|
صلاح عيسي علي عكس ما يحدث عادة, اتسمت ردود الفعل العربية والفلسطينية- علي العملية الانتحارية التي قامت بها عناصر من المقاومة الفلسطينية في مدينة إيلات الإسرائيلية يوم الاثنين الماضي- بحالة من الحيرة والتخبط, لا تتناسب مع أهمية العملية باعتبارها الأولي من نوعها التي تقع في هذا المنتجع السياحي, الذي يفخر الإسرائيليون بأنه الموقع الأكثر أمانا وهدوءا, وبعدا عن خطر الإرهاب الفلسطيني, وباعتبارها كذلك الأولي من نوعها التي تقع منذ تسعة أشهر. صحيح أن بعض تداعيا ت العملية, بدت طبيعية ومتكررة ومتوقعة, في مثل هذه الحالات, لم يكن أولها التضارب بين البيانات التي أصدرتها ثلاثة من فصائل المقاومة, ادعي كل منها مسئوليته عن العملية هي سرايا القدس- الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي- وكتائب شهداء الأقصي- الجناح العسكري لحركة فتح, وجيش المؤمنين وهي مجموعة جديدة, أعلن فيما بعد أنها قسم من سرايا القدس.. ولم يكف آخر هذه التداعيات سيل التصريحات التي كررت المواقف الثابتة لأصحابها تجاه هذا النوع من العمليات. انتقد ياسر عبد ربه, عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وقطب حركة فتح العملية لأنها وأمثالها لا تخدم القضية الفلسطينية, بل تسئ إلي صورة الشعب الفلسطيني أمام الرأي العام العالمي, ودعي بان كي مون, الأمين العام للأمم المتحدة, قوات الأمن الفلسطينية لمنع أي عمل آخر من هذا النوع, وحذر البيت الأبيض الأمريكي من أن فشل الحكومة الفلسطينية في اتخاذ إجراءات لوقف العنف, سوف يؤثر في علاقتها بالمجتمع الدولي, وأدان الملك عبدالله الثاني العملية, وطالب أحمد أبوالغيط, وزير خارجية مصر, جميع الأطراف بضبط النفس والامتناع عن الأعمال التي من شأنها تعقيد الوضع في الأراضي المحتلة, وإجهاض التحركات الرامية للتوصل إلي تسوية عادلة ودائمة للصراع. وصحيح أن آخرين لم يسعدوا بما جري, علي الرغم من قناعتهم بأن المقاومة الفلسطينية المسلحة حق مشروع لكل الشعوب التي لاتزال أراضيها تحت الاحتلال, وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني, الذي يكاد يكون الوحيد الذي تنطبق عليه هذه الصفة, باستثناء العراق وأفغانستان, وهما حالتان خاصتان, لأنها استهدفت مدنيين إسرائيليين كانوا يتسوقون في مخبز بأحد المراكز التجارية, فقتلت منهم ثلاثة وأصابت ما يقرب من مائة, علي الرغم من أن التجربة أثبتت أن المستفيد الوحيد من اتخاذ المدنيين هدفا لهذا النوع من العمليات, هو إسرائيل التي تستثمرها عادة لكي تشوه سمعة المقاومة الفلسطينية, وتقوي الاتجاه المتشدد في سياستها تجاه الحلول المطروحة للصراع, وتدعم الاتجاه العالمي الذي يصم المقاومة بالإرهاب, ويدرجها ضمن قوائمه, مما أدي إلي انكماش عدد المتعاطفين مع الحق الفلسطيني بين صفوف الرأي العام العالمي, خصوصا في أوروبا, علي عكس العمليات المسلحة التي تتوجه إلي أهداف عسكرية, التي لا يستطيع أحد أن يدينها, حتي لو كان الرئيس الأمريكي نفسه. أما المهم فهو أن الرسالة التي حملتها عملية إيلات, لم تصل إلي العنوان الذي أراد مخططو العملية أن تصل إليه. فطبقا لما قالته حركة الجهاد الإسلامي, إحدي الجماعتين المتنازعتين علي شرف القيام بها, فإنها كانت جزئيا بمثابة رسالة إلي حماس وفتح للتوحد ضد إسرائيل, وقالت والدة منفذ العملية محمد السكسك, وهو شاب في العشرينيات من عمره, استشهد فيها, إن هدفه كان أن يتوقف الاقتتال الداخلي في فلسطين, ونقلت عنه قوله لها قبل أن يغادر منزله لتنفيذها, لابد أن تصحو حماس وفتح, فالاقتتال بينهما جريمة لا يستفيد منها إلا العدو. وفي تنويعة علي اللحن نفسه قال ناطق باسم حركة الجهاد إن العملية جاءت في توقيتها المناسب, كصرخة توقظ ضمائر الإخوة المتقاتلين في فتح وحماس لتعيدهم جميعا إلي جادة الصواب والحق, ولتقول لكل أبناء الشعب الفلسطيني إن عدونا الذي ينبغي أن توجه كل الحراب إلي صدره, هو العدو الصهيوني المجرم الذي يعيث فسادا وإفسادا في أرضنا ومقدساتنا, وهو ما أيدته بقية الفصائل الفلسطينية. ومع أن كثيرين أدهشهم التنازع بين سرايا القدس, وكتائب شهداءالأقصي, أو بين حركتي الجهاد وفتح للحصول علي شرف القيام بالعملية, إلا أنهم لم يحاولوا البحث عن حل لهذا اللغز, بعد أن أصبحت مثل هذه المنازعات ظاهرة متكررة, بقدر ما توقفوا أمام التناقض بين موقف قيادة حركة فتح, التي أدانت العملية, وبين قيام جناحها العسكري بها, منفردا أو بالاشتراك مع غيره, كما توقفوا أمام التناقض بين كون كتائب الأقصي, وهي جزء من فتح, قد اختارت هذه الطريقة لكي ترسل إلي قيادتها رسالة تبهها إلي وقف الاقتتال الداخلي بينها وبين حماس, مع أن هناك وسائل كثيرة تستطيع بها أن تبلغ قيادتها مضمون الرسالة, من بينها أن تنأي بنفسها عن هذا الاقتتال, ولا تشارك فيه, وأن تمارس نفوذها التنظيمي داخل الحركة للدعوة لوقفه, أو أن تستخدم قوتها العسكرية للفصل بين المتحاربين والحيلولة دون مشاركتهما في ارتكاب الجريمة التي لا يستفيد منها سوي العدو. ما يلفت النظر كذلك أن المرسل إليه الثاني, الذي توجهت إليه عملية إيلات, وهو حركة حماس, قد تجاهل تماما أن الرسالة موجودة إليه, ولم يشر من قريب أو بعيد إلي أن الهدف الرئيسي منها هو وقف جريمة الاقتتال الداخلي, التي تشترك حماس مع فتح في ارتكابها, واكتفي المتحدث باسم الحركة, أن يصدر الرسالة, لطرف ثالث, هو المرسل إليه الفرعي, وهو الاحتلال الإسرائيلي, مؤكدا أن من حق المقاومة أن تدافع عن أبناء شعبنا الفلسطيني, مشددا علي أن العملية تأتي في سياق الردود علي جرائم الاحتلال الإسرائيلي. علي الأرض وفي اليوم نفسه, تواصل الصدام الدامي بين فتح وحماس, فقتل ثلاثة أشخاص ليرتفع عدد ضحايا الصراع بين الطرفين إلي33 قتيلا, وأكثر من100 جريح خلال أربعة أيام, علي الرغم من أن الطرفين كانا قد وافقا علي دعوة العاهل السعودي لوقف الاقتتال بينهما, وعلي الاجتماع في مكة, للبحث عن صيغة للتوافق تقوم علي اعتبار الدم الفلسطيني خطا أحمر, لا يجوز لأحد أن يتخطاه أو يلغ فيه. وبصرف النظر عما إذا كانت رسالة إيلات هي الصياغة الأفضل لعودة الخط الأحمر الفلسطيني ليفصل بين الفريقين أو لم تكن, فإنها لسوء الحظ لم تصل إلي من وجهت إليهما.
|