|
المنامة من ـ سامي كمال ما بين أزمة الملف النووي الإيراني وما أثاره من جدل حول استخدامات الطاقة النووية في المجالات السلمية أو السعي لامتلاك السلاح الذري لفرض الهيمنة علي دول المنطقة, تعيش المنطقة هواجس ومخاوف لا تنتهي, ورغم أن الدول العربية تحركت في إطار حقها الشرعي في برنامج نووي يستخدم في الأغراض السلمية, فإن كثيرا من الخبراء يؤكدون خطورة استخدام هذه الطاقة سلميا أو عسكريا.. ففي دراسة مهمة لمركز البحرين للدراسات والبحوث يؤكد الخبير البحريني د.وهيب الناصر وهو أستاذ للفيزياء التطبيقية بجامعة البحرين ورئيس القسم العربي في الجمعية العالمية للطاقة الشمسية بألمانيا, أن تاريخ الكوارث البيئية في العالم يجعلنا نتوقف لنفكر كثيرا قبل الإقدام علي التعامل في المجال النووي أو السماح لغيرنا بالخوض فيه بما يهدد وجود المنطقة بأسرها.. وهو يري أن الإشعاع النووي والطاقة النووية يشكلان معا موضوعا معقدا وشائكا للغاية, حيث أمضي علماء الطاقة النووية أعمارهم في البحث للوصول إلي قرار يريح الشعوب باستغلال الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء. ورغم الضمانات التي قدمها العلماء النوويون حول السلامة والكمالية في المفاعلات النووية واستبشار الناس خيرا بمولد تقنية جديدة تولد الكهرباء مع إنشاء أول مفاعل نووي في أمريكا عام1942 وبدء الدول الصناعية في انتاج المفاعلات النووية مدفوعة بالرغبة في تملك القوة والردع خصوصا بعد إلقاء قنبلتي هيروشيما ونجازاكي, إلا أن الكوارث النووية المتوالية قد أطاحت بهذه الضمانات, وأوجدت الهواجس والمخاوف من الآثار المدمرة للطاقة النووية. ويري د. الناصر أن هناك6 كوارث نووية كبري شهدها العالم تقف وراء هذه المخاوف ويأتي علي رأسها' الطعنة الكبري' التي تلقتها التقنية النووية بالتسرب الإشعاعي من مفاعل تشرنوبيل الذي كان أحد أربعة مفاعلات تشكل فخر الصناعة النووية الروسية, لكنه لم يستمر سوي سنتين وتسبب تسربه الإشعاعي في قتل الآلاف وتشويه ملايين البشر.. وإذا كان هذا هو ما حدث في دول كبري تمتلك خبرة عالية, فكيف تكون الحال في دولة' مبتدئة' تحاول' القفز' في المشوار النووي مثل إيران؟!. ورغم أن الخبير البحريني يقر بحق الدول في أن تختار ما تريد من مصادر الطاقة والتقنية لكنه يؤكد في المقابل أيضا علي حق من يجاور هذه الدول في أن يتوجس ويحتاط ويعارض, إذا كان فيما ستفعله هذه الدولة أو تلك خطرا يتهدده أو ضررا محتملا سيلحق به, ومن هنا يصبح الهاجس الخليجي من المفاعل النووي الايراني في بوشهر والذي لا يبعد عن السواحل الخليجية بأكثر من200 كيلو متر إن لم يكن أقل, أمرا شديد الأهمية يتطلب تبديده بخطوات عملية وليس مجرد تطمينات كلامية. ويعدد د. الناصر أسباب المخاوف الخليجية من هذا المفاعل فإيران كما يؤكد الخبراء تتعرض لزلزال ضعيف بصفة شبه يومية, ولهذا ومن خلال التاريخ الإيراني الحافل بالزلازل, فإن الشكوك تحيط بمدي استيفاء المفاعل الايراني للمتطلبات الخاصة بالمنشآت النووية من حيث الطبيعة الزلزالية لموقع المفاعل وخصائصه الجيوليوجية وقدرته علي تحمل الانزلاقات الأرضية. فالخبراء يرون أن حدوث خطأ فني أو إهمالا في التشغيل والصيانة, وهو أمر غير مستبعد لنقص الخبرة عند الايرانيين, سيؤدي إلي ارتفاع عال لبخار الماء في لب المفاعل لدرجة حرجة تحول دون إغلاق المفاعل, مما سيتسبب في انصهار الألومنيوم ومن ثم انفجار المفاعل نتيجة تحرر غاز الهيدروجين من تعطل المحفزات من الماء فائق الحرارة, وسيؤدي ذلك بدوره إلي نسف سقف المفاعل واحتراق قضبان معدلات الجرافيت, وسيظل الحريق مشتعلا لمدة عشرة أيام مع انطلاق مواد مشعة عالية. ويرسم د. وهيب الناصر السيناريو الرهيب لما يمكن حدوثه من تداعيات مخيفة في حال انفجار مفاعل بوشهر, فيقول إن هذه المواد المشعة من المفاعل ستنتشر في الهواء وستنقلها الرياح, حيث سيهبط بعضها علي الأرض مثل البلوتينوم طويل الإشعاعية, علي مسافة30 كيلومترا من بوشهر أي في الخليج, بينما سيتكثف السيزيوم واليود علي الهباء الجوي ليصلا إلي كل دول الخليج وحدود اليمن ومصر!.. فيما ستطلق بعض النويات المشعة كقذيفة بفعل الانفجار لتغطي مساحات شاسعة من الكرة الأرضية. وسيترتب علي هذه التداعيات ترحيل مواطني دول الخليج من أراضيهم, مثلما حدث تشرنوبيل إلي مناطق تزيد علي100 كيلو متر, لكن د. الناصر يري أن هذه المسافة ليست آمنة, ومن الأفضل أن تكون علي بعد يتجاوز500 كيلو متر, فإلي أين سيذهب سكان الخليج؟!.. علما بأنه لا يمكن استخدام الأراضي الملوثة إلا بعد مرور نحو50 ـ100 عام؟!! ويشير د. الناصر إلي خطر أية تسربات إشعاعية علي مياه الخليج بما يؤدي إلي تلوثها وربما نشوب حرب مياه في المنطقة, فالخطر الحقيقي يكمن في تلوث مياه الخليج نوويا. ورغم هذا السيناريو الرهيب والتداعيات الخطيرة لاستخدامات الطاقة النووية سلميا أو عسكريا في الخليج علي السواء, فإن خبراء آخرين يدعون الدول العربية وبإلحاح إلي دخول النادي النووي السلمي والتخطيط لبناء محطات نووية لتوليد الكهرباء, ومن بين هؤلاء الخبير العراقي متي نهاب المتخصص في الجيوفيزياء والمسح الجيولوجي, والذي يسوق في دراسة أخري لمركز البحرين للدراسات والبحوث أسباب تشجيعه للدول العربية علي بناء المحطات النووية لتوليد الكهرباء, وفي مقدمتها سد النقص الذي تعاني منه هذه الدول في الطاقة الكهربائية, حيث يقل معدل استهلاك الفرد العربي من الكهرباء بما يتجاوز4 مرات عن استهلاك نظيره في أوروبا. ويؤكد د. متي أن جميع المعطيات الحالية تشير إلي ضرورة ملحة تفرض نفسها لإقامة محطات نووية لإنتاج الطاقة الكهربائية في الوطن العربي, لتكون جزءا من المشاريع الرئيسية في مجال التعاون والتكامل الاقتصادي العربي, خصوصا أن الدول العربية سترتبط فيما بينها قريبا بشبكة كهربائية, كما أن المحطات النووية ستساعد علي ترشيد استهلاك الثروة النفطية وإطالة عمرها وتقليص تلوث البيئة في المنطقة, فضلا عن الاستعداد لعصر مابعد النفط. وهكذا فإن الجدل لن ينتهي فيما يبدو حول جدوي وأهمية إنشاء المحطات النووية في المنطقة للاستخدامات السلمية, أو الابتعاد عن هذا المجال بخيره وشره معا أي سلميا وعسكريا, ومواجهة أية محاولات لدول أخري لتحويل المنطقة إلي حقل تجارب لاختبار النفوذ تحت دعاوي وشعارات تثير المخاوف أكثر مما تبعث الاطمئنان, وتزيد من سخونة الأجواء في المنطقة التي لم تشهد بعد انخفاض درجات الحرارة السياسية رغم انخفاض الحرارة المناخية وشدة البرد القارس الذي تشهده المنطقة هذه الأيام*
|