الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 موضوع الغلاف
3متوفرة فى السوق : كبد..كلى..قرنية..نخاع...!

أعضاء بشريـة للبيع

السبت 5 / 5 / 2007

تحقيق‏-‏ محمد عبدالحميد


لغة الأرقام لا وجود لها في تحديد حجم تجارة الأعضاء البشرية في المنطقة العربية‏,‏ لكن الحقيقة المؤكدة أن تلك التجارة الغريبة آخذة في الازدهار والتوسع عاما تلو الآخر لتتخذ من دول بعينها مثل مصر وسوريا والأردن ولبنان والعراق سوقا كبيرا للإيقاع بالضحايا الذين يرغمون علي التضحية سرا بجزء من أجسادهم‏,‏ لاسيما الكلي وفص من الكبد و النخاع‏,‏ تحت وطأة الفقر والعوز وغياب التشريعات التي تنظم المسألة وتردع المخالفين‏.‏
الأهرام العربي تفتح ذلك الملف الشائك في ضوء التحذيرات الأخيرة لمنظمة الصحة العالمية من تفشي تلك التجارة عالميا والإشارة إلي أن مصر وباكستان والفلبين هم أكثر الدول استقطابا للغرباء الباحثين عن أعضاء بشرية بأرخص الأسعار‏.‏
وتوضح المنظمة أن تزايد أعداد الحالمين إلي كلي وأكباد وقلوب وقرنيات ونخاع عظمي لمواصلة الحياة من جديد وطول قوائم الانتظار لسنوات قبل الحصول علي أعضاء من متوفين في بعض الدول الغنية‏,‏ دفعت بالمرضي المحبطين إلي البحث في دول العالم الثالث عن مصادر جديدة‏,‏ وأسهم تردي الأوضاع المعيشية في تلك الدول إلي ظهور مافيا يسهم أعضاؤها في الإيقاع بالضحايا وإغرائهم بالمال‏.‏
كما أوضحت المنظمة أن هناك قري بعينها في المناطق الفقيرة في باكستان يعيش نحو‏50%‏ من سكانها بكلية واحدة فقط بعد بيعهم الأخري‏.‏
أما في مصر فلا تختلف الصورة كثيرا بعدما أصبح من اللافت للنظر يوميا أن يطالع قراء الصحف إعلانا يطلب متبرعا بكلية أو بفص كبد‏,‏ تاركا رقم الهاتف لمن يرغب في التبرع‏,‏ لاسيما وهم يتزايدون يوميا لدرجة أن سعر بيع الكلي مثلا قد انخفض كثيرا نتيجة لهذا الإقبال المتزايد تحت وطأة الفقر‏,‏ فحسب محاضر وتحقيقات الشرطة المصرية فقد كان سعر الكلية في القضايا التي أبلغت الضحايا عنها يتراوح من‏50-70‏ ألف جنيه مصري في عام‏1996‏ أما الآن وحسب القضايا الخمس التي كشف عنها أخيرا فتتراوح من‏20-30‏ ألف جنيه‏,‏ وهناك من يبيع كليته أو فصا من الكبد نظير عقد عمل في إحدي دول الخليج أو أوروبا‏.‏
وحسب مصدر أمني بوزارة الداخلية المصرية فإن الكشف عن تلك الجرائم يتم في الغالب بناء علي بلاغ يتقدم به الضحية‏-‏ المتبرع‏-‏ بعد إجراء العملية واكتشافه أن المبلغ الذي تقاضاه يقل كثيرا عما هو متفق عليه‏,‏ فأحمد‏-27‏ سنة‏-‏ وإبراهيم‏-40‏ سنة‏-‏ وعبدالفتاح‏-36‏ سنة‏-‏ فقد كل منهم كليته خلال بحثهم عن عقد عمل في الخليج‏,‏ حيث ذكروا في محاضر الشرطة أن وسيطا وعدهم بوظائف في السعودية والإمارات شرط أن يخضعوا إلي فحص طبي بأحد المستشفيات في منطقة مصر الجديدة‏,‏ وهناك زعم الطبيب بأن كلا منهم يعاني مرضا في الكلية يتطلب جراحة عاجلة وأنهم فور خروجهم من غرفة العمليات سوف تكون عقود العمل في انتظارهم‏,‏ لكن ما حدث أنهم أجروا الجراحة واختفي الوسيط ومعه كلية كل منهم‏,‏ فأبلغوا الشرطة بما حدث وتحركت أجهزة الأمن‏,‏ وكشفت عن جانب آخر من الواقعة يتلخص في أن الضحايا كانوا علي علم تام بتبرع كل منهم بكليته نظير‏20‏ ألف جنيه وعقد عمل‏,‏ وأنهم تقاضوا‏10‏ آلاف جنيه قبل إجراء العملية‏,‏ كما قاموا بالتوقيع علي أوراق تفيد تبرعهم بالكلي دون مقابل مادي‏,‏ وهي الصيغة التي يلجأ إليها محترفو تجارة الأعضاء من أطباء ووسطاء للهروب من المساءلة القانونية‏,‏ مستغلين الثغرات القانونية الفادحة التي تبيح التبرع وتجرم البيع‏,‏ وبمرور الوقت أصبحت في مصر بورصة لتجارة الأعضاء تزخر بقائمة طويلة من الأعضاء البشرية الأكثر طلبا من قبل مافيا تجارة الأعضاء تبدأ بالكلية ثم الكبد والقلب والرئة والبنكرياس والأمعاء وقرنية العين والأذن الوسطي وصمامات القلب والعظم والشرايين والنخاع والغضروف والألياف‏,‏ وتتفاوت أسعار كل عضو حسب حجم الطلب عليه في السوق المصرية التي فوجئت أخيرا بعدد من الجرائم قد ارتكبت بهدف سرقة أعضاء المجني عليهم وليس مالهم أو تصفية لحسابات شخصية‏.‏ وآخرها ماحدث في محافظة سوهاج بصعيد مصر‏,‏ حيث اصطحب أحدالأشخاص مريضا نفسيا إلي مستشفي خاص وسرق قطعة من جلده لتجميل وجه حفيدته المصابة بحروق‏.‏
قانون جديد
واقعة أخري كان بطلها الدكتور حاتم الجبلي‏,‏ وزير الصحة‏,‏ والذي فوجئ بكم كبيرمن مخالفات زرع الكلي تم في مستشفيين كبيرين بالدقي والمهندسين‏,‏ فأمر بإحالة المخالفين للنائب العام‏,‏ وأثبتت التحريات تورط المستشفيين في عمليات الاتجار بالأعضاء والتعامل مع سماسرة لجلب عدد من الشباب العاطلين والفقراء ونزع إحدي كليتهم مقابل مبالغ مالية تراوحت ما بين‏20-30‏ ألف جنيه وزرعها لأثرياء مصريين وعرب وجنسيات أخري بعيدا عن قواعد التبرع المتعارف عليها‏.‏
الدكتور حمدي السيد نقيب الأطباء‏,‏ والذي يشغل في ذات الوقت منصب رئيس لجنة الصحة في البرلمان المصري سبق له إثارة الأمر أكثر من مرة تحت قبة البرلمان‏,‏ محذرا من خطورة الاتجار في الأعضاء البشرية‏,‏ مؤكدا أن أعضاء المصريين البسطاء تحولت إلي قطع غيار للمرضي الذين يحضرون من الدول العربية والأجنبية لزراعة الأعضاء البشرية في مستشفيات خاصة بخبرات أجنبية‏.‏
وقال إن نقابة الأطباء تريد ضبط مهنة نقل وزراعة الأعضاء من خلال موافقة المجلس علي سن القوانين اللازمة وإلا تحولت المهنة إلي سوق كبيرة يضيع فيها البسطاء من الناس‏.‏
يذكر أن حمدي السيد يحاول منذ‏5‏ سنوات تمرير قانون في البرلمان يجرم الطبيب المخالف بعقوبة تتراوح من ستة أشهر إلي عشر سنوات وغرامة من عشرة آلاف جنيه إلي مائة ألف جنيه‏,‏ وغلق المنشأة التي أجريت فيها العملية‏,‏ وهي عقوبات أشد غلظة من المعمول بها حاليا في نقابة الأطباء‏,‏ حيث تحيل المخالف إلي التأديب أو الإيقاف‏,‏ فقد شهدت الفترة الماضية توقيع بعض العقوبات علي المخالفين والتي بلغت الإيقاف عن العمل لفترة تتراوح ما بين‏3‏ أشهر إلي عام‏,‏ وهي عقوبات ليست كافية في ظل عدم وجود تشريع ينظم نقل الأعضاء والتبرع من الأحياء إلي الأحياء‏,‏ وكذلك السماح بالحصول عليها من المتوفين حديثا‏,‏ وذلك باستثناء قانون زراعة القرنية ونقلها من متوف لحي‏,‏ والذي يعد التشريع الوحيد الصادر عن مجلس الشعب في هذا المجال‏.‏
ويشير د‏.‏ حمدي إلي أن لجنة الصحة عادت من جديد قبل أيام لمناقشة مشروع قانون نقل وزراعة الأعضاء والذي سبق وأعدته اللجنة منذ‏6‏ سنوات‏,‏ وأن اللجنة قررت الاستماع في المرحلة المقبلة لمقترحات الأعضاء في إجراء تعديلات علي صياغة المواد في ضوء المتغيرات الطبية خلال السنوات السابقة‏,‏ مشيرا إلي أن التعديلات التي ستقترح لن يتم إضافتها علي القانون الحالي‏,‏ إنما سيتفق عليها في اللجنة فقط علي أن تعرض خلال مناقشة القانون في الجلسة العامة في مجلس الشعب‏,‏ وأرجع د‏.‏ حمدي عدم إضافة صياغات جديدة للقانون‏,‏ حيث سبق وحصل القانون علي الموافقة من حيث المبدأ في لجنة الاقتراحات بالمجلس‏,‏ وتم إحالته لمجلس الشوري‏,‏ وقال إن إدخال صياغة جديدة تجعله قانونا جديدا ويستلزم إعادة مناقشته من جديد مما يستغرق وقتا طويلا‏.‏
وأوضح أن اللجنة تود إقرار القانون في أسرع وقت ممكن للحدمن ظاهرة سماسرة الاتجار في الأعضاء والتي أضرت بصحة المواطنين لعدم وجود ضوابط لنقل الأعضاء‏,‏ وأكد حمدي السيد أن اللجنة سترسل مذكرة في القريب العاجل إلي الدكتور أحمد فتحي سرور‏,‏ رئيس مجلس الشعب تطالبه بسرعة مناقشة القانون دون انتظار رأي مجلس الشوري نظرا لحاجة المجتمع الشديدة إليه في الوقت الراهن‏.‏
الدكتورة فوزية عبدالستار أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة والرئيس الأسبق للجنة التشريعية بالبرلمان المصري‏,‏ تري أن الوقت قد حان لتكاتف جميع أجهزة الدولة للوقوف أمام تلك التجارة القذرة التي تهدد أمن واستقرار المجتمع‏,‏ وتقول‏:‏ شهدت السنوات الماضية ظهور أكثر من مشروع قانون ينظم زراعة الأعضاء في مصر منها مشروع تقدمت به جامعة المنصورة حين كنت أشغل رئيس اللجنة التشريعية في البرلمان وفوجئت بفريق طبي من المتخصصين يحضرون لمقابلتي وأعتقدت أنهم من المؤيدين لسرعة مناقشة هذا القانون‏,‏ لكنني وجدت هم من المعارضين بشدة لفكرة زراعة الأعضاء والتبرع بها واستشهدوا بعدد من الآراء الفقهية التي تؤيد وجهة النظر تلك‏,‏ وتم تصعيد الموضوع إعلاميا‏,‏ واختلف الرأي العام بين مؤيد ورافض وكل فريق لديه من الآراء والحجج العلمية والفقهية ما يؤيده مما كان له بالغ الأثر في تأجيل البت في هذا القانون حتي الآن‏,‏ وتابعت‏:‏ لابد عند مناقشة أي قانون أن يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية وأن تكون هناك فتوي صريحة من مفتي الديار المصرية ومجمع البحوث الفقهية بالأزهر تؤيد هذا الأمر‏,‏ وهو ما لم يتحقق حتي الآن لقانون نقل وزراعة الأعضاء البشرية‏.‏
وتشير إلي أنها من أشد المؤيدين لوجود تشريع ينظم تلك المسألة التي قد تتحول في غياب القانون إلي سوق سوداء لا تحكمها قواعد أو أية معايير وهو ما يعني تحول المجتمع إلي غابة‏.‏
كما تشير إلي أنها لا تمانع نقل الأعضاء من إنسان حي إلي آخر‏,‏ أو من ميت بشرط موافقته قبل الرحيل وعدم اعتراض أسرته‏,‏ أما من يطالبون بالحصول علي أعضاء موتي جذع المخ أو الموت الإكلينيكي‏,‏ فهذا ما أرفضه تماما‏,‏ فمن يدرينا أن الله قد يكتب له الشفاء ويفيق ويعود لحالته الطبيعية؟
وتتطرق د‏.‏ فوزية إلي القانون الذي يطبق علي من يتجارون بالأعضاء البشرية حاليا من أطباء وسماسرة وغيرهم فتقول‏:‏ القانون المصري يتعامل حاليا مع تجارة الأعضاء بموجب نص المادة‏240‏ من قانون العقوبات والتي تنص علي‏:‏ كل من أحدث بغيره جرحا أو ضربا نشأ عنه قطع أو انفصال عضو أو فقد منفعته أو نشأ عنه كف البصر العمي أو فقد إحدي العينين أو أي عاهة مستديمة يستحيل برأها‏,‏ يعاقب بالسجن من‏3‏ إلي‏5‏ سنوات‏,‏ وإذا كان الجرح أو العاهة صادرين عن سبق إصرار وترصد‏,‏ كما في حالة تجارة الأعضاء‏,‏ يعاقب بالسجن المشدد من‏3‏ إلي‏10‏ سنوات‏,‏ وتكون العقوبة هي الأشغال الشاقة لمدة لا تقل عن‏5‏ سنوات إذا وقع الفعل من طبيب بقصد نقل العضو أو جزء منه من إنسان حي لآخر‏,‏ وتكون العقوبة هي السجن المؤبد إذا نشأ عن الفعل وفاة المجني عليه‏,‏ ويشترط لتوقيع العقوبات المذكورة أن يقع الفعل خلسة‏,‏ وتشير الدكتورة فوزية إلي أن أسباب ازدياد تجارة الأعضاء في مصر خلال السنوات الأخيرة ترجع إلي سببين الأول‏:‏ اتساع الظاهرة الإجرامية بصورة كبيرة نتيجة وجود أوضاع اجتماعية واقتصادية سيئة تكون بمثابة أداة التحريض الأولي علي ارتكاب الجريمة‏,‏ والثاني‏:‏ يكمن في الفقر الذي يدفع بالإنسان إلي ارتكاب جرائم شتي تحت ضغط الحاجة وتلبية متطلبات الحياة‏,‏ فهناك من يبيع ابنه أو يضحي بحياته بالانتحار إذا عجز عن إطعام أسرته وهكذا‏.‏
وترفض الدكتورة فوزية ما يردده البعض من أن علي المشرع أن يبيح للأطباء الاستفادة من أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام وتقول هذه الدعاوي أو الاقتراحات تبتعد بنا تماما عن الإنسانية‏,‏ فالمحكوم عليه بالإعدام مهما كانت جريمته فهو إنسان ارتكب خطأ وصدر ضده حكم واحد فقط‏,‏ بإزهاق روحه بواسطة حبل المشنقة‏,‏ لذا أي تجاوز من قبل الأطباء بالحصول علي أعضائه البشرية يعد بمثابة عقوبة أخري لم ينص عليها القانون الذي يجرم العبث بجثث الموتي‏,‏ أما إذا أراد المحكوم عليه بالإعدام أن يوصي بالتبرع بأعضائه بعد وفاته فلا مانع‏.‏
إدارة عاجزة
وقد يتساءل كثيرون عن حقيقة الدور الذي تلعبه إدارة العلاج الحر بوزارة الصحة سواء بالقاهرة أم غيرها من المحافظات‏,‏ وهي الجهة المنوط بها محاربة تجارة الأعضاء ومنع حدوثها داخل المنشآت الطبية من مستشفيات وعيادات؟
مصدر رفيع المستوي بتلك الإدارة أكد لـ الأهرام العربي أنهم عاجزون عن فعل أي شيء للحد من تجارة الأعضاء لأسباب تتعلق بالإمكانات‏,‏ فيكفي القول إن عدد العاملين في تلك الإدارة بالقاهرة هم‏9‏ أشخاص فقط‏,‏ وفي كل مديرية صحة بالمحافظات يعمل واحد فقط‏,‏ إذن عدد العاملين المكلفين بمواجهة تلك التجارة القذرة لا يتجاوز‏35‏ فردا وعليهم المتابعة والتفتيش علي أكثر من‏20‏ ألف منشأة طبية علي مستوي الجمهورية‏.‏
أضف إلي ذلك أن نقابة الأطباء في الحالات التي ضبطت وهي تتاجر في الأعضاء لم تتخذ إجراءات صارمة ضد الطبيب المدان واكتفت بإيقافه عن العمل لمدة‏6‏ أشهر‏,‏ يعود بعدها لممارسة عمله كأن شئ لم يكن‏,‏ ويشير المصدر إلي أن الحل لمواجهة تلك الظاهرة يأتي بوجود قانون صارم يعاقب بلا هوادة ووجود أكثر من جهة صحية وقانونية لديها صلاحيات التفتيش ومراقبة المنشآت الطبية للحد من إجراء مثل تلك العمليات القذرة وبدون ذلك فلا وجود للحل أبدا‏.‏
لكن ما الذي دفع بالمجتمع المصري للوصول إلي تلك الحالة من الانهيار والمتاجرة بكل شئ؟ الدكتور أحمد المجدوب‏,‏ خبير علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة‏,‏ تصدي للإجابة المريرة بقوله‏:‏ إن الذي يحدث حاليا ما هو إلا إفراز طبيعي للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السيئة التي تسود مصر هذه الأيام‏,‏ فقد أصبح مجتمعا استهلاكيا كل خطوة فيه بفلوس‏,‏ مما أسهم في أن كثيرين أصبحوا عرضة للانحراف وارتكاب الجريمة ويقول‏:‏ أصبح من الشائع اليوم أن نسمع عمن تبيع ابنها بعدما باعت بالأمس شرفها‏,‏ وكذلك الرجل الذي يعجز عن تلبية احتياجات أسرته فيسرق أو يقتل ومن يخش منهم مخالفة القانون يفكر في الطريق السهل ببيع أحد أعضائه ويؤكد المجدوب أن المجتمع المصري يعيش واحدة من أسوأ فتراته لأسباب كثيرة ليس جميعها يرجع للحكومة وللسياسات الاقتصادية التي وسعت الفجوة بين الفقراء والأغنياء وأسهمت في اغتيال أحلام الفقير في الحياة الكريمة وهناك أسباب أخري كان البطل فيها هم الأفراد وأنفسهم بعدما سادت بينهم ثقافة‏,‏ وأنا مالي‏,‏ وأنا ومن بعدي الطوفان‏,‏ واللي تغلب به العب به‏,‏ وغيرها إلي جانب البعد عن الدين برغم أن كثيرين يتظاهرون بالتدين سواء بكثرة السفر لأداء العمرة أم غيرها من المظاهر الكاذبة التي تبعد كثيرا عن جوهر الدين الذي يقوم صراحة علي المعاملة والتعاون ومساندة الغني للفقير‏,‏ كثير من الناس تحاول الآن توهم نفسها بأن علاقتها بربنا طيبة‏,‏ وأن غيرها تراها متدينة وأخلاقها رائعة‏,‏ وهذه كارثة فإننا نعيش في مجتمع تطغي عليه الازدواجية والخداع‏,‏ فنتج عنهما الظروف الاجتماعية البيئية التي نعيشها الآن من زيادة معدلات الجريمة‏,‏ كما عمت الفوضي والانتهازية في كثير من أمور الحياة‏.‏
وأضاف المجدوب أن تجارة الأعضاء كظاهرة لا تستحق أن تتوقف أمامها المراكز البحثية لبحث أسبابها‏,‏ فهي كما يقول معلومة للجميع أسبابها والتي تكمن في الفقر بالنسبة لمن يبيع والانتهازية وغياب الضمير لمن يشتري ويربط الدكتور المجدوب بين عودة المجتمع المصري لوعيه وحرصه علي تدارك ما فاته وإصلاح أحواله الاقتصادية‏,‏ وبين انحصار تجارة الأعضاء ويقول من الصعب جدا أن توعي أو تحذر الفقير من خطورة بيع أعضائه طالما أن البديل بالنسبة له أن يموت جوعا أو ينتحر لعدم استطاعته إيجاد فرصة عمل أو إطعام أولاده‏.‏
شخصية مقهورة
ما قاله المجدوب يدفع بنا للتساؤل والبحث عن الحالة النفسية التي يكون عليها من يقبل بيع عضو من أعضائه في مقابل حفنة من المال‏.‏ الدكتور إلهامي عبدالعزيز أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس هو الآخر تصدي للإجابة فقال‏:‏ ثمة فروق جوهرية كثيرة في شخصية من يتبرع بأحد أعضائه البشرية‏,‏ الأول أن من يتبرع بكليته مثلا أو غيرها من الأعضاء لابنه أو شقيقه أو لإنسان عزيز عليه فيعتبره نوعا من الإيثار أو الحب والدعم والمساندة‏,‏ وهذا يمثل درجة عالية من درجات الرقي الإنساني‏,‏ فحينما تعطي لأجل من تحب فأنت كمن يدافع عن بلده ويموت من أجلها‏.‏
والثاني هو نوع آخر من البشر في الغالب هم فئة تشعر بالإحباط وفي حاجة لتلبية احتياجاتها الأساسية‏,‏ فمن الممكن أن يبيع الإنسان أعضاءه من أجل أن يأكل أو يعالج ابنه أو يهرب من شبح الديون والفقر الذي يحيل حياته إلي جحيم‏,‏ فهو هنا يري في البيع أقل الأضرار‏.‏
ويضيف إلهامي‏:‏ في ظل الضغوط الكثيرة التي يتعرض لها الفقراء في مصر هذه الأيام نجد بينهم من يقدم علي الانتحار باعتباره طوق الخلاص من أزماته‏,‏ وآخرون يرون في الانتحار مخالفة كبري لشرع الله ويستعرضون عنها ببيع أحد أعضائه بدعوي أنه من الأفضل له أن يعيش حياة كريمة بضع سنوات قليلة بكلية واحدة أو بجزء من الكبد علي أن يعيش مدة أطول بكامل أعضائه وصحته‏,‏ وهو لا يجد ما يأكله أو يعجز عن تلبية احتياجات أبنائه أو يجد فرصة عمل تغنيه عن سؤال الناس‏,‏ وهو هنا شخص غير مريض نفسيا‏,‏ وإنما هو شخصية مغلوبة علي أمرها‏,‏ وبالأدق مقهورة وتستحق الشفقة‏*‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 5 / 5 / 2007
رقم العـدد
528
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg