|
محمد هلال لا أحد يعرف علي وجه الدقة متي غزت العلل والأمراض جسم الإنسان, لكن اليقين هو أن البشر في صراعهم الدائب للخلاص من تلك الأسقام قد التمسوا طرقا عديدة للتداوي والشفاء.. بغية الحياة بلا ألم. وقد تنوعت تلك الطرق بتنوع الثقافات واكتساب الخبرات وتطورها عبر الزمان.. واختلفت أيضا باختلاف الأماكن والطقس بين حار وبارد. بل إن هناك أمراضا حديثة مشتركة تسمي أمراض المهنة ترتبط بمزاولة عمل ما مثل آلام الرقبة والفقرات القطنية وأسفل الظهر التي تصيب الكتاب والصحفيين والذين يجلسون لساعات طويلة أمام أجهزة الكمبيوتر والمكاتب. وكانت الطبيعة هي الملاذ الوحيد أمام من تميزوا من البشر بمواهب الاكتشاف والتوليف بين عناصر الأعشاب والنباتات والأحجار حتي إن مؤلفات البعض منهم صمدت أمام الزمن ومازالت بيننا, بل عاد إليها المعالجون بشكل كبير فيما يسمي بالطب البديل. ومن الطريف أن يكون أشهر هذه الكتب ذائعة الصيت لرجل كفيف البصر هو داود الأنطاكي, ويسمي كتابه تذكرة داود. وإلي جانب التاريخ القديم والجديد والمستمر للأمراض العضوية ودأب العلماء في ابتكار واختراع العلاجات لها, ظهرت أيضا العلل النفسية والأمراض العقلية, وإذا كان من اليسير معرفة أمراض الجسد من خلال الوسائط المتعددة التي وصلت فيها التقنية العلمية إلي حد كبير مثل الأشعة الدقيقة جدا والتحاليل الطبية.. فإنه من الصعب حتي الآن الوقوف بشكل قاطع علي أمراض النفس والعقل, وهنا ظهر ما يسمي الطب الروحاني, نسبة إلي الروح, وكانت التماسات الشفاء في التبرك بالصالحين والرقية وهكذا, حتي إنه قيل إن عبادة الأصنام كانت ثمرة ذلك التبرك بالصالحين حين كان القدماء يكرمون الصالحين بإقامة تماثيل لهم يتبركون بها, وبمرور الأيام وتقادم العهود تطورت حكايات التبرك إلي طقوس لعبادتهم كوسيلة لتقربهم زلفي إلي الله. وبين المرض العضوي وعلاجاته والعلل النفسية الروحية ومحاولات الإنسان للخلاص منها. استهوي البعض اللعب فيما يمليه الشيطان لمن يوافقهم هذا الهوي, فكان السحر والشعوذة وقراءة الطالع والنجوم.. مرجع ذلك كما يقول العلماء ضعف الإنسان وتشوقه وشغفه لقوادم الأيام وحوادثها وما ينتظره في غده المجهول. وفي هذا المجال خلق كثير وخلط أكثر ما بين الطب الروحاني الذي يعتمد علي قوة الإيمان والطاقة الروحية التي يكتسبها البعض بحكم صفاء أرواحهم, وتعلم السحر والتكسب من وراء ذلك ممن يقعون في حبائلهم, لكن هناك متشابهات تجعل الحليم حيرانا, وعلي سبيل المثال تختص أماكن من الأرض دون غيرها بالقدرة علي شفاء الأبدان والنفوس دون وساطة من بشر, ففي محافظة كفر الشيخ بجمهورية مصر العربية قطعة أرض تسمي أرض المراغة وهي أرض سبخاء لا زرع فيها ما إن يضع المريض العضوي, خصوصا عدم الإنجاب أو النفسي جسده علي حافتها حتي يتقلب ويدور ويتمرغ كالكرة حتي يصل لنهاية الأرض ويعود دون أن تتسخ ملابسه, لذا أطلق عليها الناس أرض المراغة. ولها أسماء أخري منها كوم الميه- المائة- ويقال في تفسير ذلك إن بها مائة شيخ- ولي الله- آثاره الاختفاء دون الظهور في أضرحة وهم الذين يعالجون ببركتهم تلك الأرواح الشريرة المسيطرة علي الناس, ومنهم من يقول إنهم مائة أسرة من الجن وهم الذين يمتصون تلك الأرواح الشريرة لأنها منهم. وهكذا تدور حكايات الشفاء وبركة تلك الأرض التي يشبهها الكثير من الأراضي, بل زيادة المرض لمن ذهب إليها علي سبيل التجربة وليس الإيمان ببركتها, وذلك ينتج سؤالا: هل للإيمان دور في الشفاء؟ أم أنه مجرد وهم تغلفه الرغبة في العافية؟ ربما تجيب الحكايات التي نطرحها في هذا التحقيق. وأذكر في قريتي أبورية عم فهمي النصراني, وكان رجلا يحبه الناس ويدخل كل بيوت القرية كواحد منهم يخرج العفاريت من أجساد المسكونين بها, وذلك بوضع صليب خشبي فوق صدر المريض الراقد أمامه, ويتلو آيات من القرآن الكريم والإنجيل. فيرتفع الصراخ والحديث مع الجن والضرب أحيانا حتي يغادر الجن جسد المريض. إذن المسألة ليست وقفا علي دين معين. فقد عرفت الرقي والتمائم في جميع الشعوب قديما وحديثا, ومارسها الكهان في جميع الأديان, وفي الحديث الشريف عن جابر رضي الله عنه قال: نهي رسول الله عن الرقي فجاء آل عمرو بن حزم إلي رسول الله فقالوا: يارسول الله إنه قد كانت عندنا رقي نرقي بها من العقرب, وإنك نهيت عن الرقي. وعرضوها عليه فقال: ما أري بأسا من استطاع منكم أن ينفع أخاه ليفعل رواه مسلم, وفي رواية مسلم قول النبي صلي الله عليه وسلم: لا بأس بالرقي ما لم يكن فيه شرك. فالعلاج الروحاني أو الطب الروحاني الذي كثرت مدارسه والعاملون به منهم من يستخدم الجن كما يقول الشيخ جمال حسن, أحد المعالجين, وهذا حرام, ومنهم من لا يخرج عن نطاق الشرع والدين, وهذا هو الحق. وذلك يتطلب من المعالج أن يتمتع بقدرات خاصة وهبها الله إياه لابد لها- كما يقول الشيخ جمال- من الرياضات الروحية والأذكار وتقوي الله والطاعة الصحيحة كما يخبرنا الحديث القدسي: عبدي أطعني أجعلك عبدا ربانيا, تقول للشئ كن فيكون. والطب الروحاني لا يقف عند حدودالنفس, بل الروح والجسد.. المادي والمعنوي.. ولابد للمريض من الاقتناع التام والرغبة في الشفاء.. ونسبة كبيرة من المرضي يتحقق لهم الشفاء بهذا المفهوم. وإن كانت محاولات التفسير العلمي لهذا العلاج الروحاني لاتزال تواجه المصاعب, فهو فوق طاقة العقل- كما يقول المعالجون- ويرجع إلي وجود لغة غير محسوسة أو مفهومة بين أجسام البشر يسميها التفسير العلمي التواصل الجسدي أو التواصل الروحي بمعني أوضح أن العلاج الروحاني يشحن جهاز المناعة في الجسم فيتحقق الشفاء. هذا عند المؤمنين به, وهم بالطبع أصحاب الديانات, أما الملاحدة واللادينيين فالمسألة لا تعدو كونها خرافة ميتافيزيقية. وقد رأيت في ذلك ما وجب ذكره ولا أعرف له تفسيرا حتي الآن.. فقد كنت أعاني بعض الخشونة في كتفي الأيمن واتبعت العلاج الطبي العادي بالجلسات والتمارين وتحسنت الحالة بعض الشئ, حتي رأيت مناما أنني في دير ماري جرجس بمصر القديمة ووجدت أمامي شخصا غير واضح المعالم. شكوت له الألم فإذا به يضع ورقة بيضاء صغيرة علي كتفي.. وصحوت من نومي بلا ألم. ومرت الأشهر وظهر الألم في الكتف الأيسر وأسفل الظهر.. وكنا في رمضان الماضي قد نشرنا عن الشيخ جمال حسن الذي يعالج بالقوة الروحية.. والصدقة. وما علي المريض إلا الاتصال التليفوني بالشيخ يخبره عن اسمه وعمره فقط ويأمره الرجل بإخراج صدقة في نفس اليوم يضعها في يد أي مسكين أو فقير أو دار أيتام أو مسجد. وبعد النشر انهالت علي المجلة التليفونات من كل بلاد الوطن العربي تطلب تليفونات الشيخ. فقررنا المتابعة لمعرفة الحقيقة. وذهبت إلي الشيخ وشكوت إليه ما أعاني منه فإذا به يأمر بإخراج الصدقة, واليقين بالشفاء بإذن الله, فالرسول الكريم قال: داووا مرضاكم بالصدقة. وكان بيت الرجل غير ما هو متوقع من أمثال هؤلاء, فهو بيت عصري أنيق, وهو رجل متعلم تعليم عال, ويعمل في مجال المحاسبة والمقاولات يعني غير محتاج لأموال الناس. وسألت الرجل: هل العلاج يشمل كل الأمراض؟ فقال نعم. لكن لكل مرض مدة من الزمن, فمنهم من يحتاج عدة أشهر, ويتطلب المتابعة التليفونية. بل إن منهم من لا يشفي, لأن الإرادة ليست لي. فأنا وسيط والشافي هو الله, وما أقوم به هو المجاهدة الروحية التي اكتشفتها في نفسي وأولها الأحلام التي تتحقق, والتوقعات التي أراها حقائق دون ترتيب مني. عموما أجرينا معه حوارا مطولا. أيضا تحدثنا مع المرضي والحالات التي تم لها الشفاء ويصعب عقلا, تصديق ذلك. وأثبتنا أيضا آراء الأطباء وعرضنا لبعض تلاميذ الشيخ الذين كانوا مرضي واكتشف فيهم الرجل تلك القوة الروحية, وهم رجال ونساء متعلمون لا حاجة بهم إلي الدجل والشعوذة, وعلي رأسهم زوجته السيدة هبه كمال بحري وتعمل محامية. وقد حضرت معنا اللقاء وكانت ذات حضور متميز روحانيا, وقد انعكس ذلك بصورة عملية حين همس الزميل المصور موسي محمود وهو يستعرض الصور التي التقطها علي شاشة الكمبيوتر قائلا: سبحان الله هذه صورة لم أرها في حياتي. إنها تشع نورا. والمتأمل في عيني الشيخ جمال يجد نفسه حيال بحور لا ساحل لها من العمق, وكأنه يحمل الدنيا في عينيه. وحتي لا يشرد الذهن فهي ليست عيني ساحر أو مشعوذ, تلك التي يطل منها الشرر والاحمرار, لكنها السكينة والرحمة. فهيا نقترب أكثر مع واحد من هؤلاء المعالجين بالصدقة. الصدقة فقط بعيدا عن الوصفات وذبح الديك الأحمر والثوب الأبيض وجلب البخور. وخلق جو من الرعب نراه في الأفلام القديمة. نسيت أن أذكر أنه والحق يقال شعرت بتحسن ملحوظ, لكنه ليس نهائيا, بعد أن التزمت بما أوصي به الشيخ من إخراج صدقة بنية الشفاء. لكن المدهش أن هناك أمراضا كانت تستوجب التدخل الجراحي الكبير من البتر وأمراض القلب وتم لها الشفاء فهيا نقترب*
|