|
تقرير ـ أحمد السيوفي التحول الدراماتيكي الذي حدث في الصومال بالسقوط السريع والمفاجيء وغير المتوقع بهذا الشكل لاتحاد المحاكم الشرعية أو ما درج علي تسميته بالمحاكم الإسلامية يثير العديد من الأسئلة وعلامات الاستفهام حول طبيعة ما جري في الصومال بخاصة ومنظمة القرن الإفريقي بوجه عام. لم يتوقع المراقبون هذا السقوط السريع للمحاكم الإسلامية وخصوصا بعد أن نجحت بالفعل في توطيد سلطتها بالشارع الصومالي الذي قبل طواعية أن يقدم لها سلاحه وأحيانا يقدم نفسه دون أية مقاومة حتي إن كثيرا من الميليشيات السابقة تخلت بالفعل عن سلاحها وأعطته طواعية للمحاكم الشرعية. وقبل أن نحلل أسباب هذا السقوط السريع للمحاكم وهذا الانتصار غير المتوقع للحكومة المؤقتة بقيادة عبد الله يوسف فمن الطبيعي أن نتحدث عن الأسباب التي وفرت هذا القبول الشعبي للمحاكم الإسلامية بالشكل الذي لم تعرفه الصومال منذ سقوط الجنرال سياد بري وحتي بسط المحاكم سيطرتها علي العاصمة مقديشيو وبعض المدن المهمة. ولكن لماذا أسقطوا بهذه السرعة برغم هذا الحب والالتفاف الجماهيري لهم... المعلومات تشير إلي أن رجال المحاكم كان أمامهم أكثر من سيناريو. السيناريو الأول: وهو أن يقوموا بالدخول في مواجهة مع القوات الحكومية أي قوات الحكومة المؤقتة برئاسة علي جيدي وبقيادة الرئيس عبد الله يوسف ولكن المحاكم استبعدت هذا السيناريو لأن المعلومات التي وصلت إليهم أنهم سيدخلون في حرب مع الجيش الإثيوبي المدجج بالدبابات والطائرات والقاذفات ويقال إن هناك قوات أمريكية تعاونت مع القوات الألمانية المرابطة في جيبوتي وتعدادها ما بين1200 جندي إلي1800 جندي ولديهم طائرات استطلاع ولديهم سفن وأجهزة استطلاع في مياه المحيط وخليج عدن والبحر العربي بجانب دور طائرات التجسس الأمريكية, كل هذه القوات والأدوات صاحبت القوات الإثيوبية وبالتالي شعرت المحاكم بعدم إمكانية المواجهة المباشرة مع هذه القوات المدججة بهذا الكم من التسليح ولهذا اختارت المحاكم السيناريو الآخر. سيناريو طالبان: وهو أن تنسحب المحاكم الإسلامية من المواجهة المباشرة وتعد نفسها لحرب عصابات وحرب استنزاف والشعب الصومالي لديه الخبرة الواسعة في حرب العصابات وأمريكا نفسها عانت من ذلك عندما دخلت الصومال عام1992 وفي أكتوبر سنة1993 وقعت مذبحة للجنود الأمريكية فقتل18 جنديا وتم التمثيل بجثثهم ونشرت النيوزويك علي غلافها صور الجنود وجثثهم معلقة في شوارع مقديشيو الأمر الذي جعل الأمريكيين يخرجون من الصومال سنة1994, وبعدها بعام خرجت قوات اليونيصوم التابعة للأمم المتحدة بعد انهيار الأمن, فالشعب الصومالي لديه خبرة في هذا النوع من الاستنزاف, كما أن من يقترب من الشعب الصومالي يعرف أن هذا الشعب يكره الغزاة والمحتلين كراهية تفوق كثيرا من الشعوب الأخري حتي إن إحدي المدن المهمة تسمي جالكهيو وهي تعني باللغة السواحلية المدينة التي رفضت الغزاة فمن هنا تراهن المحاكم الإسلامية علي الشعب الصومالي الكاره للغزاة وخصوصا أن هناك أزمة نفسية قديمة تجاه إثيوبيا بالذات خاصة أن اثيوبيا مازالت تحتل إقليم الأوجادين الذي به أكثر من5 ملايين صومالي مسلم في نظر الشعب الصومالي وبالتالي يتوقع المراقبون أن تبدأ في الأيام المقبلة عملية توسيع ساحات الاستنزاف والمقاومة للجيش الإثيوبي الذي يعتبره الكثيرون دخل حربا بالوكالة عن الولايات المتحدة الأمريكية ولكن في النهاية سؤال مهم أخير ما الأسباب التي دفعت إثيوبيا للقيام بحرب بالوكالة نيابة عن الولايات المتحدة الأمريكية وما مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية في مساندة إثيوبيا ورفضها للمحاكم الإسلامية؟ أولا فيما يتعلق بإثيوبيا فإنها تشعر بقلق شديد من تنامي الحركات الإسلامية في منطقة القرن الإفريقي وتشعر أن لديها قنبلة موقوتة داخل إقليم الأوجادين الذي قلنا منذ قليل إن به أكثر من5 ملايين مسلم من أصول صومالية كما أن حركة الإصلاح في إقليم الأوجادين بات نفوذها يتزايد وهي تطالب بالاستقلال كما سبق أن قامت إثيوبيا بمعارك ضد الاتحاد الإسلامي الذي يدعم حركة الإصلاح غرب الصومال, ولعبت إثيوبيا علي تقسيم الصومال حتي تسلم من محاولات التعاون مع صومالي الأوجادين الذي يطلق عليه الصومال الإثيوبي ولهذا قامت اثيوبيا بدعم إنشاء جمهورية جنوب غرب الصومال وعاصمتها بيداوا برئاسة حسن نور الذي كان يرأس جيش الرضاوين ثم دعمت الحكومة المؤقتة في بيروا أيضا بقيادة عبد الله يوسف الذي تربطه بإثيوبيا علاقات ود كبيرة هذا بالنسبة لإثيوبيا أما الأسباب التي دعت الولايات المتحدة الأمريكية للدخول في هذه الحرب فنجملها علي مع النحو التالي: أولا: لم تكن الصومال ضمن الاهتمام الأمريكي بعد أن خرجت منه تجر أذيال الخيبة في عام1994 ولكنها عاودت النظر إليه بقوة بعد ضرب سفارتها في نيروبي ودار السلام عام1998 والتي أسفرت عن مقتل224 شخصا وقالت واشنطن إن الذين نفذوا العملية من جماعة الاتحاد الإسلامي وحركة الإصلاح والمحاكم الإسلامية. وهناك معلومات لدي واشنطن بأن الاتحاد الإسلامي اتجه إلي أفغانستان وقام بالتعاون مع القاعدة وضرب أهدافا أمريكية ولا أحد يدري مدي صحة هذه المعلومات بالطبع ولكن علي أساسها بنت واشنطن سياستها. ثانيا: أن أمريكا تخشي علي حليفتها إثيوبيا التي ربما تهدد بالخطر الأصولي وخصوصا أن نظام حكمها هش وضعيف وتريد أمريكا أن تظل إثيوبيا دولة مسيحية كما أنها لا توافق علي استعادة إقليم الأوجادين للصومال. ثالثا: أمريكا لا تريد حكما أصوليا إسلاميا يحكم الصومال ويؤثر علي استقرار شرق إفريقيا والقرن الإفريقي وربما يلقي بظلاله علي الكثير من دول إفريقيا وخصوصا أن كينيا هي الأخري تحتل إقليم المنقد الصومالي وتخشي هي الأخري من تحرك إسلامي صومالي لاستعادة هذا الإقليم. رابعا: مازالت عيون أمريكا وكثير من دول الغرب علي الثروات الضخمة التي تزخر بها الصومال وخصوصا اليورانيوم ويقال إن هناك بحيرات من البترول في الصومال وكذلك تنتج الصومال كما كبيرا من الصمغ الذي يدخل في إنتاج أهم الصناعات بجانب الثروات والمعادن الكثيرة التي تملاؤ الصومال والثروة الحيوانية والسمكية الضخمة جدا. ولهذا لم يكن غريبا ما نشر في ديسمبر سنة2000 في إحدي الصحف الألمانية وهي صحيفة فرانكفوتر والتي قالت إن هناك تعاونا وتنسيقا أمريكيا ـ ألمانيا لإرسال قرابة ألفي جندي ألماني مع جنود البحرية الأمريكية المارينز للاستيلاء علي ميناء بربرة الحيوي في خليج عدن وإقامة قاعدة عسكرية لكي تشكل نقطة إمداد وتموين للقوات الأمريكية تريد أن تراقب شواطيء الصومال والتي يقال إنها هي التي قامت بتوجيه ضربات في الأيام القليلة الماضية ضد المدنيين وقيل إنها لضرب تنظيم القاعدة أو رجال ينتمون إلي تنظيم القاعدة فها هو ذا يتحقق ما نشرته الصحيفة الألمانية وكل هذا بالطبع يصب في دائرة ممارسة النفوذ الأمريكي الذي ضحي باستقرار الصومال الذي تحقق بالفعل علي أيدي قوات المحاكم الإسلامية والذي باتت تخلفه من جديد فوضي عارمة وعودة للميلشيات ولامانع من هذا فيما يبدو طالما أنه يصب في الأجندة الأمريكية ويحقق المصالح الأمريكية*
|