|
صلاح عيسي أحببت السينما منذ تعرفت عليها وأنا في السابعة, حين شددت الرحال مع عدد من صبيان قريتي إلي المدينة المجاورة, لكي ننفق العيدية التي أعطاها لنا أهلنا بمناسبة عيدالأضحي علي ما لا نجده في سوق قريتنا من متع الحياة في البنادر: سندويتشات الطعمية الساخنة بالخبز الطري, وسندويتشات الحلاوة الطحينية في رغيف من الدقيق الأبيض الفينو, وأساسا لكي نشاهد السينما التي كان يصعب علي خيالنا آنذاك أن يتصور- علي وجه التحديد- ما هي.. أو أن يجسم ما سمعه عنها, ممن شاهدوها, في كيان له شكل. كل ما أتذكره عن الفيلم الذي قادني إلي عشق السينما, هو أنه كان من بطولة نجم المغامرات في ذلك الزمان بدر لاما, وقد ظللت لسنوات طويلة أتوهم أن اسمه هو الهبوب ملك الصحراء لكنني لم أجد فيلما بهذا العنوان في أية موسوعة للأفلام السينمائية, ولعله كان اسما اخترعه صاحب السينما, وربما كان اسم بدر لاما في الفيلم. أما الذي لم أنسه فهو النشوة الدافقة التي غمرت كياني كله, وأنا أشاهد أمامي علي الشاشة مبهورا, بشرا يتحركون ويتقاتلون ويتبادلون القبلات, وينقلونني- من جلستي علي بلاط الترسو- إلي عوالم أخري لم أكن قد رأيتها من قبل, لأنغمس في حكاية ربما لم تكن تختلف عما كانت أمي ترويه لي من قصص عن الشاطر حسن وست الحسن والجمال, مع فارق بسيط, هو أنني أري أبطالها وهم يصنعون وقائعها أمامي, وأستمع إلي أصواتهم, بل وأتوحد مع شخصية البطل الخير, الطيب, الشجاع, وأتابع مشفقا ما يتعرض له من مؤامرات الشرير, وأشترك مع من حولي من الجالسين علي بلاط الترسو في تحذيره من ضربة غادرة يستعد لتوجيهها له, أو كمين يترصده خلف إحديصخور الجبل, وهو ينطلق بحصانه في الوادي. وفيما بعد وحين غادرت قريتي إلي القاهرة لأدرس. أصبح الذهاب إلي السينما كل خميس تقليدا وضعه أبي والتزم به ثم تحول إلي حق مكتسب لم يعد يستطع مصادرته, حتي لو منع عني المصروف الإضافي الذي كان يمنحه لي لهذا الغرض, بعد أن احتطت لذلك بالادخار من المصروف الأصلي, مفضلا أن أشاهد فيلما عن أن آكل سندويتشا, أو أشتري بسكويتا من كانتين المدرسة.. وما كدت أحصل- أثناء دراستي الثانوية- علي حق الخروج دون إذن منه, لم تعد مشاهدة الأفلام ترتبط بيوم الخميس, أو بحفل الساعة السادسة, وفي الأيام التي كنت أتأخر فيها دقائق عن الوصول إلي المدرسة في الصباح, لأجد بابها موصدا, لم أكن أبذل- كغيري- ممن جاءوا متأخرين أي مجهود لإقناع البواب بأن يسمح لي بالدخول, بل كنت أتجه علي الفور إلي أقرب سينما, بل وضبطت نفسي كثيرا وأنا أتباطأ متعمدا في السير, حتي أصل إلي المدرسة فأجد الجرس قد دق, والباب قد أغلق, لأمضي ساعات الصباح مع فاتن حمامة وعماد حمدي, وتايرون باور, وسوزان هيوارد, بدلا من أن أقضيها مع الأستاذ سيد نصر مدرس الكيمياء, ومع الأستاذ السباعي مدرس الرياضيات. وقادتني غواية السينما إلي غواية القراءة, التي بدأت بقراءة ما تنشره الصحف من نقد لما أشاهده, أو أرغب في مشاهدته من أفلام, لأنتقل منها إلي قراءة بقية أبواب الصحيفة, من صفحة الأدب إلي صفحة الحوادث, ومن صفحة الرأي إلي صفحات السياسة, لأدرك- مع تراكم الأفلام وتنوع القراءة- أن السينما هي جزء من معركة الأفكار, ومن الصراع السياسي, حتي لو بدت بعض- أو كثير- من الأفلام مجرد تسلية رخيصة, لا صلة لها بأي فكر, ولا يرد فيها ذكر لأي رأي سياسي. وهكذا توقفت- مثلا- أمام تيار سينمائي كامل, كان شائعا في السينما منذ نشأتها في عشرينيات القرن الماضي, وحتي منتصف الخمسينيات منه, ينتقد بقسوة, ما كان يعرف آنذاك بـ نمط الحياة العصرية ويحذر من التفرنج وتقليد الغرب, ويعتبر التمدن قرين التحلل الأخلاقي وأقصر طريق للفقر والدمار والحرية, وينذر المرأة التي تصر علي ممارسة حقها في العمل وعلي الاختلاط بالرجال بمصير أسود هو السقوط الجنسي داعيا للتمسك بأخلاق القرية, وعدم التفريط في تقاليد الآباء والأجداد, وهو التيا ر الذي بني عليه يوسف وهبي أمجاده في مسرح رمسيس, ثم انتقل بعد ذلك إلي السينما, ليعكس رؤية ريفية محافظة لدي مشاهدي السينما, وتعبر عن انزعاجهم من تحلل الأنساق والقيم الاجتماعية للمجتمعات الزراعية أمام زحف تيار التمدن والتحديث. وتوقفت أمام التيمة الشائعة في أفلام الحقبة نفسها, التي تبشر بأيديولوجية الفقر جدعنة فالفقير في وقائع تلك الأفلام, سعيد دائما, وصحته- والحمد لله- بمب, ومعدته تهضم الزلط, أما الغني فهو دائما شخص مهدد, ومريض, لا يستطيع علي الرغم من ملايينه الطائلة, أن يتناول طبق فول, أو يشرب شوربة عدس تهفو إليها نفسه, والفقير الذي يتمرد علي وضعه الاجتماعي ويصعد إلي قمة الهرم, تدركه كل الآفات الصحية والكوارث الاجتماعية, لينتهي بالدمار, أو يتنازل عن ثروته, أو يفقدها, ليعود بعد ذلك فقيرا وسعيدا وممتلئا صحة وعافية, وهي أيديولوجية ليست في حاجة إلي تحديد صاحب المصلحة في إشاعتها. وربما لهذا السبب لم أستطع أن أقاوم مواصلة غواية البحث عن دور الفيلم في معركة الأفكار, حيث اخترت رئيسا للجنة التحكيم في مسابقة الأفلام الروائية بالمهرجان القومي الثالث عشر للسينما المصرية, الذي عقد في الأسبوع الماضي.. فأتيح لي أن أشاهد20 فيلما عرضت عام2006, بينما عزف صناع20 فيلما أخري أنتجت في العام نفسه عن دخول المسابقة, ربما لإدراكهم بأن مستواها أقل من أن يتيح لها الفرصة للمنافسة. ومع أن اللجنة عثرت بالكاد من بين هذه الأفلام علي ستة تستحق دخول المنافسة علي الجوائز, حصلت أربعة أفلام منها بالفعل عليها, إلا أن الأفكار التي تخوض بها سينما العقد الأول من الألفية الثالثة معركة الأفكار بدت لي داعية للفزع. والحقيقة أنني ذهلت لعدد العاطلين عن العمل في هذه الأفلام, ولأن الوسيلة الوحيدة لمواجهة هذه المشكلة هي أن يدخن هذا المتعطل الحشيش أو البانجو, أو أن يبيع جسده إذا كان امرأة, وذهلت لعدد الخيانات الزوجية والانحرافات الأخلاقية, ولكثرة عدد زجاجات الويسكي والنبيذ والبيرة التي شربها الأبطال, ولحجم الفساد الذي تصوره, ولم أشاهد إلا نادرا, بطلا يقاوم ظروفه, أو ينتصر عليها, إلا إذا حدث ذلك بالمصادفة, وبما يشبه المعجزة, وبدا لي وكأن مصارع الأبطال أمام أنوار الفساد أو التحلل هو الحل الوحيد لدي صناعها. ولم أصدق أن ذلك هو الواقع, وحتي لو كان كذلك فإن الفن ليس نقلا فوتوغرافيا لما يجري, لكنه اختيار من الواقع, وإضافة إليه, وأهم ما في هذه الإضافة أن الإنسان يستطيع أن يصنع مصيره, وأن ينتصر ضد ظروفه, وأمامه خيارات كثيرة غير السقوط بلا مقاومة, والاستسلام بلا قيد أوشرط. وكان ذلك بعض ما قالته سينما الماضي, وتعجز سينما اليوم عن قوله, لأنها تفضل أن تدخل معركة الأفكار وهي ترفع راية الاستسلام التام.
|