|
تداعيات سياسة الخصخصة التي انتهجتها الحكومة المصرية منذ عام1990 لم تنحصر في تعميق حجم مشكلة البطالة بفعل المعاش المبكر فقط بل تعدي أثرها إلي عجلة دوران الاقتصاد القومي, وربما كان المعاش المبكر وما سببه من فقدان العمال لمصدر دخل مرتفع من المعطيات التي أسهمت بشكل واضح في ظاهرة الركود والكساد التي شهدها الاقتصاد المصري بسبب تراجع القوة الشرائية للمجتمع منذ بداية العام1998 وحتي منتصف العام2003. حالة من الاحتقان والكراهية بين العمال والخصخصة لأنها ترتبت عليها أوضاع كثيرة أضرت بحقوق العمال فترتبت عليها أوضاع جديدة حيث اعتمدت علي طرح المعاش المبكر وانسحاب الدولة من النشاط الاقتصادي المباشر وانفراد القطاع الخاص به, ومن ثم حدوث تفاوت في توزيع الدخل القومي لصالح عنصر رأس المال علي حساب العمل, وبالتالي كانت الطبقة العاملة أكثر الطبقات تضررا من سياسة التحريرالاقتصادي فالعمال يواجهون خطر التهميش إما بإملاء شروط مجحفة عليهم أو الاستغناء عن عملهم, أو عدم صرف رواتبهم وحوافزهم ومن ثم تقلص عدد العمال في وحدات القطاع العام من مليون و200 ألف في الثمانينيات إلي508 آلاف و243 عاملا في آخر يونيو2004 بسبب المعاش المبكر. ثم إلي أقل من400 ألف عامل حاليا. في البداية أكد أحمد شرف الدين رئيس مركز العدالة لحقوق الإنسان أن الخصخصة دفعت بعشرات الآلاف إلي طابور البطالة, وأصبحت عجلة الإنتاج لا تستفيد من هؤلاء, وبالتالي افتقد المجتمع الاستثمار الذي وضعه لتنمية هذه القوة البشرية علي مدي العديد من العقود, إلي أن أصبح العمال شريحة في المجتمع كغيرها من الشرائح لا تجد من يدافع عنها.,وأضاف أن سلبيات الخصخصة تفوق إيجابياتها, وأهمها أن الخصخصة بالفعل أدت إلي زيادة معدلات تسريح العمالة, سواء عن طريق المعاش المبكر قبل البيع أم الاستقالة من العمل بعد البيع كنتيجة للمضايقات والمشاحنات التي يتعرض لها العمال من جانب الإدارة الجديدة, وهم المستثمرون الذين يبحثون فقط عن الأرباح القصوي وتخفيض التكاليف, وخاصة بند أجور العمالة.. وأوضح أن أموال المعاش المبكر يتم التهامها سريعا في ظل الارتفاع المستمر للأسعار وعدم قدرة أصحاب المعاش المبكر علي إقامة مشروعات صغيرة نتيجة لحالتي الكساد والركود الاقتصادي وفشل هذه المشروعات الصغيرة عند اللجوء إليها. وأضاف أن الخصخصة أصبحت مرضا يصيب الطبقة العاملة بحالة من الفزع والخوف من المجهول وأصبح شبح الاستغناء عن العمالة والانضمام لصفوف البطالة يؤرق العمال ويجعل المعاش المبكر السبيل الوحيد لإنقاذهم والذي أثبتت الأيام عدم جدوي معظم حالاته, ولذلك هناك ضرورة لاستعادة الدولة لدورها في قيادة الاقتصاد القومي واستعادة دور القطاع العام وإيقاف نزيف خسارة نظام الخصخصة والحفاظ علي حقوق العمالة المصرية باستحواذ آلية قانونية لمتابعة تنفيذ العقود ووضع شروط صارمة وضمانات ملزمة للاحتفاظ بالعمالة التي ترفض ترك العمل وتلبية مطالبهم. وفي دراسة للدكتورة هويدا عدلي خبير العلوم السياسية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أكدت فيها أن السياسات التي تم اتباعها نتيجة للخصخصة لم تضرب العمال فقط بل أضرت كذلك بفقراء الحضر وبعض الشرائح من الطبقة الوسطي والشباب, وهي فئات تمثل الغالبية العظمي من المصريين وتصاعدت حركة الاحتجاجات العمالية من سنة لأخري, وخصوصا بعد إعلان اتحاد نقابات العمال ورجال الأعمال صراحة تأييدهم لبرنامج الإصلاح الاقتصادي والانحياز الكامل للقضايا التي تمس رجال الأعمال, دون النظر لقضايا البطالة والتشغيل وإصلاح هياكل الأجور والحفاظ علي القطاع العام. تساؤلات.. وعلامات استفهام كثيرة.. تلك التي أصبحت تحيط بالطبقة العاملة الآن, هكذا يبدأ كمال عباس مدير دار الخدمات النقابية والعمالية حديثه ويقول إن التساؤلات تبلغ أحيانا حد الاتهام.. موضحا أنه في ظل القطاع العام الذي شمل مختلف أوجه الصناعة فيما عدا استثناءات قليلة.. تم تنظيم علاقات العمل من خلال قوانين عمل خاصة تقترب إلي درجة لا تبعد كثيرا عن المطابقة من قوانين العمل بالحكومة وتحدد علي سبيل الحصر جميع أوجه وتفاصيل هذه العلاقات بدءا من الترقيات والعلاوات والإجازات, وانتهاء بتقارير الكفاية والجزاءات.. وبينما شكل هذا القطاع القاعدة الأساسية لملكية الدولة وهيكلها الاقتصادي تم من خلاله تقديم الدعم للطبقات الشعبية سواء من خلال تثبيت أسعار منتجاته, أم توفيره الخدمات الأساسية للعمال.. أكد أنه مع بداية التسعينيات وصدور القانون رقم203 لسنة1991 تحول القطاع العام إلي قطاع أعمال عام وشهد العقد الأخير من القرن الماضي تصفية عدد لا يستهان به من شركاته, بينما بيع البعض الآخر الذي تقلصت عمالته إلي أقصي حد.. ليتغير تماما الميزان النسبي في الهيكل الاقتصادي المصري بين هذا القطاع الآفل, والقطاع الخاص الذي تزايد دوره, وعدد وحداته في نفس الوقت. لقد كان من شأن هذه المتغيرات الكبري أن تؤثر علي بنية الطبقة العاملة وأوضاعها أبلــــــــغ التأثير والتي تمثلت في تغير بنية الطبقة العاملة مشيرا إلي ربما لا تكمن المشكلة التي عاشها عمال قطاع الأعمال بالذات في الاتجاه إلي خصخصته أو بيعه وإنما فيما عرف بعملية إعادة هيكلة العمالة في وحداته, والتي لم تكن في واقع الأمر سوي خطة تقليص العمالة بنحو الثلثين تقريبا.. وقد بدأت أولي خطوات هذه العملية في واقع الحال منذ أواخر الثمانينيات عن طريق الخفض السلبي للعمالة( وقف التعيينات مع الخروج الطبيعي علي المعاش).. ثم لكن منذ منتصف التسعينيات بدأت تتخذ مسارا مباشرا متسارعا مع التقدم الحثيث في عمليات إعادة هيلكة الاقتصاد المصري.. حيث الخروج الدرامي لأكثر من مائتي ألف عامل من عمال قطاع الأعمال العام بنظام المعاش المبكر الذي انتهي بالطبقة العاملة ربما إلي أقسي وأشد ما تعرضت له من تغير بنيوي علي امتداد تاريخها.. رحل الحرس القديم حاملا معه تراثه الطويل, والتحق شباب جدد علي أرض جديدة.. هناك في شركات القطاع الخاص حيث شروط العمل التي ربما تعود بنا إلي ما قبل صدور أول قانون عمل في بلادنا, وفي غياب أي تنظيم نقابي وفضلا عن ذلك يتغير أيضا الوزن النسبي للقطاعات الصناعية المختلفة..تتراجع الصناعات المعدنية, وصناعة الغزل والنسيج ذات التاريخ العريق, وتتزايد المساحة التي تحتلها صناعة الخدمات, وصناعة السياحة, كما تظهر العمالة غير الرسمية علي خريطة القوي العاملة محتلة مكانا جديدا, وطارحة أوضاعا, وإشكاليات جديدة للعمل. أكد أنه في ظل الأوضاع الراهنة يصعب التنبؤ بانخفاض هذه النسبة علي أي نحو-بل علي العكس- تؤدي السياسات المتبعة إلي مفاقمتها.. وذلك علي النحو الآتي: تقلص عدد العاملين في وحدات قطاع الأعمال العام( القطاع العام سابقا) من مليون ومائتي ألف عامل في الثمانينيات.. إلي423608 عمال حتي2001/6/30 وهو التقلص-أو بالأحري التقليص-الذي جري تحت تأثير جملة من السياسات الطاردة لهؤلاء العمال بدءا من مشاريع المعاش المبكر, وانتهاء باستخدام التعسف الإداري لتشديد شروط العمل. وأشار إلي أن نظام المعاش المبكر يؤدي إلي التزايد المطرد في أعداد المتعطلين.. حيث كثيرا ما يشمل هذا النظام خروج عمال في سن الأربعين والخامسة والأربعين, وغني عن الذكر أن هؤلاء يحاولون بعد خروجهم البحث عن فرص عمل جديدة, فتزداد المنافسة علي فرص العمل المتاحة.. كما أشار إلي أنه ربما يري البعض-عن حق-أن تطبيق سياسات التكيف الهيكلي والخصخصة في بلادنا قد تم بصورة تدريجية.. إلا أن الأمر المؤكد أن العمال المصريين قد تحملوا القسم الأكبر من فاتورة تطبيق هذه السياسات علي الأخص منذ11 سنة فيما أعقب التوقيع علي اللوائح في شركات قطاع الأعمال العام في يوليو1995, وانحسار مظلة القانون رقم48 لسنة1978 عن عماله والتي تمثلت في الفصل من العمل, حيث ارتفعت معدلات الفصل من العمل, وإنهاء الخدمة خلال السنوات الأخيرة ارتفاعا مضطردا.. ويرجع هذا الارتفاع الملحوظ إلي تزايد أعداد الضحايا في شركات قطاع الأعمال العام التي لم تشهد من قبل مثل هذا التوسع المطرد في استخدام سلاح الفصل.. فضلا عما يحدث في القطاع الخاص الذي يعتقد أصحابه في حقهم المطلق في التخلص من العمال وعادة ما يتخذ الفصل سبيله علي النحو التالي:في منشآت القطاع الخاص يتم الفصل إما بالمخالفة الصريحة للقانون, أو بالتحايل الفظ عليه.. فالكثير من أصحاب الأعمال لا يعترفون حتي باللجان الخماسية- التي يتعين عرض العامل عليها قبل فصله وإلا وقع قرار الفصل كأن لم يكن من الوجهة القانونية, لا يعترف به. وأوضح أن الكثيرين من رجال الأعمال شرعوا الآن إلي اختصار الطريق, وإجبار العامل قبل تسلمه العمل علي توقيع استقالة غير مؤرخة مصحوبة باستمارة6( الخاصة بتصفية المستحقات التأمينية).. وعلي هذا النحو يتم فصل العامل دون سبب أو أعذار. وأشار إلي أن ما يحدث في شركات قطاع الأعمال العام شأن مختلف, فإن الفصل من العمل يتم بطريقتين أساسيتين الأولي أن يتم توقيع الفصل علي العامل كعقوبة أو جزاء لارتكابه مخالفة ما.. وعادة ما يفاجأ العامل بكون المخالفة المنسوبة إليه تصل عقوبتها إلي الفصل- وقد كانت من قبل لا تستوجب أكثر من الجزاء البسيط- ذلك أن أحدا في هذه الشركات لا يهتم بالإعلان عن لائحة الجزاءات خلافا لما ينص عليه القانون ولعل أبرز الأمثلة-وأشهرها- علي ذلك قيام شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبري- في نهاية عام1999- بفصل عاملين لدخولهما العمل من بوابة غير البوابة المخصصة لهما!!.. وعادة ما تلتزم شركات قطاع الأعمال العام بعرض العامل علي اللجنة الثلاثية التي تعترض علي مخالفة قرار الفصل لنصوص اللائحة أو القانون.. ورغم أن رأيها- الاستشاري- يضرب به عرض الحائط دون أدني مواربة.. إلا أن قرار الفصل يكون قد استوفي أوضاعه الشكلية!!. وأشار إلي ان المعاش المبكر دخل إلي شركات قطاع الأعمال العام مصحوبا باحتمالات تصفية هذه الشركات أو بيعها في أفضل الأحوال.. بينما كان تعسف الإدارات قد مهد أمامه الطريق جاعلا منه طوق النجاة من مخاطر الفصل التعسفي.. ولقد أدت خبرة الدفعة الأولي من الخارجين علي نظام المعاش المبكر إلي تزايد رفض العمال لهذا النظام.. فتحول'الاختيار'الذي يدفع إليه التعسف وشروط العمل المتردية إلي إكراه صريح وأوضح أن الحال وصل بقانون النقابات العمالية إلي الحد الذي وصلت إليه تعديلاته بالقانون رقم12 لسنة1995 فيما تضمنته من مواد تم تفصيلها بالمقاس- علي نحو يندر تكراره- علي شخوص' القيادات النقابية الرسمية'( فقد أصبح من حق هؤلاء الاحتفاظ بمواقعهم النقابية بعد إحالتهم إلي التقاعد بشرط التحاقهم بعمل داخل التصنيف النقابي الذي تضمه النقابة العامة التابعين لها( المادة23 من القانون).. حيث يتم التحايل- بطبيعة الحال- علي هذا الشرط بعقود عمل وهمية مع بعض شركات القطاع الخاص- أو حتي مع أي ورشة أو' طابونة' صغيرة مملوكة للأقارب والأصدقاء.. وحيث أسفر هذا التعديل في الواقع العملي عن استئثار المحالين إلي التقاعد بنسبة هائلة من مقاعد المستويات العليا للتنظيم النقابي موضحا أننا أصبحنا أمام صرح قانوني متكامل يصعب اختراقه من أية ثغرة ورغم أن أسسه وقواعده الأولي قد تم وضعها في الخمسينيات تطبيقا للصفقة أو التسوية التي تم إبرامها في ذلك الحين.. فإن تطويره في نفس الاتجاه قد تم في فترات لاحقة حيث جاء آخر التعديلات عام1995 في نفس العام الذي انتهي فيه العمل بالقانون رقم48 لسنة1978*
|