الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 المحطة الاخيرة
3

رسالة إيلات التي أخطأت العنوان

السبت 3 / 2 / 2007

صلاح عيسي


علي عكس ما يحدث عادة‏,‏ اتسمت ردود الفعل العربية والفلسطينية‏-‏ علي العملية الانتحارية التي قامت بها عناصر من المقاومة الفلسطينية في مدينة إيلات الإسرائيلية يوم الاثنين الماضي‏-‏ بحالة من الحيرة والتخبط‏,‏ لا تتناسب مع أهمية العملية باعتبارها الأولي من نوعها التي تقع في هذا المنتجع السياحي‏,‏ الذي يفخر الإسرائيليون بأنه الموقع الأكثر أمانا وهدوءا‏,‏ وبعدا عن خطر الإرهاب الفلسطيني‏,‏ وباعتبارها كذلك الأولي من نوعها التي تقع منذ تسعة أشهر‏.‏
صحيح أن بعض تداعيا ت العملية‏,‏ بدت طبيعية ومتكررة ومتوقعة‏,‏ في مثل هذه الحالات‏,‏ لم يكن أولها التضارب بين البيانات التي أصدرتها ثلاثة من فصائل المقاومة‏,‏ ادعي كل منها مسئوليته عن العملية هي سرايا القدس‏-‏ الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي‏-‏ وكتائب شهداء الأقصي‏-‏ الجناح العسكري لحركة فتح‏,‏ وجيش المؤمنين وهي مجموعة جديدة‏,‏ أعلن فيما بعد أنها قسم من سرايا القدس‏..‏ ولم يكف آخر هذه التداعيات سيل التصريحات التي كررت المواقف الثابتة لأصحابها تجاه هذا النوع من العمليات‏.‏
انتقد ياسر عبد ربه‏,‏ عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وقطب حركة فتح العملية لأنها وأمثالها لا تخدم القضية الفلسطينية‏,‏ بل تسئ إلي صورة الشعب الفلسطيني أمام الرأي العام العالمي‏,‏ ودعي بان كي مون‏,‏ الأمين العام للأمم المتحدة‏,‏ قوات الأمن الفلسطينية لمنع أي عمل آخر من هذا النوع‏,‏ وحذر البيت الأبيض الأمريكي من أن فشل الحكومة الفلسطينية في اتخاذ إجراءات لوقف العنف‏,‏ سوف يؤثر في علاقتها بالمجتمع الدولي‏,‏ وأدان الملك عبدالله الثاني العملية‏,‏ وطالب أحمد أبوالغيط‏,‏ وزير خارجية مصر‏,‏ جميع الأطراف بضبط النفس والامتناع عن الأعمال التي من شأنها تعقيد الوضع في الأراضي المحتلة‏,‏ وإجهاض التحركات الرامية للتوصل إلي تسوية عادلة ودائمة للصراع‏.‏
وصحيح أن آخرين لم يسعدوا بما جري‏,‏ علي الرغم من قناعتهم بأن المقاومة الفلسطينية المسلحة حق مشروع لكل الشعوب التي لاتزال أراضيها تحت الاحتلال‏,‏ وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني‏,‏ الذي يكاد يكون الوحيد الذي تنطبق عليه هذه الصفة‏,‏ باستثناء العراق وأفغانستان‏,‏ وهما حالتان خاصتان‏,‏ لأنها استهدفت مدنيين إسرائيليين كانوا يتسوقون في مخبز بأحد المراكز التجارية‏,‏ فقتلت منهم ثلاثة وأصابت ما يقرب من مائة‏,‏ علي الرغم من أن التجربة أثبتت أن المستفيد الوحيد من اتخاذ المدنيين هدفا لهذا النوع من العمليات‏,‏ هو إسرائيل التي تستثمرها عادة لكي تشوه سمعة المقاومة الفلسطينية‏,‏ وتقوي الاتجاه المتشدد في سياستها تجاه الحلول المطروحة للصراع‏,‏ وتدعم الاتجاه العالمي الذي يصم المقاومة بالإرهاب‏,‏ ويدرجها ضمن قوائمه‏,‏ مما أدي إلي انكماش عدد المتعاطفين مع الحق الفلسطيني بين صفوف الرأي العام العالمي‏,‏ خصوصا في أوروبا‏,‏ علي عكس العمليات المسلحة التي تتوجه إلي أهداف عسكرية‏,‏ التي لا يستطيع أحد أن يدينها‏,‏ حتي لو كان الرئيس الأمريكي نفسه‏.‏
أما المهم فهو أن الرسالة التي حملتها عملية إيلات‏,‏ لم تصل إلي العنوان الذي أراد مخططو العملية أن تصل إليه‏.‏ فطبقا لما قالته حركة الجهاد الإسلامي‏,‏ إحدي الجماعتين المتنازعتين علي شرف القيام بها‏,‏ فإنها كانت جزئيا بمثابة رسالة إلي حماس وفتح للتوحد ضد إسرائيل‏,‏ وقالت والدة منفذ العملية محمد السكسك‏,‏ وهو شاب في العشرينيات من عمره‏,‏ استشهد فيها‏,‏ إن هدفه كان أن يتوقف الاقتتال الداخلي في فلسطين‏,‏ ونقلت عنه قوله لها قبل أن يغادر منزله لتنفيذها‏,‏ لابد أن تصحو حماس وفتح‏,‏ فالاقتتال بينهما جريمة لا يستفيد منها إلا العدو‏.‏
وفي تنويعة علي اللحن نفسه قال ناطق باسم حركة الجهاد إن العملية جاءت في توقيتها المناسب‏,‏ كصرخة توقظ ضمائر الإخوة المتقاتلين في فتح وحماس لتعيدهم جميعا إلي جادة الصواب والحق‏,‏ ولتقول لكل أبناء الشعب الفلسطيني إن عدونا الذي ينبغي أن توجه كل الحراب إلي صدره‏,‏ هو العدو الصهيوني المجرم الذي يعيث فسادا وإفسادا في أرضنا ومقدساتنا‏,‏ وهو ما أيدته بقية الفصائل الفلسطينية‏.‏
ومع أن كثيرين أدهشهم التنازع بين سرايا القدس‏,‏ وكتائب شهداءالأقصي‏,‏ أو بين حركتي الجهاد وفتح للحصول علي شرف القيام بالعملية‏,‏ إلا أنهم لم يحاولوا البحث عن حل لهذا اللغز‏,‏ بعد أن أصبحت مثل هذه المنازعات ظاهرة متكررة‏,‏ بقدر ما توقفوا أمام التناقض بين موقف قيادة حركة فتح‏,‏ التي أدانت العملية‏,‏ وبين قيام جناحها العسكري بها‏,‏ منفردا أو بالاشتراك مع غيره‏,‏ كما توقفوا أمام التناقض بين كون كتائب الأقصي‏,‏ وهي جزء من فتح‏,‏ قد اختارت هذه الطريقة لكي ترسل إلي قيادتها رسالة تبهها إلي وقف الاقتتال الداخلي بينها وبين حماس‏,‏ مع أن هناك وسائل كثيرة تستطيع بها أن تبلغ قيادتها مضمون الرسالة‏,‏ من بينها أن تنأي بنفسها عن هذا الاقتتال‏,‏ ولا تشارك فيه‏,‏ وأن تمارس نفوذها التنظيمي داخل الحركة للدعوة لوقفه‏,‏ أو أن تستخدم قوتها العسكرية للفصل بين المتحاربين والحيلولة دون مشاركتهما في ارتكاب الجريمة التي لا يستفيد منها سوي العدو‏.‏
ما يلفت النظر كذلك أن المرسل إليه الثاني‏,‏ الذي توجهت إليه عملية إيلات‏,‏ وهو حركة حماس‏,‏ قد تجاهل تماما أن الرسالة موجودة إليه‏,‏ ولم يشر من قريب أو بعيد إلي أن الهدف الرئيسي منها هو وقف جريمة الاقتتال الداخلي‏,‏ التي تشترك حماس مع فتح في ارتكابها‏,‏ واكتفي المتحدث باسم الحركة‏,‏ أن يصدر الرسالة‏,‏ لطرف ثالث‏,‏ هو المرسل إليه الفرعي‏,‏ وهو الاحتلال الإسرائيلي‏,‏ مؤكدا أن من حق المقاومة أن تدافع عن أبناء شعبنا الفلسطيني‏,‏ مشددا علي أن العملية تأتي في سياق الردود علي جرائم الاحتلال الإسرائيلي‏.‏
علي الأرض وفي اليوم نفسه‏,‏ تواصل الصدام الدامي بين فتح وحماس‏,‏ فقتل ثلاثة أشخاص ليرتفع عدد ضحايا الصراع بين الطرفين إلي‏33‏ قتيلا‏,‏ وأكثر من‏100‏ جريح خلال أربعة أيام‏,‏ علي الرغم من أن الطرفين كانا قد وافقا علي دعوة العاهل السعودي لوقف الاقتتال بينهما‏,‏ وعلي الاجتماع في مكة‏,‏ للبحث عن صيغة للتوافق تقوم علي اعتبار الدم الفلسطيني خطا أحمر‏,‏ لا يجوز لأحد أن يتخطاه أو يلغ فيه‏.‏
وبصرف النظر عما إذا كانت رسالة إيلات هي الصياغة الأفضل لعودة الخط الأحمر الفلسطيني ليفصل بين الفريقين أو لم تكن‏,‏ فإنها لسوء الحظ لم تصل إلي من وجهت إليهما‏.‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 3 / 2 / 2007
رقم العـدد
515
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg