الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 تقارير سياسية
3

الصومال‏..‏ لعبـــــــة أمراء الحرب

السبت 3 / 2 / 2007

عطية عيسوي


من المفارقات أن الصومال الغارق في حرب أهلية منذ سقوط نظام حكم سياد بري عام‏1991‏ وفشلت كل المحاولات والوساطات لحل مشكلته سلميا‏,‏ هو البلد الذي شهد عام‏1967‏ أول انتقال سلمي للسلطة في تاريخ إفريقيا المعاصر عندما تم انتخاب علي شيرماك رئيسا للجمهورية‏,‏ ولكن لم يمر عامان حتي تم اغتياله في انقلاب قادة محمد سياد بري لتبدأ بذلك حقبة الفوضي والانهيار التي يعاني منها القطر الشقيق والتي كان بري نفسه أحد ضحاياها عندما أطاحت بنظامه ميليشيات العشائر الساخطة عليه في عام‏.1991‏
بسقوط نظام بري وهروبه إلي الخارج عمت الفوضي البلاد وتسابقت القبائل لملء الفراغ في السلطة وتحقيق أكبر قدر من المكاسب ليتحول البلد إلي كانتونات بفعل أبنائه هذه المرة‏,‏ حيث كانت تجزئته في المرة الأولي علي أيدي الدول الاستعمارية إلي صومال إنجليزي وآخر فرنسي جيبوتي حاليا وثالث إيطالي واقتطاع إقليم أوجادين وضمه إلي إثيوبيا وضم الإقليم الجنوبي الغربي إلي كينيا بأمر بريطانيا أما الآن فتحول ما تبقي من الصومال إلي جمهورية أرض الصومال التي انفصلت ولم يعترف بها أحد وإقليم بلاد بونت الذي ينتمي إلي الرئيس الانتقالي الحالي عبد الله يوسف والذي يحكم حكما ذاتيا واسعا‏,‏ ثم أعلن آخرون عن كيان ثالث يتمتع بحكم ذاتي هو جوبالاند في الجنوب الغربي‏.‏
فشل متكرر في الوفاء بالوعود
فشلت كل المحاولات لجمع الإخوة الأعداء في نظام حكم انتقالي واحد يقود البلاد لانتخابات حرة وحكم ديمقراطي تعددي حيث تم عقد‏15‏ مؤتمرا للمصالحة في إثيوبيا ومصر وجيبوتي وكينيا‏..‏ وكلما اتفقوا علي شيء يتراجعون عن تنفيذه فور عودتهم إلي قبائلهم إما تحت ضغط قوي إقليمية لا يعجبها الاتفاق أو شيوخ القبائل الذين يخشون ضياع بعض امتيازاتهم‏.‏
وفي أكتوبر‏2004‏ تم الاتفاق في كينيا بعد مفاوضات شاقة وطويلة علي تشكيل برلمان وحكومة انتقالية ووضع دستور انتقالي‏.‏ ولكن لم تستطع الحكومة ولا البرلمان ممارسة صلاحياتهما ولا حتي دخول البلاد إلا بصعوبة وانحصر وجودهما في مدينة جوهر لفترة قصيرة ثم مدينة بيداوا تحت حماية قائد إحدي الميليشيات ثم إثيوبيا بعد ذلك ولم يتمكنوا من دخول العاصمة مقديشيو بسبب معارضة أمراء الحرب الذين يهيمنون عليها‏,‏ وللأسف كان بعضهم أعضاء في الحكومة نفسها‏!‏
نشوء وأفول المحاكم
مع غياب سلطة مركزية سعت كل قبيلة لإدارة شئونها بنفسها وبحثت عن قضاة من عهد النظام السابق لإقامة العدل بين الناس والفصل في قضايا القتل والسرقة والنهب والزنا‏.‏ واحتاجت الأحكام إلي قوة تنفذها فتم تشكيل ميليشيا لذلك‏,‏ ولما نجحت التجربة في أحد الأحياء امتدت إلي أحياء أخري في العاصمة الأمر الذي أقلق أمراء الحرب فلجأوا إلي الولايات المتحدة الأمريكية لتحذيرها من تنامي النفوذ الإسلامي في الصومال وزعموا أنهم يأوون عناصر من تنظيم القاعدة‏,‏ فساعدتهم بالمال والسلاح وبدأوا يعتقلون بعض الأفراد ويسلمونهم لأمريكا بدعوي انتمائهم لـالقاعدة فأحس قادة المحاكم بالخطر وبدأت الاشتباكات بين الطرفين حتي انتهت بهزيمة أتباع أمريكا وفرارهم من مقديشيو‏.‏
نجح قادة المحاكم في إعادة الأمن والأمان والممتلكات المغتصبة لعامة الناس الذين عانوا من ويلات الحرب وابتزاز الميليشيات طوال‏15‏ عاما وأصبحت مقديشيو موحدة تحت سيطرة جهة واحدة للمرة الأولي وشجعهم تجاوب وترحيب الناس بهم علي دخول مدن أخري مثل جوهر وكيسمايو وغيرها بلا قتال حتي وصلوا إلي مشارف بيداوا مقر الحكومة‏.‏ وهنا شعرت إثيوبيا ذات العلاقة العدائية التاريخية مع الصومال بالخطر مع اقتراب قوات المحاكم من حدودها وإطلاق بعض قادتهم تصريحات تهدد الأمن القومي الإثيوبي مثل المطالبة بإقليم أوجادين والإقليم الشمالي الشرقي من كينيا وإعادتهما إلي الصومال‏.‏ وهنا أيقنت أديس أبابا أنه لا أمان ولا استقرار إلا بإقامة حكومة صومالية موالية لها أو ببقاء الصومال ممزقا يحارب أبناؤه بعضهم بعضا‏.‏
الخيار المر لإثيوبيا وأمريكا
الولايات المتحدة التي فشلت للمرة الثانية في السيطرة علي الصومال‏,‏ كانت أولاهما عام‏1993‏ عندما اضطرت لسحب قواتها بعد معارك دامية مع قوات محمد فارح عيديد‏,‏ والثانية عندما هزمت المحاكم أمراء الحرب المدعومين منها في يونيو‏2006‏ لم تجد بدا من دفع إثيوبيا للتصدي لزحف الإسلاميين ومنع سيطرتهم علي الصومال لتحقيق مصالح مشتركة لواشنطن وأديس أبابا‏,‏ فأعطتها الضوء الأخضر للتدخل عسكريا لدحر قوات المحاكم وإسقاط نظامهم ووفرت للإثيوبيين المعلومات الاستخباراتية والدعم العسكري والسياسي فتدخلت وتم تحقيق الهدف في أقل من أسبوعين وتمكنت حكومة عبد الله يوسف من دخول مقديشيو علي أسنة الرماح‏.‏ وبذلك تعتقد إثيوبيا أنه لن يبقي هناك من يطالب بإقليم أوجادين أو يدعم حركات المعارضة المسلحة مثل حركة تحرير شعب الأورومو وحركة تحرير الأوجادين‏,‏ وتعتقد الولايات المتحدة أنها بذلك ضمنت عدم إيواء عناصر من تنظيم القاعدة في الصومال وعدم قيام نظام حكم متشدد يهدد إستراتيجيتها لإحكام السيطرة علي منطقة القرن الإفريقي فضلا عن تهيئة الأجواء لشركاتها للتنقيب عن البترول واليورانيوم والمعادن الأخري التي تحتاجها صناعتها بشدة‏.‏
الاستقرار له شروط
والآن‏..‏ هل استقرت الأوضاع حقيقة لإثيوبيا وأمريكا والحكومة الصومالية العميلة لهما؟ كل المؤشرات تدل علي غير ذلك‏.‏ فمن المرجح أن تشن فلول المحاكم حرب عصابات ضد الإثيوبيين والحكومة الصومالية علي غرار ما حدث في العراق وأفغانستان وبدأت بوادرها فعلا في مقديشيو‏.‏ ومن الممكن أن ينقلب أمراء الحرب علي الحكومة مرة أخري عند أول خلاف برغم أن معظمهم سلموا أسلحتهم ووافقوا علي دمج قواتهم في الجيش الحكومي‏.‏
فمن السهل شراء أسلحة جديدة أو إخراج الأسلحة التي أخفوها واستعادة أفرادهم من الجيش فورا حماية لمصالح القبيلة‏.‏ كما أن الساحل الصومالي الطويل‏3320‏ كيلو مترا من الممكن أن تتسلل عناصر من تنظيم القاعدة عبره إلي الأراضي الصومالية بالرغم من الرقابة البحرية الأمريكية اللصيقة له‏.‏ والأمر نفسه يمكن أن يحدث عبر الحدود غير المسيطر عليها جيدا لوعورتها بين الصومال ومن إثيوبيا وكينيا وجيبوتي ولا ننسي أن القاعدة أعلنت الصومال إحدي ساحات حربها ضد الولايات المتحدة‏.‏
فما الحل إذن؟ هو أن تسارع الحكومة بضغط أمريكي وإثيوبي وكيني للجلوس مع خصومها من قادة المحاكم المعتدلين وأمراء الحرب المعارضين والتوصل إلي اتفاق يرضي كل الأطراف ويحافظ علي حقوق الجميع في مجتمع قبلي صعب المراس‏.‏ فالقوة والقمع لم يحلا مشكلة من قبل حلا دائما وإلا لما كان قادة القبائل والعشائر قد ثاروا علي سياد بري وأطاحوا بحكمه‏.‏ وهنا فقط يمكن للجامعة العربية ودول مثل مصر المساعدة بنجاح في إنهاء معاناة الشعب الصومالي فأنانية أمراء الحرب وقادة القبائل أفشلت اتفاق القاهرة عام‏1998‏ واتفاق جيبوتي‏2000‏ واتفاق أديس أبابا‏1993‏ وربما اتفاق نيروبي‏.2004‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 3 / 2 / 2007
رقم العـدد
515
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg