الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 المحطة الاخيرة
3الفيلم في معركة أفكار الألفية الثالثة
السبت 5 / 5 / 2007

صلاح عيسي


أحببت السينما منذ تعرفت عليها وأنا في السابعة‏,‏ حين شددت الرحال مع عدد من صبيان قريتي إلي المدينة المجاورة‏,‏ لكي ننفق العيدية التي أعطاها لنا أهلنا بمناسبة عيدالأضحي علي ما لا نجده في سوق قريتنا من متع الحياة في البنادر‏:‏ سندويتشات الطعمية الساخنة بالخبز الطري‏,‏ وسندويتشات الحلاوة الطحينية في رغيف من الدقيق الأبيض الفينو‏,‏ وأساسا لكي نشاهد السينما التي كان يصعب علي خيالنا آنذاك أن يتصور‏-‏ علي وجه التحديد‏-‏ ما هي‏..‏ أو أن يجسم ما سمعه عنها‏,‏ ممن شاهدوها‏,‏ في كيان له شكل‏.‏
كل ما أتذكره عن الفيلم الذي قادني إلي عشق السينما‏,‏ هو أنه كان من بطولة نجم المغامرات في ذلك الزمان بدر لاما‏,‏ وقد ظللت لسنوات طويلة أتوهم أن اسمه هو الهبوب ملك الصحراء لكنني لم أجد فيلما بهذا العنوان في أية موسوعة للأفلام السينمائية‏,‏ ولعله كان اسما اخترعه صاحب السينما‏,‏ وربما كان اسم بدر لاما في الفيلم‏.‏
أما الذي لم أنسه فهو النشوة الدافقة التي غمرت كياني كله‏,‏ وأنا أشاهد أمامي علي الشاشة مبهورا‏,‏ بشرا يتحركون ويتقاتلون ويتبادلون القبلات‏,‏ وينقلونني‏-‏ من جلستي علي بلاط الترسو‏-‏ إلي عوالم أخري لم أكن قد رأيتها من قبل‏,‏ لأنغمس في حكاية ربما لم تكن تختلف عما كانت أمي ترويه لي من قصص عن الشاطر حسن وست الحسن والجمال‏,‏ مع فارق بسيط‏,‏ هو أنني أري أبطالها وهم يصنعون وقائعها أمامي‏,‏ وأستمع إلي أصواتهم‏,‏ بل وأتوحد مع شخصية البطل الخير‏,‏ الطيب‏,‏ الشجاع‏,‏ وأتابع مشفقا ما يتعرض له من مؤامرات الشرير‏,‏ وأشترك مع من حولي من الجالسين علي بلاط الترسو في تحذيره من ضربة غادرة يستعد لتوجيهها له‏,‏ أو كمين يترصده خلف إحديصخور الجبل‏,‏ وهو ينطلق بحصانه في الوادي‏.‏
وفيما بعد وحين غادرت قريتي إلي القاهرة لأدرس‏.‏ أصبح الذهاب إلي السينما كل خميس تقليدا وضعه أبي والتزم به ثم تحول إلي حق مكتسب لم يعد يستطع مصادرته‏,‏ حتي لو منع عني المصروف الإضافي الذي كان يمنحه لي لهذا الغرض‏,‏ بعد أن احتطت لذلك بالادخار من المصروف الأصلي‏,‏ مفضلا أن أشاهد فيلما عن أن آكل سندويتشا‏,‏ أو أشتري بسكويتا من كانتين المدرسة‏..‏ وما كدت أحصل‏-‏ أثناء دراستي الثانوية‏-‏ علي حق الخروج دون إذن منه‏,‏ لم تعد مشاهدة الأفلام ترتبط بيوم الخميس‏,‏ أو بحفل الساعة السادسة‏,‏ وفي الأيام التي كنت أتأخر فيها دقائق عن الوصول إلي المدرسة في الصباح‏,‏ لأجد بابها موصدا‏,‏ لم أكن أبذل‏-‏ كغيري‏-‏ ممن جاءوا متأخرين أي مجهود لإقناع البواب بأن يسمح لي بالدخول‏,‏ بل كنت أتجه علي الفور إلي أقرب سينما‏,‏ بل وضبطت نفسي كثيرا وأنا أتباطأ متعمدا في السير‏,‏ حتي أصل إلي المدرسة فأجد الجرس قد دق‏,‏ والباب قد أغلق‏,‏ لأمضي ساعات الصباح مع فاتن حمامة وعماد حمدي‏,‏ وتايرون باور‏,‏ وسوزان هيوارد‏,‏ بدلا من أن أقضيها مع الأستاذ سيد نصر مدرس الكيمياء‏,‏ ومع الأستاذ السباعي مدرس الرياضيات‏.‏
وقادتني غواية السينما إلي غواية القراءة‏,‏ التي بدأت بقراءة ما تنشره الصحف من نقد لما أشاهده‏,‏ أو أرغب في مشاهدته من أفلام‏,‏ لأنتقل منها إلي قراءة بقية أبواب الصحيفة‏,‏ من صفحة الأدب إلي صفحة الحوادث‏,‏ ومن صفحة الرأي إلي صفحات السياسة‏,‏ لأدرك‏-‏ مع تراكم الأفلام وتنوع القراءة‏-‏ أن السينما هي جزء من معركة الأفكار‏,‏ ومن الصراع السياسي‏,‏ حتي لو بدت بعض‏-‏ أو كثير‏-‏ من الأفلام مجرد تسلية رخيصة‏,‏ لا صلة لها بأي فكر‏,‏ ولا يرد فيها ذكر لأي رأي سياسي‏.‏
وهكذا توقفت‏-‏ مثلا‏-‏ أمام تيار سينمائي كامل‏,‏ كان شائعا في السينما منذ نشأتها في عشرينيات القرن الماضي‏,‏ وحتي منتصف الخمسينيات منه‏,‏ ينتقد بقسوة‏,‏ ما كان يعرف آنذاك بـ نمط الحياة العصرية ويحذر من التفرنج وتقليد الغرب‏,‏ ويعتبر التمدن قرين التحلل الأخلاقي وأقصر طريق للفقر والدمار والحرية‏,‏ وينذر المرأة التي تصر علي ممارسة حقها في العمل وعلي الاختلاط بالرجال بمصير أسود هو السقوط الجنسي داعيا للتمسك بأخلاق القرية‏,‏ وعدم التفريط في تقاليد الآباء والأجداد‏,‏ وهو التيا ر الذي بني عليه يوسف وهبي أمجاده في مسرح رمسيس‏,‏ ثم انتقل بعد ذلك إلي السينما‏,‏ ليعكس رؤية ريفية محافظة لدي مشاهدي السينما‏,‏ وتعبر عن انزعاجهم من تحلل الأنساق والقيم الاجتماعية للمجتمعات الزراعية أمام زحف تيار التمدن والتحديث‏.‏
وتوقفت أمام التيمة الشائعة في أفلام الحقبة نفسها‏,‏ التي تبشر بأيديولوجية الفقر جدعنة فالفقير في وقائع تلك الأفلام‏,‏ سعيد دائما‏,‏ وصحته‏-‏ والحمد لله‏-‏ بمب‏,‏ ومعدته تهضم الزلط‏,‏ أما الغني فهو دائما شخص مهدد‏,‏ ومريض‏,‏ لا يستطيع علي الرغم من ملايينه الطائلة‏,‏ أن يتناول طبق فول‏,‏ أو يشرب شوربة عدس تهفو إليها نفسه‏,‏ والفقير الذي يتمرد علي وضعه الاجتماعي ويصعد إلي قمة الهرم‏,‏ تدركه كل الآفات الصحية والكوارث الاجتماعية‏,‏ لينتهي بالدمار‏,‏ أو يتنازل عن ثروته‏,‏ أو يفقدها‏,‏ ليعود بعد ذلك فقيرا وسعيدا وممتلئا صحة وعافية‏,‏ وهي أيديولوجية ليست في حاجة إلي تحديد صاحب المصلحة في إشاعتها‏.‏
وربما لهذا السبب لم أستطع أن أقاوم مواصلة غواية البحث عن دور الفيلم في معركة الأفكار‏,‏ حيث اخترت رئيسا للجنة التحكيم في مسابقة الأفلام الروائية بالمهرجان القومي الثالث عشر للسينما المصرية‏,‏ الذي عقد في الأسبوع الماضي‏..‏ فأتيح لي أن أشاهد‏20‏ فيلما عرضت عام‏2006,‏ بينما عزف صناع‏20‏ فيلما أخري أنتجت في العام نفسه عن دخول المسابقة‏,‏ ربما لإدراكهم بأن مستواها أقل من أن يتيح لها الفرصة للمنافسة‏.‏
ومع أن اللجنة عثرت بالكاد من بين هذه الأفلام علي ستة تستحق دخول المنافسة علي الجوائز‏,‏ حصلت أربعة أفلام منها بالفعل عليها‏,‏ إلا أن الأفكار التي تخوض بها سينما العقد الأول من الألفية الثالثة معركة الأفكار بدت لي داعية للفزع‏.‏
والحقيقة أنني ذهلت لعدد العاطلين عن العمل في هذه الأفلام‏,‏ ولأن الوسيلة الوحيدة لمواجهة هذه المشكلة هي أن يدخن هذا المتعطل الحشيش أو البانجو‏,‏ أو أن يبيع جسده إذا كان امرأة‏,‏ وذهلت لعدد الخيانات الزوجية والانحرافات الأخلاقية‏,‏ ولكثرة عدد زجاجات الويسكي والنبيذ والبيرة التي شربها الأبطال‏,‏ ولحجم الفساد الذي تصوره‏,‏ ولم أشاهد إلا نادرا‏,‏ بطلا يقاوم ظروفه‏,‏ أو ينتصر عليها‏,‏ إلا إذا حدث ذلك بالمصادفة‏,‏ وبما يشبه المعجزة‏,‏ وبدا لي وكأن مصارع الأبطال أمام أنوار الفساد أو التحلل هو الحل الوحيد لدي صناعها‏.‏
ولم أصدق أن ذلك هو الواقع‏,‏ وحتي لو كان كذلك فإن الفن ليس نقلا فوتوغرافيا لما يجري‏,‏ لكنه اختيار من الواقع‏,‏ وإضافة إليه‏,‏ وأهم ما في هذه الإضافة أن الإنسان يستطيع أن يصنع مصيره‏,‏ وأن ينتصر ضد ظروفه‏,‏ وأمامه خيارات كثيرة غير السقوط بلا مقاومة‏,‏ والاستسلام بلا قيد أوشرط‏.‏
وكان ذلك بعض ما قالته سينما الماضي‏,‏ وتعجز سينما اليوم عن قوله‏,‏ لأنها تفضل أن تدخل معركة الأفكار وهي ترفع راية الاستسلام التام‏.‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 5 / 5 / 2007
رقم العـدد
528
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg