الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 لوجه الحقيقة
3

خطر التحول في النضال الفلسطيني
من المشروع الوطني إلي الحرب الدينية

السبت 3 / 2 / 2007

د‏.‏ عبد العاطي محمد


عندما ينجرف الخلاف الفلسطيني ـ الفلسطيني إلي ساحة الدين‏,‏ فإن هذا ينذر بانتقال شبح الحالة العراقية إلي الحالة الفلسطينية حيث يقتتل أبناء الوطن الواحد والقضية الواحدة في حرب بالوكالة لصالح الصراع الإقليمي بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل‏.‏ فعلي مدي عام تقريبا منذ وصول حماس إلي السلطة تحول الشارع الفلسطيني إلي ساحة حرب بين الفلسطينين من أنصار الجانبين‏,‏ ولم تعد كل محاولات التهدئة مجدية لوقف نزيف الدم الفلسطيني حيث تعقبها مباشرة صور التصعيد والاقتتال‏.‏ وبما أن المشهد الفلسطيني أصبح علي هذا النحو فإن النظرة للصراع القائم بين فتح وحماس علي أساس أنه خلاف وطني يبتغي المصلحة الفلسطينية الوطنية شأنه في ذلك شأن كل صور الخلاف بين القوي الوطنية في أي مكان لم تعد مقنعة لأحد ولا مفيدة في تشخيص الوضع‏,‏ بل هناك وجه آخر للصورة أشد قتامة وأفظع خطرا يعبر عن حالة التحريض والفتنة علي خلفية دينية تماما يقول إما أن تكون مع المشروع الإسلامي أو مع مشروع الكفر‏!!‏ هكذا ببساطة مذهلة ينتهي مصير النضال الفلسطيني المشرف والممتد منذ عام‏.1965‏
‏***‏
وقد يبدو اقحام الدين افتعالا لأزمة غير حقيقية بالنظر إلي تاريخ الشعب الفلسطيني ونضالاته‏,‏ ولكن هذا هو ما يصوره الحال الراهن‏,‏ بما يؤكد امتداد نيران الحالة العراقية إلي الوضع الفلسطيني‏.‏ فالمناخ العام الذي يسود المنطقة منذ أحداث‏11‏ سبتمبر‏2001‏ هو مناخ الكراهية وصراع الحضارات الذي تحول إلي حرب أفكار ثم إلي حرب دينية كما هو واضح مما يجري من مواقف للقوي السياسية المؤثرة رسمية كانت أو غير رسمية في المنطقة‏.‏ أمريكا بمحافظيها الجدد هي التي أشاعت هذا المناخ وبررت به وجودها في العراق‏,‏ ونشطت القوي العراقية في اتجاه العمل بنفس هذا المناخ‏.‏ وامتد الوضع إلي لبنان‏,‏ وها هو قائم في الساحة الفلسطينية‏.‏ لقد عاش الفلسطينيون بمختلف انتماءاتهم الدينية تحت راية الفكر الإسلامي العقلاني والمتسامح وخاض الجميع مسلمون ومسيحيون نضالهم ضد إسرائيل من منطلق وطني خالص‏,‏ وكان كل منهم عونا للآخر‏...‏ وكل الفصائل الفلسطينية المسلحة لم تجعل نفسها في خصومة بسبب الدين بمن فيها الفصائل والمنظمات التي نهجت نهجا علمانيا‏,‏ ولم يعرف التاريخ الفلسطيني النضالي المفاصلة بين قواه الوطنية علي أساس ديني كما هو الحال اليوم‏..‏ وما ذلك إلا لأن الفلسطينيين جميعا بمن فيهم فتح وحماس قد تخلوا عن المشروع الوطني لصالح المشروع العالمي أو الإقليمي‏.‏ حينئذ يصبح الاستقواء بالخارج أمرا بديهيا أو منطقيا ويصبح مفهوما أن تتوزع الأجندات السياسية حول القضية حسب مصالح كل قوة خارجية مؤثرة في الساحة الفلسطينية‏.‏ وعندما يغيب البعد الوطني في القضية فإن المرجعية تتحول إلي الدين أو العرق أو اللغة كمصادر للانتماء تبرر المواقف السياسية‏..‏ وفي الحالة الفلسطينية الراهنة يأتي الدين في الصدارة‏.‏
‏***‏
وسط هذه الحالة المتردية التي وصل إليها الصراع المتبادل بين القوي الفلسطينية وقع اعتداء علي مسجد الهداية غرب غزة قبل بضعة أيام‏,‏ الأمر الذي استهجنته رابطة علماء فلسطين‏.‏ ولكن الرابطة لم تتوقف عند الاستهجان بل ذهبت إلي ما هو أبعد من ذلك بكثير حيث وضعت من قاموا به في جانب الكفر وأحلت دماءهم‏.‏ تفاصيل الواقعة ليست معروفة بدقة وكان من الممكن النظر لها علي أنها أحد مشاهد الانفلات الأمني والسياسي خصوصا أن هناك‏,‏ ما يشابهها هنا أو هناك‏,‏ في إطار حالة الاقتتال بين أنصار فتح وحماس‏.‏ ولكن ما احتواه البيان الصادر عن رابطة علماء فلسطين يكشف أن التفاعلات السياسية بين الجانبين أصبحت تأخذ طابعا دينيا فيه من الاستعداء والمواجهة التي تفجر المشاعر الدينية أكثر مما فيه من تصفية حسابات طارئة أو تحقيق الغلبة في الشارع‏.‏ البيان أقرب إلي الفتوي التي تنقل الصراع من دائرته الوطنية إلي الدائرة الدينية‏.‏ فهو يطابق ما حدث بما يفعله جنود الاحتلال عندما يستبيحون دماء المصلين في الحرم الإبراهيمي أو ينتهكون حرمة المسجد الأقصي‏,‏ والأرجح أنه يقابل بين ما حدث وبين واقعة الاعتداء علي المصلين في الحرم الإبراهيمي من جانب متطرف يهودي ـ والتي كانت قد فجرت منذ عدة سنوات مشاعر الغضب عند كل المسلمين وليس الفلسطينيين وحدهم‏.‏ والرابطة تعتبر واقعة الاعتداء علي المسجد مثالا صارخا علي كل ما يجري من أحداث في الساحة الفلسطينية‏,‏ وتقول في بيانها‏:‏إن هذه الأحداث لم تكن لتقع لولا أن قام بها بعض المأجورين للاحتلال الذين والوا الكفر ونفذوا تعليماته‏.‏ وتابعت من أخذ مالا من كافر ليقتل به مسلما فهو ولي له‏..‏ وعلي هذا فقد قضي العلماء‏(‏ أي رابطة علماء فلسطين‏)‏ أن من يتولي الكافر فقد خرج من الإسلام والعياذ بالله‏.‏ وأكدت علي أن استباحة الدماء في بيت الله سبحانه وفي شهر الله المحرم الحرام‏,‏ دليل واضح علي أن من قام بذلك لا علاقة له بالدين أو بالعقيدة‏,‏ وعقوبته عند الله تعالي هي حد الحرابة‏.‏ واعتبرت الرابطة أن هذه الأحداث مفتعلة مقصودة بعد كل حالة تهدئة‏,‏ وهي تستهدف المشروع الإسلامي علي وجه الخصوص‏,‏ وإذلال الشعب الفلسطيني كاملا بوجه عام‏.‏ ودعت جميع أبناء الشعب الفلسطيني بكل فصائله إلي حماية الدين الإسلامي والوقوف صفا واحدا في مواجهة هؤلاء الخارجين عن الدين والعقيدة‏.‏
‏***‏
البيان منشور علي موقع المركز الفلسطيني للإعلام التابع لحماس بما يشير إلي أن الحركة تتحدث بلغتين أحدهما علنية سياسية لا تخرج فيها عن أي تقاليد لأي منظمة سياسية مدنية‏,‏ فضلا عما يحتويه هذا الخطاب العلني من لهجة واضحة للتهدئة والحوار‏,‏ وثانيها إعلامية جماهيرية تعبيء فيها الفلسطينيين حول البعد الديني‏.‏ وقد يبدو هذا مشروعا ومقبولا خصوصا أن لا أحد علي الإطلاق من أي طرف كان يقبل بالعدوان علي حرمة المساجد‏,‏ بل ولا يصطدم مع الطبيعة الإسلامية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي‏,‏ ولكن ما تضمنه البيان من مفاصلة بين أهل الإيمان وأهل الكفر وحل دماء من قاموا بالاعتداء يعد لغة دخيلة تماما علي الحركة الإسلامية الفلسطينية تكرر خطاب طالبان أو القاعدة أو الجبهة الإسلامية العالمية لمقاتلة اليهود والنصاري‏.‏ ومع أن البيان لم يحدد انتماءات من قاموا بالاعتداء علي المسجد واكتفي بوصفهم بعض المأجورين للاحتلال أي لم يعمم‏,‏ فإن المفهوم من المعني هو أنه يتوجه بالاتهام إلي من تسميهم حماس الآن بالانقلابين من فتح‏,‏ وإذا أردنا الدقة أكثر هم جماعة دحلان بحكم أن حماس كثيرا ما تشير إليهم عند حديثها عن الانقلابيين أو من يفشلون أي محاولة للتهدئة‏,‏ ودحلان متهم من جانب حماس بأنه ينفذ مخططا إسرائيليا أمريكيا‏!!‏
وأيا تكن مصداقية هذه الاتهامات‏,‏ فإن ما يعنيينا هو النتيجة وهي خلق حالة من عدم الحسم لمصير الوضع الفلسطيني الراهن ومستقبل القضية ككل‏,‏ وإضافة الموضوع الديني إلي الملف الفلسطيني الساخن بطبعه لكي تتفرق المسئولية وتضيع الحقائق‏,‏ إلي أن يتم حسم الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل‏.‏ وإلي أن يحدث هذا الحسم‏,‏ يتشكل علي أرض الواقع نمط آخر من الصراع علي خلفية دينية يمتد ليشمل أجزاء أخري من المنطقة العربية فيتحقق ما عجزت الآلة العسكرية والخطط السياسية الإسرائيلية والأمريكية عن تحقيقه ألا وهو اقتتال المسلمين بين بعضهم البعض حتي لو كانوا من مذهب واحد‏.‏
‏**‏ من الأجندة‏:‏
‏*‏ نجح اللواء حبيب العادلي وزير الداخلية في طمأنة‏75‏ مليون مصري علي حياتهم في الداخل‏..‏ اختفي الإرهاب الذي كان يهدد حياتنا جميعا في ظل سياسة أمنية واضحة وصارمة تقوم علي المعلومات والتكامل بين جميع الأجهزة المعنية والحسم السريع في مواجهة أبسط المخاطر‏..‏ وتلاشت حالة الخصام بين المواطن ورجل الشرطة وحلت محلها الصداقة والتعاون تأكيدا لاحترام مباديء حقوق الإنسان‏..‏ وشهدت الخدمات المدنية التي تقدمها الشرطة للمواطن تطورا غير مسبوق من حيث كفاءة الأداء أو أسلوب التعامل مما جعلها ميسورة علي الجميع بعد أن كانت موضع شكوي لسنوات طويلة‏..‏ نظراته الهادئة تعكس ثقة بلا حدود في سلامة ودقة السياسات التي اتبعها حتي الآن‏..‏ والأجمل أنه لا يعير التفاتا للصغائر وألاعيب الإعلام لأنه علي الأرجح يعلم حقيقتها مركزا علي رسالة الشرطة في عهده‏..‏ الأمن‏..‏ وخدمة المواطن وحماية القانون وإجلاء الحقائق أولا بأول‏..‏ نرفع له القبعة ونحييه هو ورجاله وجنوده ونحن نحتفل معهم بذكري عيد الشرطة‏.‏
‏*‏ معرض القاهرة للكتاب أصبح علما من معالم مصر الثفافية ولكنه مازال يفتقر للتنظيم والنظافة‏.‏ المسئولون وعلي رأسهم الأستاذ ناصر الأنصاري رئيس الهيئة العامة للكتاب بذلوا جهدا مشكورا من حيث خطة المعرض وفعالياته والاحتفاليات الثقافية التي يتضمنها وجلب ضيوف شرف علي غرار ما يحدث في المعارض الدولية الشهيرة‏(‏ إيطاليا هذا العام‏)..‏ ولكن نقل مسئولية التنظيم والنظافة إلي شركة خاصة‏,‏ أي خصخصة المعرض جاء بنتائج محدودة إن لم تكن مصدر شكوي أكبر بكثير مما كان عليه الحال عندما كانت الهيئة هي المسئولة عن المعرض في كل شيء‏..‏ ما يجب أن يقتنع به المسئولون هو أن المعرض خدمة ثقافية بالمقام الأول خصوصا في مجتمع مثل مجتمعنا ماتزال القدرات الشرائية فيه محدودة وأن يتفهموا جيدا أن تنظيمه ومظهره العام لا ينفصل مطلقا عن مضمونه الثقافي فالهدف أن يؤدي المعرض إلي حراك ثقافي كبير يفيد بقية أوجه التطور في البلاد لا أن يكون مناسبة تجارية‏.‏
‏*‏ الحقيقة الدولية‏,‏ جريدة أسبوعية أجرت أخيرا حديثا صحفيا مع د‏.‏ سعد الدين إبراهيم أراه أفضل حديث معه تم في السنوات الأخيرة لأنه تطرق إلي تطور مواقفه عبر الزمن منذ أوائل الستينيات عندما كان منغمسا في حركة القومية العربية‏.‏ وكشف الحديث عن علاقته بنظام صدام حسين وبمختلف التنظيمات الفلسطينية المسلحة وتطور اهتماماته بموضوع الوحدة العربية‏,‏ إلي أن وصل إلي ما فيه اليوم مؤمنا فقط بالديمقراطية دون أي انتماءات سياسية أخري‏.‏ والدكتور سعد الدين إبراهيم لا يشكك أحد في قدراته العلمية الفذة كعالم اجتماع شهير‏,‏ ولا يستطيع أحد الدخول في نياته ليعرف ما إذا كان يباشر فكره لصالح طرف أجنبي أو ذاك‏,‏ ولكن حماسه الكبير لما يؤمن به من قضايا يجعله لا يعطي اهتماما للوسائل التي تحقهها من وجهة نظره‏.‏هكذا تنقل بين القوميين علي اختلاف اتجاهاتهم ومصالحهم انتصارا من جانبه لدعوة الوحدة العربية‏,‏ ويتنقل الآن بين الليبراليين أو الديمقراطيين علي اختلاف أهوائهم ومصالحهم أيضا انتصارا منه للحرية السياسية دون أن يقول لنا ما الذي يقصده بالاستبداد وبالديمقراطية فكلاهما مفهوم مطاط وحمال أوجه شأنه شأن الفكرة القومية خصوصا عندما يتحول إلي فلسفة سياسية أو إيديولوجية كما يراد له الآن‏..‏ فهل يكرر التاريخ نفسه مع الرجل وتنتكس أحلامه وأفكاره مثلما حدث في الماضي القريب‏..‏ ربما؟‏!‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 3 / 2 / 2007
رقم العـدد
515
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg