|
الجزائر من ـ أشرف العشري مع بدء العد التنازلي لسباق الانتخابات التشريعية في الجزائر في أبريل المقبل تسارعت حمي التنافس والتدشين المبكر للحملات الانتخابية بين كل الأحزاب السياسية استعدادا لمعركة صيف سياسي ساخن, حيث الكل يبحث عن شكل التحالفات سواء مع حزب جبهة التحرير الحاكم أم عبر الإبقاء علي صيغة التحالف الرئاسي الحاكم بخوض الانتخابات بأحزابه الثلاثة مجتمعة جبهة التحرير الجزائرية والتجمع الوطني الديمقراطي برئاسة أحمد أويحيي رئيس الحكومة السابق ثم أخيرا حزب حركة مجتمع السلم. لكن الجديد في تلك الانتخابات المرتقبة هو إصرار جبهة الإنقاذ الإسلامية المنحلة علي العودة للعمل السياسي وإعلانها الاستعداد لخوض الانتخابات سواء عبر تشكيل حزب سياسي جديد يجري الإعداد له حاليا كما في حالة رابح كبير رئيس اللجنة التنفيذية لجبهة الإنقاذ الذي عاد للجزائر أخيرا بعد غياب قسري مطول في ألمانيا استغرق15 عاما بعد أن عقد صفقة مع السلطات الجزائرية تلغي بمقتضاها جميع الإجراءات والملاحقة الأمنية والقضائية مقابل القبول بإجراءات ميثاق السلم والمصالحة والتخلي عن عباءة جبهة الإنقاذ, وهو ما فعله كبير طواعية في الأسابيع الماضية بعد أن انقلب علي القيادة التاريخية للإنقاذ أمثال عباس مدني الزعيم الروحي لجبهة الإنقاذ وعلي بلحاج الرجل الثاني في الإنقاذ, والذي يرفض نهج كبير, واتهامه بالانقلاب علي جبهة الإنقاذ وعقد صفقة مع السلطات الجزائرية لتفكيكها وتخريبها والانقلاب علي قيادتها التاريخية مقابل السماح بالعودة للجزائر والتعاون مع السلطة مقابل ضرب الإنقاذ. وفي الوقت الذي سيتعذر فيه علي جماعة رابح كبير والتي تضم جبهته الجديدة قيادات فاعلة في الإنقاذ السابقة أمثال مدني مزراق الزعيم السابق للجيش الإسلامي للإنقاذ وفريق العائدين مع كبير من الخارج الإسراع بتشكيل الحزب الجديد باعتبار أن الأمر سيحتاج إلي بعض الوقت خصوصا أن السلطات الجزائرية لم تحسم أمرها بعد بإعطاء كبير امتياز تشكيل الحزب الجديد. فالمسألة مازالت في طور الشد والجذب بين فريق الإصلاحيين الجدد من الإنقاذ والذي يقوده رابح كبير والسلطات الجزائرية, ناهيك عن قرار قوي الضغط الكبري في الجيش والمصالح الأمنية والذين يشكلون التوازنات السياسية والأمنية في الخريطة السياسية الجزائرية وكثيرا ما تحدث عنهم الرئيس بوتفليقة نفسه, مطالبا البعض بأن يراعوا التوازنات, وأمام صعوبة الإعلان عن ميلاد حزب رابح كبير الجديد لكل هذه الأسباب فإن البعض من أنصاره يقترحون صيغة جديدة هي خوض فريق الإصلاحيين الجدد في الإنقاذ الانتخابات التشريعية المرتقبة عبر قوائم أحزاب سياسية قائمة بالفعل ويحمل فكرها أو يتقارب مع مضمون فكر جبهة الإنقاذ كحركة الإصلاح الديمقراطي أو حزب حركة مجتمع السلم. في حين يطالب البعض كمدني مزراق الساعد الأيمن لكبير وصاحب نظرية الانقلاب علي عباس مدني وعلي بلحاج في الإنقاذ بخوض الانتخابات بشكل منفرد عبر قوائم حرة كما فعل هو وتحدي قرار السلطات وفي مقدمتهم يزيد زرهوني وزير الداخلية الذي قرر منع قيادات الإنقاذ من العودة للعمل السياسي أو خوض الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة. ولكن مزراق زعيم الجيش الإسلامي للإنقاذ رمي القفاز في وجه السلطات وأعلن صراحة في الأيام الماضية قراره بخوض تلك الانتخابات عبر قائمة حرة يتزعمها في ولايته جيجل بالشرق الجزائري داعيا أنصاره ومؤيديه من الإنقاذيين ضرورة اتخاذ المبادرة الذاتية في هذا الشأن مهما كانت تهديدات وعراقيل السلطات, باعتبار أن الهدف الأول يتمثل في ضرورة عودة الإنقاذ ومن ثم الوصول إلي قيمة التبرعات دفعة واحدة وفي أقل وقت. وهو نفس النهج الذي يرواد زعيمه رابح كبير حيث تجري الاتصالات والتحالفات حاليا مع بعض القوي السياسية لهذا الغرض خصوصا أن الأخير قد فاجأ الجميع بتوسيع الخطي وعقد لقاءات خلف الكواليس مع كبار المسئولين في الجزائر من أمثال عبد العزيز بلخادم رئيس الحكومة وغيره من الحزب الحاكم والعديد من أحزاب المعارضة التي فتحت له الأذرع والأحضان, وهو الذي كان مطاردا حتي الأمس القريب, ولذا باتت مهمته حاليا اختيار الصيغة المثلي لخوض تلك الاستحقاقات, وهل تكون عبر الاشتراك علي قوائم بعض الأحزاب السياسية الشرعية القائمة أو عبر الأخذ بصيغة مزراق بنزول المعترك الانتخابي بقوائم حرة مستقلة في محاولة لقياس الحضور والقدرة الذاتية لزعامات الإنقاذ الجديدة في الشارع السياسي الجزائري, رغبة في أن تكون تلك الانتخابات بروفة سياسية لحملة انتخابات كبري يسابق خلالها رابح كبير ورفاقه علي مقاعد البرلمان, لعل الحلم يتجدد كما لاحت الظروف لفريق الإنقاذ الأول والتاريخي في المسار الانتخابي عام1991 عندما حصدوا أعلي الأصوات والمقاعد دون الاقتراب من عتبة البرلمان وقصر الحكومة وحدثت من يومها أزمة الجزائر. وأمام تزايد الحضور الشخصي والسياسي لقادة حركة الإصلاحيين الجدد في جبهة الإنقاذ الإسلامية في المشهد السياسي الجزائري والتحضير لأنفسهم بخوض جولة الاستحقاقات التشريعية المقبلة, خرجت القيادة التاريخية للإنقاذ عن صمتها في الأيام الماضية وبدأت في إرسال عدة رسائل سياسية للقيادة الجزائرية كما فعل عباس مدني الذي كثف من حضوره السياسي في الصحافة الجزائرية عبر إطلالته بشكل مستمر من إقامته في الدوحة عارضا علي الرئيس بوتفليقة إمكانية فتح صفحة جديدة, ومد يد العون والمساعدة لحل أزمة الجزائر ومطالبا إياه كما فعل في اليومين الماضيين عندما طالبه بضرورة إصدار عفو عام مكمل لميثاق السلم والمصالحة تفتح الأبواب من خلاله أمام الجميع من الإنقاذيين وغيرهم في الخارج للعودة إلي الجزائر وضرورة طي صفحة الماضي. ولم يكن مستغربا أن أقوال زعيم الإنقاذ تتزامن مع بدء التحضير للانتخابات التشريعية وتزايد التلاسن بين السلطات الجزائرية وقيادة في الإنقاذ بشأن إمكانية السماح للأخيرة بالعودة للعمل السياسي, وخوض تلك الانتخابات وهو الأمر الذي أصبح الحديث فيه علنا بعد أن كان أمرا محرما حتي الأمس. فضلا عن أن عباس مدني قد وضع نصب عينيه حاليا حالة مساعده وتلميذه النجيب في الإنقاذ رابح كبير الذي عاد وسمحت له السلطات بحرية الحركة والحديث بدون منفعيات سياسية وملاحقات وهو الذي كانت رأسه مطلوبة بالأمس باعتباره الممول الرئيسي لجيش الإنقاذ الإسلامي في الخارج وهذا ما اعترف به صراحة قائد الجيش مدني مزراق بأن أموال وخطط الإنقاذ وعملياته كانت تصلهم دوما من رابح كبير سواء في الجزائر خلال سنوات الدم والفتك أم من أوروبا حيث كان يقيم كبير. إلا أن المفاجأة الأبرز كانت تلك التي فجرها علي بلحاج رجل الإنقاذ القوي حاليا في الجزائر والذي لم تخلفه سنوات السجن الثلاث عشرة عن تبديل مناكفاته واختلافاته علي طول الخط مع السلطة الجزائرية حيث فاجأ الجميع بأنه قرر خوض الانتخابات التشريعية هو ورفقاء أوائل في الإنقاذ بل والاستعداد من الآن لخوض الانتخابات الرئاسية لعام2009 أمام الرئيس بوتفليقة أو من يخلفه في حزب جبهة التحرير. وكانت حجة بلحاج أنكم طالما سمحتم لرابح كبير وفريقه من الانقلابين الجدد في الإنقاذ بالعودة وإعطاء الضوء الأخضر للظهور مجددا علي المسرح السياسي, بل وغض الطرف عن طرحهم الحالي بخوض الانتخابات التشريعية فلماذا تمنعون فريق الإنقاذ الأوائل, حيث إننا مازلنا أصحاب حق علي حد قوله منذ انتخابات المسار الأول في بداية التسعينيات؟! ومن بعد بلحاج خرجت أصوات كثيرة في صفوف الإنقاذ الأوائل تكرس لنفس النهج وتطالب قواعد الجبهة بالاستعداد المبكر لربما تنجح حملة الضغوط الحالية في السماح لهم بخوض تلك الاستحقاقات أو علي أقل تقدير العودة لهم من جديد في صدارة المشهد السياسي لتحريك وتأييد الأنصار أو حوارييهم في تلك الانتخابات. ولم يقتصر الأمر بالطبع علي مجموعة إنقاذ الداخل بل تعداه ليصل مداه إلي جماعة إنقاذ الخارج الذين خاطبوا السلطة سياسيا وإعلاميا برغبة الاستعجال في العودة للوطن, بل والسماح لهم بإنشاء حزب سياسي جديد بدلا من جبهة الإنقاذ وكل ما تحمله مرارتها وسخط النظام عليها وفي مقدمة هؤلاء بالطبع أنور هدام أحد قيادات جبهة الإنقاذ الأوائل وزعيم اللجنة البرلمانية للإنقاذ والذي يقيم في الولايات المتحدة الأمريكية, حيث خاطب السلطة صراحة واقترح علي الرئيس بوتفليقة ووزير داخليته زرهوني بإمكانية تشكيل فريق عمل سياسي لتفعيل المصالحة الوطنية الكبري في الجزائر بما يضمن له ورفاق المهجر العودة للوطن, ومن ثم السماح بممارسة العمل السياسي سواء عبر الإنقاذ القديم أم حزب مماثل أقل خطرا وتأزيما لجزائر السلم والمصالحة. وبرغم إلحاح أنور هدام علي العودة إلا أن عينيه وعقله يريدان اللحاق بسباق الاستحقاقات التشريعية ولما لا ورابح كبير ومزراق وأعضاء الجيل الثاني يستعدون ويخطبون ود السلطة والقرار في الجزائر لخوض غمار تلك المعركة خصوصا أن الجميع من الإنقاذ قد فطن أن سياسة المواجهة والتأزيم وتجاوز الخطوط الحمراء وأعمال الإرهاب والتقتيل لن تجدي نفعا, فضلا عن أين هؤلاء الرفاق الذين علي استعداد لحمل السلاح من جديد في وجه السلطات؟ بعد أن كسرت السلطة والجيش عصا الجميع وأجبرت الآخرين علي وضع العصي في الدواليب. ويبدو أن هاجس ومخاوف الجزائريين والسلطة من تكرار سيناريو أحداث التسعينيات والمسار الانتخابي وما أعقبه من استقالة الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد كان جرس إنذار للقيادة الجزائرية, حيث اتخذ القرار بالمنع والتحريم علي قادة وأنصار واتباع الإنقاذ من قريب أو بعيد بالعودة لممارسة العمل السياسي, بل ولو حتي بالعقوبات القانونية والأمنية لكل من يشق عصا الطاعة ويقرر خوض التشريعيات وأوكلت القيادة لوزير الداخلية يزيد زرهوني المعروف بتشدده ضد الإنقاذ يين بالتنفيذ, وهو ما لم يتأخر فيه الأخير حيث أبلغ كل الإنقاذيين في الداخل والخارج رسالة واضحة قوية المعاني وضوابط الإجراءات للخروج بأحكام السلم والمصالحة وتنص علي أن عودة الإنقاذ ستكون علي جثته, وأن هذا لن يتحقق مادمت وزيرا للداخلية في الجزائر ولم يتوان زرهوني في التأكيد كل ساعة أن عودة الإنقاذ خط أحمر لن يسمح بتجاوزه بعد اليوم مذكرا الإنقاذيين طيلة الوقت بأن ما حدث للجزائر منذ التسعينيات وحتي الآن بسبب أفعالكم ومغامراتكم, ولم يتأخر زرهوني أمام الرغبة في هدم المعبد علي رءوس رابح كبير وبلحاج عندما طالبهم بالعودة إلي الجحور غير قابل لأي محاولات ترضية وصلح أو تحرير لمشروع رابح كبير خصوصا أن موقف زرهوني هذا يحظي بتشجيع وتأييد من الرئيس بوتفليقة ورئيس الحكومكة بلخادم الذي دخل علي خط الأزمة بين زرهوني والإنقاذيين مؤيدا موقف وقرار وزير الداخلية بقوة ومنبها فريق الإنقاذ أنه لا مكان لكم بعد اليوم في سباق الانتخابات المقبلة أو حتي التي تليها أو أي نشاطات سياسية في الجزائر بعد اليوم. وكأن لسان حال بلخادم يقول لهم ألم يكفكم أنكم حصلتم علي العفو والخروج من السجون والعودة من الخارج بمقتضي ميثاق السلم والمصالحة فخططكم للعودة للعمل السياسي وسباق الاستحقاقات هي مجرد أضغاث أحلام. كانت أشد فصول تلك الأزمة الأخيرة تلك التي وقعت بين السلطات الجزائرية وقيادات جبهة الإنقاذ كانت تلك التي وقعت في الأيام الأخيرة وتحولت إلي مبارزة إعلامية علنية مباشرة عبر الصحف والفضائيات العربية بين وزير الداخلية زرهوني وأنور هدام, حيث طالب زرهوني الأخير بضرورة البقاء في أمريكا وتجاوز أمنية العودة للجزائر باعتبار أن ذلك سيكون من المستحيلات, وعندما اشتكي هدام وطالب بتدخل الرئيس بوتفليقة صارحه وزير الداخلية بالقول إنكم ممنوعون من ممارسة السياسة نهائيا في الجزائر ودعاه لاستحداث حزب جديد للإنقاذ في أمريكا ـ حيث يقيم ـ باعتبار ذلك سيكون أوقع وأفضل. لكن أنور هدام وفريق الإنقاذ في الخارج بعد أن أغلقت الأبواب وسدت المنافذ أمام آخر محاولة للعودة للجزائر قبل انطلاق سباق الاستحقاقات لم يجدوا بدا من تحدي وزير الداخلية والإعلان علي الإصرار علي العودة وبدلا من اتباع لغة مهادنة أو حوار هادي لجأ هدام إلي التصعيد لشخص زرهوني واتهامه صراحة في رسالة خطية بعث بها لكل الصحف الجزائرية التي أفرزت المساحات لنشرها يتهمه فيها بأنه شخص متسلط لا يفرق بين الدولة الجزائرية وملكيته الخاصة. اللافت أن قيادات إنقاذ الداخل لم ترتعش خطاها بتهديدات زرهوني وأعلنت التصميم علي خوض غمار التشريعيات مهما كان ثمن التكلفة وفتح مزراق الباب أمام الجميع بإعلان وتحديه قرار المنع إلا أن السلطات تري أن الوقت مازال مبكرا أمام فتح باب الترشيح وعندما يدنو ويقترب موعد الاستحقاق سيكون لكل حادث حديث*
|