الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 ثقافة
3غاب الضيوف العرب عن دورته التاسعة والثلاثين

معرض القاهرة للكتاب‏..‏ صراع من أجل البقاء

السبت 3 / 2 / 2007

تقرير ـ مصطفي عبادة


يكفي من البحر قطرة‏..‏ لتعرف أنه مالح‏.‏
ينطبق هذا المثل أكثر ما ينطبق علي معرض الكتاب هذا العام‏,‏ فهاهو المعرض في دورته التاسعة والثلاثين‏,‏ يكرر الأخطاء نفسها التي وقع فيها خلال الدورات الماضية‏,‏ وإن أضيف إليه هذا العام ندرة وضعف الأسماء العربية المشاركة‏,‏ لا سيما علي مستوي الإبداع‏,‏ ولم ينقذ ماء وجه هيئة الكتاب إلا استضافتها للروائي التركي‏,‏ الحائز علي جائزة نوبل أورهان باموق بعد أن تعاقدت علي ترجمة أعماله الإبداعية كاملة‏,‏ وصدر منها حتي الآن عملان هما‏:‏ القلعة البيضاء والحياة الجديدة‏,‏ فالمعرض الذي كان يستضيف أدونيس‏,‏ ومحمود درويش‏,‏ ونزار قباني‏,‏ لم يوفق هذا العام إلا في استضافة بعض الشعراء العرب من الأجيال التالية لهؤلاء الرواد‏,‏ مثل الفلسطيني أحمد دحبور‏,‏ والجزائري سمير سطوف‏,‏ والموريتاني محمد ولد أحظانا‏,‏ والتونسي عبدالكريم الخالقي‏,‏ والليبي أمين مازن‏.‏
ولأننا لم نستطع أن نشرب البحر كله للتأكد من ملوحته‏,‏ فلن نشير إلي مشكلات التنظيم‏,‏ وارتباكه‏,‏ وجور بعض الندوات علي الأخري بحيث لم تبدأ ندوة واحدة في وقتها المحدد‏,‏ وبالتالي كان يتم ترحيل الوقت ليتداخل مع موعد الندوة الأخري‏,‏ ويقف مذيع القناة الثقافية‏,‏ وبعض موظفي هيئة الكتاب يلحون في إنهاءالندوة‏,‏ وهي لم تصل إلي منتصفها‏,‏ ولم يكمل المتحدثون فكرتهم التي يتكلمون فيها وبما لا يسمح للجمهور بالمداخلة أو السؤال‏,‏ أضف إلي ذلك أعطال الصوت في الأجهزة‏,‏ وتسمع بين الحين والآخر من يصيح الصوت كما يحدث في صالات السينما المتواضعة‏,‏ جري ذلك مع الشعراء‏,‏ ومع محمد النشائي‏,‏ وفي ندوة دور المسلمين في أوروبا والغرب‏..‏ نقطة إضافة أم محور صراع وفي غالبية الندوات الأخري‏.‏
ولأن هناك دائما شمعة في آخر النفق‏,‏ كما أن ما مضي لا يلغي الإيجابيات الكثيرة‏,‏ مثل استضافة باموق‏,‏ ولقائه بالكتاب والمفكرين المصريين وأعضاء لجنة القصة والرواية‏,‏ ومثل فكرة ضيف الشرف التي استحدثتها الهيئة منذ العام الماضي وكان ضيف الشرف السابق ألمانيا‏,‏ ردا علي حضور العرب مجتمعين كضيف شرف في معرض فرانكفورت‏,‏ إيطاليا التي هي ضيف الشرف هذا العام‏,‏ جاءت مشاركتها أكثر تنظيما‏,‏ وأكثر فعالية‏,‏ وإن كان المكان الذي عقدت فيه ندوات محور إيطاليا كضيف الشرف‏,‏ لم يكن علي المستوي اللائق‏,‏ حتي إن الروائي المصري بهاء طاهر‏,‏ قاطع إحدي الندوات المخصصة له محتجا علي سوء المكان‏,‏ في الوقت الذي تخصص فيه الأماكن الفخمة‏(‏ التي لم يسمها‏)‏ لأنصاف الموهوبين والإعلاميين وبعض المسئولين‏.‏
ولأن المشاركة جادة بالفعل هذه المرة‏,‏ طرحت فيها إشكالات كانت تعد حتي وقت قريب من المسكوت عنه في العلاقات مع دول أوروبية‏,‏ مثل سؤال‏:‏ هل مازال هناك دور للاستشراق‏,‏ وكان ذلك محور الندوة التي أدارها د‏.‏ حسن حنفي‏,‏ وتحدث فيها ميكالي كابسو‏,‏ رئيس مؤسسة البحر المتوسط‏,‏ وأنطونيو بيليتاري أستاذ تاريخ الدول الإسلامية في جامعة باليرمو‏,‏ ود‏.‏ حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة‏.‏
كابسو دخل حقل الألغام مباشرة بطرحه السؤال‏:‏ هل الاستشراق مسئول عن الخلط بين الإسلام والإرهاب؟ وأجاب‏:‏ نعم‏,‏ الاستشراق له دور كبير في هذا الخلط‏,‏ واستدرك‏:‏ أتصور ضرورة خلق نوع من الثقة للتعاون وهذا لن يتحقق بدون معايير‏,‏ فالإسلام ليس مصدرا لتهديد الغرب‏,‏ فهو لا يساوي التطرف أو التعصب‏,‏ ولفت إلي أن المستشرقين باتوا في انحسار بسبب تطور العالم‏.‏
من إيجابيات هذه الندوة أن كلا الطرفين لم يتمترس حول أفكاره‏,‏ بل حاول الجميع التوصل إلي صيغ مشتركة بين العالمين العربي والإسلامي من ناحية‏,‏ والغرب من ناحية أخري‏,‏ حتي أن أنطونيو بيليتاري‏,‏ قال إنه تأثر باللغة العربية لأنها كانت لغة أجداده في صقلية لأكثر من قرنين‏,‏ وافتخر بكونه مستشرقا‏,‏ واستعرض تجربة الاستشراق في صقلية وتاريخها القديم حين كانت جزءا من العالم الإسلامي‏,‏ وقد قامت الدراسات الاستشراقية علي اعتبار الإسلام جانبا من تاريخنا‏.‏
جانب آخر من القضية‏,‏ وإن كان يمسنا نحن كعرب هذه المرة‏,‏ أثاره أورهان باموق وهو ملاحظته السديدة أو علي الأصح اعتراضه المهذب‏,‏ حينما قال‏:‏ رغم الإرث المشترك تترجمون رواياتي‏,‏ وتحاورونني عبر الإنجليزية‏!!‏ كان باموق قد عقد ندوتين بالمعرض اختصت الأولي بالكتاب والروائيين وبعض الصحفيين وأعضاء لجنة القصة والرواية في المجلس الأعلي للثقافة‏,‏ والثانية كانت عامة للجمهور‏,‏ وإن كان في كلا اللقائين لم يحاول الحديث في أي شأن سياسي‏,‏ رغم أن البعض حاول جره للكلام عن وفي السياسة‏,‏ بالأخص مذابح الأرمن وجرأته في طرح هذه القضية في بلد مثل تركيا ينكرها تماما‏,‏ وربما كان هذا البعض يلمح إلي إعجاب الغرب بأفكار باموق حول ماضي تركيا الدموي‏,‏ وبالتالي حاول غمزه في فوزه بجائزة نوبل‏,‏ وأن سببها سياسي في المقام الأول‏,‏ وهو ما فطن إليه الروائي التركي وتجنب الإجابة أو الكلام في السياسة‏,‏ حتي أن البعض من الكتاب العرب قالها مباشرة‏:‏ هناك في العالم العربي من الكتاب من يستحقون نوبل أكثرمن باموق بمرات عدة‏,‏ وهي المقولة التي تلخص انطباعا ساد لدي هؤلاء الكتاب عن أحقية العرب بالجائزة‏.‏
الإشارة الوحيدة التي لها طابع سياسي‏,‏ كانت تلميح باموق عن الصحفي الأرمني الذي قتل في تركيا الأسبوع قبل الماضي‏,‏ وإن أشارإليه باموق علي أنه صديقه وأنه حزين لموته‏,‏ ولا يريد الحديث في هذا الموضوع‏.‏
من أبرز ما قاله باموق في اعتراضه علي حضور الإنجليزية وغياب العربية والتركية في الحوار معه‏:‏ لم أقل إنه يجب أن يتحدث كل المثقفين العرب التركية‏,‏ أو أن يتحدث المثقفون الأتراك اللغة العربية‏,‏ لكننا نتحدث عن إرث ثقافي مشترك‏.‏
وعن صراع الحضارات قال‏:‏ لا أؤمن بنظرية صراع الحضارات التي اخترعها البعض لخدمة المصالح العسكرية الأمريكية‏,‏ وهناك الكثير من البشر قتلوا بسبب هذه النظرية‏,‏ وحياتي في اسطنبول تدل علي إمكانية التعايش السلمي بين الحضارات المختلفة‏,‏ وأري أن الصراع هو مجرد أكذوبة لا تهدف إلا إلي تصوير المجتمعات الإسلامية باعتبارها خطرا علي الحضارة الغربية‏.‏ نوبل باموق‏,‏ والانطباع الذي ساد بين الكتاب العرب في أحقيتهم أكثر منه في الفوز بنوبل فسره دون أن يدري العالم المصري أستاذ النانوتكنولوجي‏,‏ محمد النشائي الذي قال في معرض حديثه دون أن يسأله أحد‏:‏ لماذا لم يفز بنوبل سأل وأجاب علي نفسه‏,‏ لأنني لم أستطع تحويل نظريتي من إطارها النظري إلي تحققها في الواقع‏,‏ علي هيئة منتج يستفيد منه المجتمع العالمي‏,‏ وهو ما فعله زميل لي‏,‏ النشائي أشار إلي أن مصر بدأت التفكير في مشروع النانوتكنولوجي منذ اثني عشر عاما‏,‏ لكن لأمر ما توقف العمل‏,‏ لأنه ربما يحتاج إلي مئات الملايين من الدولارات‏,‏ وربما لأن الكلام في الطاقة النووية كان من المحرمات في مصر‏,‏ وجاء جمال مبارك ليحررنا من هذه المحرمات بفتحه الكلام بقوة في هذا المجال‏.‏
وعن أهمية النانوتكنولوجي قال د‏.‏ النشائي إن المنتجات التي تدخل فيها هذه النظرية ستصل إلي أكثرمن مليون منتج‏,‏ وأن أغني دولة في العالم‏(‏ الولايات المتحدة‏)‏ وأفقر دولة في العالم‏(‏ الهند‏)‏ لديهما مشاريع النانو‏,‏ وأن أكبر دولة في العالم أمريكا وأصغر دولة في العالم إسرائيل لديهما مشاريع النانو‏,‏ وأن رئيس هذه المشاريع‏,‏ دائما هو رئيس الدولة وخشية البعض من أن يظل كلام النشائي في إطار الكلام ترك لنا أحد المواطنين من حضور الندوة رؤيته الموجعة حيث قال‏:‏ منذ خمس سنوات كان يجلس هنا د‏.‏ أحمد زويل وقال كلاما كثيرا عن تقدم مصر ومشروعها العلمي‏,‏ ولم يحدث شيء‏.‏
ومن المحاور المهمة التي تضمنها المعرض‏,‏ ضمن نشاط قاعة‏6‏ أكتوبر محور الإسلام والغرب‏,‏ وعقدت في إطاره ندوة دور المسلمين في أوروبا‏..‏ نقطة إضافة أم محور صراع؟ وكان من المقرر أن يدير الندوة عبداللطيف المناوي‏,‏ إلا أنه اعتذر فأدارها د‏.‏ عبدالعاطي محمد‏,‏ رئيس تحرير الأهرام العربي بعد أن كان مقررا أن يقدم رؤيته حول موضوع الندوة‏,‏ وتحدث بالترتيب الكاتب والمترجم وأستاذ علم الاجتماع‏,‏ المقيم في فرنسا‏:‏ بدر الدين عرودكي‏,‏ ود‏.‏ سعيد اللاوندي خبير العلاقات السياسية الدولية بمؤسسة الأهرام‏,‏ ود‏.‏ عبدالمعطي بيومي‏.‏
أشار د‏.‏ عبدالعاطي محمد في تقديمه للندوة‏,‏ إلي أن موضوع المسلمين في الغرب بالغ الأهمية والخطورة‏,‏ ويثير الكثير من الشجن‏,‏ فهم الذين يدفعون الآن ثمن المواجهة الفكرية والمسلحة مع الغرب بخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر‏,‏ وهم محور صراع الآن أكثر منهم نقطة إضافة‏.‏ أكد د‏.‏ عبدالعاطي أن الاحتقان القائم الآن بين الشرق والغرب يأتي علي خلفية دينية‏,‏ وأنه ليس صراع حضارات‏,‏ بل صراع أديان‏,‏ رغم الجهود التي بذلت علي كل المستويات لاحتواء هذا الصراع‏,‏ ومحاولات تفعيل دور مسلمي أوروبا‏,‏ ورغم ذلك فالصراع يحتدم‏,‏ ومحاولات الحوار فاشلة‏.‏ واستطرد أن الأبعاد السياسية في هذا الصراع‏,‏ أكبر من الأبعاد الأخري الثقافية والدينية‏,‏ مما يفسر استقواء الغرب ضد العالم الإسلامي‏,‏ وكأن هناك مخططا لترهيب العالم الإسلامي بافتعال صراع الحضارات‏.‏
وطرح د‏.‏ عبدالعاطي ثلاثة سيناريوهات لوضع المسلمين في الغرب‏,‏ نظرية الاندماج‏,‏ وهي النظرية التي يتحفظ عليها البعض‏,‏ كون الاندماج يؤدي إلي الذوبان ويعني القبول بكل الأشكال العلمانية‏,‏ وعلي المسلمين هناك أن ينصاعوا لذلك‏.‏
السيناريو الثاني هو نظرية المعايشة‏,‏ أو بديل المعايشة‏,‏ والقبول بالآخر إلي جانب الاحتفاظ بالهوية الإسلامية‏.‏
السيناريو الثالث والأخير هو التشاركية أي تفاعل وحراك المسلمين في الغرب داخل مجتمعاتهم الجديدة ليصبحوا جزءا منها ويكونوا أوروبيين إلي جانب كونهم مسلمين‏.‏ أما د‏.‏ بدر الدين عرودكي‏,‏ فبدأ حديثه بأن المسلمين في أوروبا هم حالة يختلط فيها السياسي بالثقافي بالاجتماعي‏,‏ برهانات المرشحين في الانتخابات‏,‏ وبرهانات رأس المال والعمل‏,‏ بالماضي الاستعماري‏,‏ بالإضافة إلي القصور الشديد فيما يخص الفكر الإسلامي المعاصر في الغرب بعامة‏,‏ وفي فرنسا بخاصة‏,‏ والمسلمون في فرنسا موجودون علي صعيد التمثيل الرسمي في مؤسستين هما‏:‏ مسجد باريس‏,‏ ويتبع الحكومة الجزائرية‏,‏ ويتعامل مع الحكومة الفرنسية وبالتحديد وزارة الداخلية‏,‏ علي اعتبار أن وزارة الداخلية هي المعنية بتنظيم شئون الأديان‏,‏ والمؤسسة الثانية هي‏:‏ اتحاد المنظمات الإسلامية‏,‏ والذي أرادت له فرنسا أن يكون هيئة تمثل المسلمين‏.‏ والإسلام في فرنسا يقع بين شخصيتين هما‏:‏ طارق رمضان ومحمد أركون‏,‏ فطارق رمضان يحاول أن يقدم الإمكانات الكاملة لإسلام غربي‏,‏ يستطيع أن يتعايش مع الغرب والقيم العلمانية‏,‏ مع احترام لقوانين الجمهورية في فرنسا‏,‏ وينسحب ذلك علي كل الدول الأوروبية التي بها جاليات إسلامية‏,‏ أما محمد أركون فهو يمثل التيار النقدي للتاريخ الإسلامي‏,‏ وكلا الرجلين يمثل أقلية في جمهوره ويكادان يكونان معزولين‏.‏
د‏.‏ سعيد اللاوندي لخص الأمر في قصة شهيرة عاصرها عندما كان مسئولا عن الجالية المصرية في فرنسا‏,‏ وهي حكاية طفل يدعي إسلام‏,‏ وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وذيوع جملة إسلام يعني إرهاب‏,‏ كان زملاؤه يشيرون إليه‏:‏ إرهاب حضر بدلا من إسلام حضر ولما بكي الطفل وذهب والده إلي الإخصائية الاجتماعية قالت له أمامك حل من اثنين إما أن تنقل الطفل إلي مدرسة أخري وساعتها لن تضمن عدم تكرار هذا الأمر معه‏,‏ أو أن تغير اسمه‏,‏ وفي هذه الحالة أنت الذي اخترت له اسمه وهو صغير‏,‏ أما الآن فمن حقه أن يختار اسما لنفسه‏,‏ ولما سئل الطفل عن الاسم الذي يفضله أجاب‏:‏ دافيد‏.‏
ودخل د‏.‏ عبدالمعطي بيومي في مشادة مع أحد الحضور في القاعة وهو سعودي كان مصرا علي أن الغرب دار حرب مذكرا بـ‏:‏ ولن ترضي عنك اليهود ولا النصاري حتي تتبع ملتهم ولما حاججه د‏.‏ بيومي بأن الآية لها أسباب نزول موضوعية‏,‏ بادره السعودي بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المعني‏,‏ وأصر السعودي علي موقفه‏,‏ الأمر الذي يوضح إلي أي مدي أن النخب متفهمة لطبيعة الصراع‏,‏ وأن الجمهور أكثر تشددا من نخبه وسياسييه‏,‏ وهو الأمر الذي يجد تجسده كاملا في انصراف الجمهور الغفير إلي حفلات العروض السينمائية والموسيقية وترك الندوات الجادة خاوية علي عروشها‏*‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 3 / 2 / 2007
رقم العـدد
515
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg