنظيم, الأمر الوحيد الذي لم تفلح السفارة الفرنسية في معالجته, علي حد قولها, هو سوء معاملة المسئولين عن بوابات الدخول. الناشرون العرب كانت لهم شكوي خاصة بضيق المكان المخصص لكل منهم ما يجعل الكتب مكدسة بحيث لا يستطيع أحد تصفحها أو حتي معرفة عناوينها. ولعل هذا يقودنا إلي شكوي أكبر وهي عدم وجود أي دليل للمعرض , فالذي يبحث عن دار نشر ما عليه إلا أن يدخل كل الأجنحة, لكي يصل إلي هدفه وقد أفلتت من هذه المشكلة دور النشر الكبري مثل دار المعارف ودار أخبار اليوم والأهرام ودار الشروق, ومكتبة مدبولي, فأماكن البيع لاتزال كما هي منذ سنوات. وتظل دور النشر الصغيرة هي التي تعاني دائما, ليس فقط من عدم وجود خريطة توضح مكانها, ولا حتي علي الإنترنت, حيث جاء موقع المعرض فيه خاليا من أي معلومات مفيدة, علي حد تعبير رضا عوض صاحب دار رؤية للنشر ووسط هذا التكدس الرهيب لدور النشر والعارضين والكتب المعروضة وزوار المعرض, لا يستطيع أحد احتمال ضيق الأمكنة الخالية من منافذ التهوية, والإضاءة الشحيحة, التي أضفت قتامة غير عادية علي أماكن البيع, فضلا عن أن المناضد التي يجلس عليها مسئولو الدار مكسرة في أغلب الأحيان وعبارة عن ألواح خشبية قديمة محملة فوق بعضها, كذلك الحوامل المعدنية المخصصة للكتب قديمة ومتهالكة ولا تحتمل كل هذا العدد الكبير من العناوين والإصدارات. شكوي أخري طرحها معظم العارضين هذا العام وهي توقيت انتهاء العمل, خصوصا داخل سراي البيع إذ أن الأبواب لابد أن تغلق في السابعة مساء, مما يعني حرمان الكثير من الزوار من الدخول أو الشراء.في حين أن صالات العرض المكشوف وسور الأزبكية بعيدة عن هذه الحسابات, فلا بوابات ولا تعليمات ولا مواعيد إغلاق, فأمامهم فرصة للعمل حتي العاشرة مساء. ومع هذا الكم الهائل من البشر الذي يتدفق يوميا علي المعرض نتساءل: هل هذا الإقبال الضخم تتم ترجمته إلي حركة بيع مناسبة أم أن زيارة المعرض من قبيل الفرجة فقط؟ تبدو المسألة وكأنها ليست من قبيل الفرجة فلا يكاد يخرج أحد من باب المعرض إلا ويحمل معه عددا من الكتب إن لم يكن مجموعة هائلة ربما ينوء بحملها. هذا فضلا عن الإقبال الشديد علي شراء الموسوعات, سواء العلمية أم الدينية رغم ارتفاع أسعارها. القارئ يعرف ما يريده بالضبط, لذلك لا يتواني عن دفع أي مبلغ في سبيل ذلك, هذا ما أكده أحمد الخولي, الذي أضاف أن الإقبال علي الشراء هذا العام ملحوظ جدا, رغم ارتفاع أسعار الكتب إلي حد ما, ولاتزال كتب محمد حسنين هيكل ونجيب محفوظ تسجل أعلي نسبة مقروئية لدي معظم الزوار. نجيب محفوظ حقق أيضا أعلي مقروئية, لكن علي المستوي الفرنسي في إطار رواياته المترجمة إلي الفرنسية والمعروضة في الجناح الخاص بفرنسا, إضافة إلي الروايات الفرنسية لكبار الأدباء هناك, حيث اشتد الإقبال عليها من قبل طلبة الجامعة والمهتمين بالثقافة الفرنسية. وتأتي كتب الأطفال في مرتبة متقدمة, رغم ارتفاع سعرها بسبب نوعية الورق المستخدم وكثرة الألوان الجاذبة لعين الطفل, الأمر الذي أدي بأولياء الأمور إلي انتقاء الكتب ذات الأسعار المعقولة نسبيا. الطريف أن معظم جمهور دار إلياس وبعض الدور الأجنبية كان سؤاله الرئيسي حول مدي توافر سي ديهات للكتب المعروضة حتي كتب الأطفال, الأمر الذي بدا معه الكتاب في عرسه السنوي وكأنه في سبيله لأن يكون موضة قديمة, وفي الأخير لم يخل المعرض من منغصات, فبعض دور النشر تعرضت كتبها للمصادرة, حيث صودر من دار الآداب البيروتية رواية حنان الشيخ مسك الغزال وكونديرا خفة الكائن التي لا تحتمل, وعدد من روايات إدوار الخراط, رغم أن هذه الكتب صادرة منذ سنوات وبيعت في المعرض عبر أكثر من دورة*
|